المواضيع الأخيرة
تنويه
الأراء والأفكار التي تطرح في جميع منتديات الجالية سواء كانت من ضيوف المنتدى أو أعضاء الجالية أو أعضاء اللجنة التنفيذية لا تعبر عن موقف الجالية انما تعبر عن أصحابها فقط
بقالة الريان
اول بقالة سودانية ب نورث ايست فيلادلفيا

لجميع إحتياجات الاسرة السودانية
ندوة التجمع عن التحول الديمقراطي، السبت 9 يناير
صفحة 1 من اصل 1 • شاطر •
رد: ندوة التجمع عن التحول الديمقراطي، السبت 9 يناير
مقالات و تحليلات : مقال رائ : بقلم :فتحي الضّـو
عقلاء ومجانين/فتحي الضَّـو
Dec 27, 2009, 20:19
سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com
ارسل الموضوع لصديق
نسخة سهلة الطبع
عقلاء ومجانين
فتحي الضَّـو
faldaw@hotmail.com
بحثت ونقبت تلافيف عقلي لعلني أجد موضوعاً يدخل البهجة في نفسك أيها القاريء الكريم، لا سيما، ونحن نعيش خواتيم العام 2009 الذي يطوي آخر ايامه إيذاناً بالرحيل. وبعد جهد جهيد - لا منَّ فيه ولا أذىً - لم أجد غير هذا العنوان المحايد الذي أوحى لي به أحد دهاقنة العصبة ذوي البأس، وذلك على إثر مطالعتي تصريح له على صفحات هذه الصحيفة (الأحداث 24/12/2009) والتي حجبت اسمه بإعتباره مصدراً حكومياً على حد تعبيرها. ما يهمنا أن هذا المصدر وصف التقرير الأخير الصادر عن مجموعة (كفاية) التابعة لمركز (أمريكان بروجرس) بقوله (إنهم مجموعة مجانين) ولم يشاء مصدرنا العزيز أن يجعلنا (نتهنى) بما عزمنا عليه، فأردف بثقة تقطع دابر أي شكوك قد تطرأ على نفس سامعه وقال: (إن كانت الحكومة تتأثر بمثل هذه التقارير لخسف بالسودان منذ عام 1963) ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يُنجِّم سبب اختياره العام المذكور تحديداً، ولكن يبدو أن غضبته المضرية تلك مردها إلى أن المجموعة طالبت في تقريرها الصادر مؤخراً (حكومة الولايات المتحدة والدول المانحة فرض عقوبات على حزب المؤتمر الوطني) والواقع أن طلبها هذا لم يأت جُزافاً فقد قدمت باقة من الحيثيات والأدلة التي تُحمِّل الحزب (العملاق) تبعات ما إغترفت يداه بالنسبة للانتخابات المزمع عقدها في ابريل القادم، وقالت (إنها قريباً ستدان كانتخابات فاشلة) وهو قول لا أظن أن سدنتها سمعوا به للمرة الأولى، إذ لا يوجد مراقب لحركاتهم وسكناتهم لم يشنف آذانهم بهذا القول الفصل. ولكن الذي استغلق علىّ فهمه وعزَّ علىّ إدراكه، قول المصدر المحجوب اسمه إن (المركز المعني وغيره من المجموعات المعارضة للحكومة يأخذون الأموال بطرق غير أخلاقية ويحاولون التأثير على المواطنين) وأرجو ألا يسأل عاقل عاقلاً من هم المواطنون المعنيون. في حين لم يكن غريباً أن ينصَّب نفسه ناطقاً بإسم إدارة الرئيس أوباما وقال: (لكن الحكومة الأمريكية وصناع القرار يعلمون تماما عدم جديتهم في تلك الأطروحات) وتابع بتناقض كاد أن يلحقه بالتهليل والتكبير حينما قال (إن طلب الكونغرس من المركز إعداد تقرير خطوة طبيعية لنص الدستور على إلزام الكونغرس بطلب دراسة أو الاستماع للنصح والأخذ بآراء أمثال جون برندرجاست المعروف بعدائه الشديد للسودان) وأرجو كذلك ألا تكون ممن يسؤهم التخليط بين العداء للسودان وانتقاد النظام الذي يحكم السودان!
بيد أن ذلك كله ليس هدفي، فلم يكن يعنيني من ما اقتبست أعلاه سوى نعت المصدر للقائمين على أمر المنظمة بالجنون. وبغض النظر عن أن الوصف ثقيل على النفس، إلا أنني وجدت فيه ما يُغري بالدخول إلى عالم المجانين الذي أوصانا القول المأثور بأن نأخذ الحكمة من أفواههم. وقلت لنفسي طالما أن هذه المنظمة تلعب دوراً مؤثراً في صناعة القرار الدولي الخاص بالسودان وليس الأمريكي وحده، نسأل الله أن يكون وصف هذا المصدر حقيقة، فلربما كان القائمون عليها من حفدة سيدنا لقمان ووجدنا الحكمة التي أعيانا البحث عنها تتوسد اضابيرهم وتنثال من أفواهم. وحينئذ لن يجد المصدر حرجاً في إخفاء اسمه بل لربما ألحقه بوضع رسمه أيضاً، فهو لا شك يعلم أن بين العبقرية والجنون صلة قربى، ولهذا صُنِّف كثير من عباقرة العالم في خانة المجانين ولم يغضبهم ذلك في كبير شيء، بل حتى في أوساط السياسيين هناك من أسعده الوصف. فقد علمت من خلال قراءاتي المتواضعة أن هناك رئيساً واحداً في العالم كان يصف نفسه بالمجنون أو (اللوكو) باللغة الاسبانية، ذلك هو الرئيس الأكوادوري السابق عبد الله بوكرم، المنتمي لأسرة لبنانية مهاجرة، وقد خلعه الأكوادريون بثورة شعبية عارمة مما اضطر البرلمان لإجباره على التنازل بعد ستة أشهر فقط من حكمه، وبعدها غادر إلى بنما حيث يعيش حتى الآن، والواقع أن شعبه خلعه ليس لأنه كان يصف نفسه بالمجنون، ولكن لأن أقواله وأفعاله جانبتها الحكمة التي إلتصقت بأفواه المجانين!
لا أعتقد أن برندرجاست أو أي من قباطنة (كفاية) سيغضبوا لوصفهم بالجنون، بل أن الأمريكيين بشكل عام وربما كل شعوب العالم الأول لا يرون أي غضاضة في التعامل مع عيادات الطب النفسي، والتي ليس بالضرورة أن يؤمها أصحاب الحالات المستعصية التي ذهب عقلها، ولكن يغشاها أيضاً البعض للاستشارات الحياتية المختلفة، ولنا في دكتور (فل) ببرنامجه الشهير الذي تعدت مشاهداته الفضاء الأمريكي مثلاً ناطقاً. والواقع نحن السودانيين وإن كان بيننا وبين عيادات الطب النفسي ما صنع الحداد، إلا أننا لا نشعر في الوصف بالجنون ما يجعلنا نتحسس صواري عقولنا. بل لدينا في جنوب كردفان قبيلة كريمة الأصل والمحتد تسمى بقبيلة المجانين، فيهم كثيرون اشتغلوا بالسياسة وتبوأوا مناصب عليا. ومن محاسن الصدف ونحن نعيش ذكرى استقلال السودان هذه الأيام، أن نذكر منهم الشيخ مشاور جمعة سهل، فهو من ثنى اقتراح الاستقلال من داخل البرلمان الذي تقدم به النائب عبد الرحمن دبكة. ومن جهة أخرى لا أعرف إن كانت هناك صلة بين هذه القبيلة وأخرى تحمل نفس الاسم تعيش في تخوم نجد والحجاز بالجزيرة العربية. والسودانيون بطبعهم دائماً ما تجدهم يميلون تعاطفاً مع من يوصف بالجنون، لهذا يقولون لكائن جاء أمراً عجباً (الجنون فنون) وكذلك نقول في أمثالنا الشعبية (الجن بيتداوى كعبا الإندراوة) وكعبا لغير الناطقين باللهجة العامية السودانية تعني الأسوأ، أما الإندراوة فهي الفعل الشاذ الذي يصدر عن إنسان سوي كجنون العظمة مثلاً!
ولا أدري إن كانت الإندراوة هذه هي ذات الحالة التي اصابت الرجل الذي كان أهل الخرطوم يطلقون عليه تندراً لقب (مارشال المديرية) وقد عرف عنه إنه كان يغشي وزارات الدولة المختلفة ويدلف إلى مكاتبها بكامل زيِّه العسكري وتنوء بكتفيه النياشين من كل جنس ونوع، ثم بصوت الآمر الناهي يصدر تعليماته للموظفين الذين اعتادوا عليه فيجيبونه بالسمع والطاعة، ثم يخرج في هدوء على أنغام مارشالات عسكرية لا يسمعها أحد إلا هو. ومن نوادر هذا اللقب حكى لي صديقنا مصطفي البطل طرفة جاءت على لسان أحد أعضاء المجلس العسكري الأعلى بعد اعتقالهم عقب ثورة أكتوبر 1964 وأرسلوا إلى مكان ما بعيداً عن الخرطوم (لعله سجن دبك وأطلق سراحهم بعد أيام) وقد حدث أن تأخر اللواء حسن بشير نصر لإصراره على ارتداء الزي العسكري كاملاً، بينما زملاؤه الذين سبقوه للطائرة كانوا في انتظاره بزيهم المعتاد وكانوا يتأففون من الطقس الحار داخل الطائرة، وبعد أن ظهر اللواء وهو بكامل زيِّه ونياشينه، كانت المضيفة أمام الأميرالاي المقبول الأمين الحاج تسأله إن كان يريد شيئاً، فشكرها وأجابها بالنفي وهو يشير إلى اللواء حسن بشير نصر قائلاً (لكن يا بنتي أسألي مارشال المديرية داك لو عايز حاجة) وفي واقع الأمر مضى على السودانيين حين من الدهر صاروا ينعتون كل من يتوهم العمل وهو عاطل بمارشال المديرية، وأمتد الأمر للتندر من بعض حكامهم الذين يرأسون ولا يحكمون!
ولا أدري أيضاً إن كانت الإندراوة هذه هي نفسها التي اصابت ذاك الرجل المهندم الذي كان يرتدي جلباباً وعمامة غاية في النظافة والأناقة، ويقف يومياً في تقاطعات (صينية) سانت جيمس (معلم من المعالم البائدة في الخرطوم) وكان ينتقد نظام نميري بأقسى أنواع النقد وهو يوجه حديثه للسابلة الراجل منهم والراكب سيارته الخاصة. وكنت أظن كسائر السودانيين أن الرجل ذهب عقله، ولكن اتضح لي بما لا يدع مجالا للشك أنه كان أوعانا عقلا وأرجحنا تفكيراً، ليس لأنه كان ينصحنا ولم نستبن النصح إلا عندما تفاقمت جرائم ذلك النظام الديكتاتوري، ولكن لأنني أذكر ذات مساء أواخر سبعينات القرن الماضي ترجلت من سيارتي وجالسته محيياً فردَّ لي التحية بأحسن منها. ثم رويدا رويدا بدأت أسأله عن قصته، فقال لي ولعل اسمه محمد حسن - إن لم تطمسه السنين من ذاكرتي - بثقة طافحة إن بنك الخرطوم في خطر، والسبب بحسب تصوره إنه دخل هذا البنك ذات يوم في غير ساعات العمل الرسمية ووصل حتى الخزانة التي تحوى كل ودائع ومدخرات البنك ولم يوقفه أحد! (هناك من قال لي إنه أصلاً كان عاملاً في هذا البنك) ونظراً لأنه مواطن صالح قال لي إنه أبلغ عدة شخصيات نافذة في الحكومة وسماها لي بالاسم (كان ايضاً يرتاد مكاتب الدولة دون أن يمنعه أحد، ويقول ما يريد ويمضى في حال سبيله) ولكن الذي حدث بعد سنوات قلائل أن بنك الخرطوم إنهار فعلاً، وبعده مباشرة إنهار النظام، وعندما إنهار البلد بأكمله أدركت كم كان الرجل عاقلاً، ولكن لم يقدر مجانين شعبه حديث عقلائه حق قدره!
إن كانت العرب العاربة قد استهواها جنون الشعر وخصوصاً شعراء الغزل أو العذريات مثل قيس بن الملوح وعنترة بن شداد وجميل بثينة والأخير هذا تعلمون إنه القائل (وإذ قلت رُدي إلىَّ بعض عقلي أعش به مع الناس/ قالت ذاك منك بعيد) واحسب أن تلك خصيصة استعرناها منه كدليل على حبنا للجن والمجانين، فلنا نحن أيضاً شعراء هاموا حباً وغراماً حتى ذهب عقلهم كما في قصة المحلق ومحبوبته تاجوج. والمفارقة أنك عندما تتأمل شعر الغزل السوداني وبخاصة الغنائي منه، يندر أن تجد قصيدة خلت من جنون المحبوب كغاية لا يصلها إلا الراسخون في العشق. وهذه الصور البديعية اللطيفة تراها أكثر وضوحاً وتجسيداً في الشِعر المُسمى بشِعر الحقيبة (نوع من أنواع الشعر الشعبي المُغني) وفي هذا كثير ما استوقفت نفسي طرباً في قصيدة للشاعر الفذ صالح عبد السيد الملقب بأبو صلاح يقول مطلعها (أجسامنا ليه جسمين وروحنا واحدة وكيف إتقسمت أثنين) إلى ان يبلغ به الوجد أمده ويصل به الوله تلك المرتبة التي تسلب المرء بعض عقله، فيقول في الشطر الثاني من بيت في القصيدة (عندي الثلث من عقلي وعندك الثلين) ولعمري هذا كرم جبَّ كرم حاتمي الطائي، إذ لا شك عندي أن معاني هذه القصيدة قد تسلب لُب متلقيها بالفعل إن أرهف لها الحس والسمع والطاعة!
لا أدري لماذا لم تلتصق صفة الجنون برؤساء أتوا أفعالاً نكرة أمام نظر وسمع العالم كله. فلعل البعض يذكر مزحة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان حينما قال (أعلن عن تدمير الاتحاد السوفيتي في هذه اللحظة) ولم يكن يعلم أن الميكرفونات مشرعة أمامه وكان يظنها مغلقة حتى كاد أن يتسبب في كارثة دولية. ويعلم البعض كذلك أن الرئيس السوفيتي الأسبق نيكيتا خروتشوف عندما استشاط غضباً في الهيئة الأممية، خلع حذاءه وطرق به الطاولة التي أمامه كدليل على الاستخفاف، ولعله اخذته العزة بالإثم يومذاك، فقد كان يقف على رأس دولة كلما عطست شمتتها نصف دول العالم. ولا أدري ما سر ولع الرئيس خروتشوف نفسه بالأحذية ففي العام 1960 سئل عن مرشحي الرئاسة الأمريكية وكانا جون كيندي الديمقراطي وريتشارد نيكسون الجمهوري، فأجاب إنهما (فردتا حذاء متشابهتان) ولكن الغريب أن خروتشوف نفسه الذي كان اسداً هصوراً في الهيئة الأممية يومذاك إعترف إنه كان مجرد جرذ صغير قبلها. حدث ذلك في العام 1956 عندما ألقى خطاباً في المؤتمر العشرين للحزب أمام البرلمان السوفيتي (الدوما) وفيه ندد بجرائم الرئيس السابق جوزيف ستالين، وبعد أن فرغ من حديثه وصلته ورقة من أحد الحاضرين كتب فيها (لماذا لم تقل هذا الكلام أمام ستالين وكنت من كبار رجاله؟) قرأ خروتشوف الورقة على المؤتمرين بصوت مسموع، ثم بإبتسامة ماكرة طلب من صاحب الملاحظة أن يعلن نفسه للحضور فلم يجرؤ، ولما طال الانتظار ضحك خروتشوف بصوتٍ عالٍ وقال (الذي دعاك للسكوت الآن هو نفس ما دعاني للصمت أمام ستالين آنذاك، لقد كنت خائفاً مثلك) فكم خروتشوف بين عصبته يا ترى؟ ثمَّ أننا نعلم أيضاً أن كثير من الرؤساء الأمريكيين كانوا يأتون بتصرفات غريبة ولم ينعتهم أحد بالجنون، فعلى سبيل المثال كان الرئيس السادس عشر ابراهام لينكلون مولعاً باعتمار القبعات الكبيرة، ولم يكن الناس يعلمون أن تلك القبعات كانت تحوي جيوب سرية يضع فيها لينكلون أوراقه وفواتيره ورسائله الخاصة. فتأمل كيف يمكن أن يكون الجنون فنوناً!
في عالمنا الأفريقي تربع ثلاثة غريبي الأطوار على عرش الديكتاتورية، وهم فيدل بيدل بوكاسا وعيدي أمين دادا وروبرت موغابي، والأخير هذا مازال على سدة السلطة منذ العام 1980 وما زال يطمع في المزيد، والحقيقة ليس وحده فقد غادر دنيانا الفانية منتصف هذا العام بعد 42 عاماً من حياة حافلة بالقتل والسحل والفساد الرئيس الغابوني عمر بونغو، صاحب الرقم القياسي بلا منازع في السلطة المستدامة. كما أننا نحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه أن بين ظهرانينا العقيد معمر القذافي الذي يزحف حثيثاً لاحتلال تلك القمة، ذلك لأنه قضى حتى الآن أربعة عقود زمنية بالتمام والكمال وكانت عامرة بكل أعمال الخير والبر والإحسان. وفي تقديري من الظلم أن نصف تصرفات العقيد القذافي بالجنون كما درجت كثير من وسائل الإعلام منذ أن اسبغ اللقب عليه تهمكاً صنوه الرئيس المغدور أنور السادات، ذلك لأن شطحاته ما عادت تثير إنتباه أحد، ففي آخر تجلياته ما قرأته في الشبكة العنكبوتية عن أن سيادته تحدث في حفل أقيم بمدينة زليتن الليبية أوائل ديسمبر الحالي، وذلك بمناسبة منح الجامعة الأسمرية للعلوم الاسلامية له شهادة الدكتوارة الفخرية في الدعوة والثقافة الاسلامية، وكالعهد به إنتقد الغرب بمقاربات غريبة، قال (يمكن المقارنة بينهم والحيوانات، إن العنكبوت والنمل والنحل، هذه حشرات واصلة إلى درجة عالية جداً من التقدم والتقنية، فالهندسة التي عند النحل والإنشاء والبناء في بيت العنكبوت، حاجة مذهلة جداً، ومع هذا هي ليست إنساناً فهي حشرة) ثم تطرق لقصة سويسرا ومآذنها فانتقد الأصوات التي أعربت عن تفهمها لموقفها على أنه خوف من أسلمتها وقال (يا سلام..يعني إذا اصبحت سويسرا مسلمة هذا شيء يخيف؟) وأضاف مقتنعاً (نحن لا نتمنى أن تكون سويسرا مسلمة حتى لا تدخل الجنة، ولا يرضى عنها الله، نحب أن تظل في وثنيتها إلى يوم القيامة وتدخل النار) وأردف قائلاً (لسنا حريصين على السويسريين والذين معهم أن يدخلوا الجنة) وحتى لا يقال عنا ضرب لنا مثلا ونسى رئيسه، أبشِّر السامعين أن سيادة المشير يعد نفسه - بعد عقدين من الشرعية الثورية - للاستمرار في السلطة بانتخابات ديمقراطية حرة نزيهة! فالمصيبة التي يجب أن نعيها يا سادتي هي أن الديكتاتور أشبه بمن يقود سيارة في الاتجاه المعاكس للسير، ويعتقد نفسه إنه العاقل الوحيد في حين أن الذين يقودون سياراتهم في الاتجاه الصحيح هم المجانين أو بالأحرى الديكتاتوريين!
أختم بالوصف الذي يسوؤني دائماً ويُفوِّر الدم في رأسي، وهو تقسيم من في السلطة إلى حمائم وصقور على صنو عقلاء ومجانين، والواقع إنني أمقته لا لسبب سوى لأنه يجعلنا نحن الرعية إما طرائد لتلك الصقور أو لحناً شجياً في سيمفونيات حمائمهم. ولكن دع عنك هرطقاتي هذه يا صاح، فأنا أريد فقط أن أسأل صاحب وصف المجانين أن يدلنا على العقلاء في عصبته ذوي البأس؟ ذلك لأنني ببساطة أود أن أطمئن بأننا لا نكتب كلاماً لا يقرأونه ونقول حديثاً لا يسمعونه، أما أنت يا عزيزي القاريء فليس عندي لك من تمنيات في العام الجديد سوى أن يسبغ الله عليك ثوب الصحة والعافية، ويجري الحكمة على لسانك، حتى وإن طالتك أضغاث أوهام واضافتك إلى زمرة مجانين يحكمهم عقلاء!!
عن صحيفة الأحداث 27/12/2009
© Copyright by SudaneseOnline.com
عقلاء ومجانين/فتحي الضَّـو
Dec 27, 2009, 20:19
سودانيزاونلاين.كوم Sudaneseonline.com
ارسل الموضوع لصديق
نسخة سهلة الطبع
عقلاء ومجانين
فتحي الضَّـو
faldaw@hotmail.com
بحثت ونقبت تلافيف عقلي لعلني أجد موضوعاً يدخل البهجة في نفسك أيها القاريء الكريم، لا سيما، ونحن نعيش خواتيم العام 2009 الذي يطوي آخر ايامه إيذاناً بالرحيل. وبعد جهد جهيد - لا منَّ فيه ولا أذىً - لم أجد غير هذا العنوان المحايد الذي أوحى لي به أحد دهاقنة العصبة ذوي البأس، وذلك على إثر مطالعتي تصريح له على صفحات هذه الصحيفة (الأحداث 24/12/2009) والتي حجبت اسمه بإعتباره مصدراً حكومياً على حد تعبيرها. ما يهمنا أن هذا المصدر وصف التقرير الأخير الصادر عن مجموعة (كفاية) التابعة لمركز (أمريكان بروجرس) بقوله (إنهم مجموعة مجانين) ولم يشاء مصدرنا العزيز أن يجعلنا (نتهنى) بما عزمنا عليه، فأردف بثقة تقطع دابر أي شكوك قد تطرأ على نفس سامعه وقال: (إن كانت الحكومة تتأثر بمثل هذه التقارير لخسف بالسودان منذ عام 1963) ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يُنجِّم سبب اختياره العام المذكور تحديداً، ولكن يبدو أن غضبته المضرية تلك مردها إلى أن المجموعة طالبت في تقريرها الصادر مؤخراً (حكومة الولايات المتحدة والدول المانحة فرض عقوبات على حزب المؤتمر الوطني) والواقع أن طلبها هذا لم يأت جُزافاً فقد قدمت باقة من الحيثيات والأدلة التي تُحمِّل الحزب (العملاق) تبعات ما إغترفت يداه بالنسبة للانتخابات المزمع عقدها في ابريل القادم، وقالت (إنها قريباً ستدان كانتخابات فاشلة) وهو قول لا أظن أن سدنتها سمعوا به للمرة الأولى، إذ لا يوجد مراقب لحركاتهم وسكناتهم لم يشنف آذانهم بهذا القول الفصل. ولكن الذي استغلق علىّ فهمه وعزَّ علىّ إدراكه، قول المصدر المحجوب اسمه إن (المركز المعني وغيره من المجموعات المعارضة للحكومة يأخذون الأموال بطرق غير أخلاقية ويحاولون التأثير على المواطنين) وأرجو ألا يسأل عاقل عاقلاً من هم المواطنون المعنيون. في حين لم يكن غريباً أن ينصَّب نفسه ناطقاً بإسم إدارة الرئيس أوباما وقال: (لكن الحكومة الأمريكية وصناع القرار يعلمون تماما عدم جديتهم في تلك الأطروحات) وتابع بتناقض كاد أن يلحقه بالتهليل والتكبير حينما قال (إن طلب الكونغرس من المركز إعداد تقرير خطوة طبيعية لنص الدستور على إلزام الكونغرس بطلب دراسة أو الاستماع للنصح والأخذ بآراء أمثال جون برندرجاست المعروف بعدائه الشديد للسودان) وأرجو كذلك ألا تكون ممن يسؤهم التخليط بين العداء للسودان وانتقاد النظام الذي يحكم السودان!
بيد أن ذلك كله ليس هدفي، فلم يكن يعنيني من ما اقتبست أعلاه سوى نعت المصدر للقائمين على أمر المنظمة بالجنون. وبغض النظر عن أن الوصف ثقيل على النفس، إلا أنني وجدت فيه ما يُغري بالدخول إلى عالم المجانين الذي أوصانا القول المأثور بأن نأخذ الحكمة من أفواههم. وقلت لنفسي طالما أن هذه المنظمة تلعب دوراً مؤثراً في صناعة القرار الدولي الخاص بالسودان وليس الأمريكي وحده، نسأل الله أن يكون وصف هذا المصدر حقيقة، فلربما كان القائمون عليها من حفدة سيدنا لقمان ووجدنا الحكمة التي أعيانا البحث عنها تتوسد اضابيرهم وتنثال من أفواهم. وحينئذ لن يجد المصدر حرجاً في إخفاء اسمه بل لربما ألحقه بوضع رسمه أيضاً، فهو لا شك يعلم أن بين العبقرية والجنون صلة قربى، ولهذا صُنِّف كثير من عباقرة العالم في خانة المجانين ولم يغضبهم ذلك في كبير شيء، بل حتى في أوساط السياسيين هناك من أسعده الوصف. فقد علمت من خلال قراءاتي المتواضعة أن هناك رئيساً واحداً في العالم كان يصف نفسه بالمجنون أو (اللوكو) باللغة الاسبانية، ذلك هو الرئيس الأكوادوري السابق عبد الله بوكرم، المنتمي لأسرة لبنانية مهاجرة، وقد خلعه الأكوادريون بثورة شعبية عارمة مما اضطر البرلمان لإجباره على التنازل بعد ستة أشهر فقط من حكمه، وبعدها غادر إلى بنما حيث يعيش حتى الآن، والواقع أن شعبه خلعه ليس لأنه كان يصف نفسه بالمجنون، ولكن لأن أقواله وأفعاله جانبتها الحكمة التي إلتصقت بأفواه المجانين!
لا أعتقد أن برندرجاست أو أي من قباطنة (كفاية) سيغضبوا لوصفهم بالجنون، بل أن الأمريكيين بشكل عام وربما كل شعوب العالم الأول لا يرون أي غضاضة في التعامل مع عيادات الطب النفسي، والتي ليس بالضرورة أن يؤمها أصحاب الحالات المستعصية التي ذهب عقلها، ولكن يغشاها أيضاً البعض للاستشارات الحياتية المختلفة، ولنا في دكتور (فل) ببرنامجه الشهير الذي تعدت مشاهداته الفضاء الأمريكي مثلاً ناطقاً. والواقع نحن السودانيين وإن كان بيننا وبين عيادات الطب النفسي ما صنع الحداد، إلا أننا لا نشعر في الوصف بالجنون ما يجعلنا نتحسس صواري عقولنا. بل لدينا في جنوب كردفان قبيلة كريمة الأصل والمحتد تسمى بقبيلة المجانين، فيهم كثيرون اشتغلوا بالسياسة وتبوأوا مناصب عليا. ومن محاسن الصدف ونحن نعيش ذكرى استقلال السودان هذه الأيام، أن نذكر منهم الشيخ مشاور جمعة سهل، فهو من ثنى اقتراح الاستقلال من داخل البرلمان الذي تقدم به النائب عبد الرحمن دبكة. ومن جهة أخرى لا أعرف إن كانت هناك صلة بين هذه القبيلة وأخرى تحمل نفس الاسم تعيش في تخوم نجد والحجاز بالجزيرة العربية. والسودانيون بطبعهم دائماً ما تجدهم يميلون تعاطفاً مع من يوصف بالجنون، لهذا يقولون لكائن جاء أمراً عجباً (الجنون فنون) وكذلك نقول في أمثالنا الشعبية (الجن بيتداوى كعبا الإندراوة) وكعبا لغير الناطقين باللهجة العامية السودانية تعني الأسوأ، أما الإندراوة فهي الفعل الشاذ الذي يصدر عن إنسان سوي كجنون العظمة مثلاً!
ولا أدري إن كانت الإندراوة هذه هي ذات الحالة التي اصابت الرجل الذي كان أهل الخرطوم يطلقون عليه تندراً لقب (مارشال المديرية) وقد عرف عنه إنه كان يغشي وزارات الدولة المختلفة ويدلف إلى مكاتبها بكامل زيِّه العسكري وتنوء بكتفيه النياشين من كل جنس ونوع، ثم بصوت الآمر الناهي يصدر تعليماته للموظفين الذين اعتادوا عليه فيجيبونه بالسمع والطاعة، ثم يخرج في هدوء على أنغام مارشالات عسكرية لا يسمعها أحد إلا هو. ومن نوادر هذا اللقب حكى لي صديقنا مصطفي البطل طرفة جاءت على لسان أحد أعضاء المجلس العسكري الأعلى بعد اعتقالهم عقب ثورة أكتوبر 1964 وأرسلوا إلى مكان ما بعيداً عن الخرطوم (لعله سجن دبك وأطلق سراحهم بعد أيام) وقد حدث أن تأخر اللواء حسن بشير نصر لإصراره على ارتداء الزي العسكري كاملاً، بينما زملاؤه الذين سبقوه للطائرة كانوا في انتظاره بزيهم المعتاد وكانوا يتأففون من الطقس الحار داخل الطائرة، وبعد أن ظهر اللواء وهو بكامل زيِّه ونياشينه، كانت المضيفة أمام الأميرالاي المقبول الأمين الحاج تسأله إن كان يريد شيئاً، فشكرها وأجابها بالنفي وهو يشير إلى اللواء حسن بشير نصر قائلاً (لكن يا بنتي أسألي مارشال المديرية داك لو عايز حاجة) وفي واقع الأمر مضى على السودانيين حين من الدهر صاروا ينعتون كل من يتوهم العمل وهو عاطل بمارشال المديرية، وأمتد الأمر للتندر من بعض حكامهم الذين يرأسون ولا يحكمون!
ولا أدري أيضاً إن كانت الإندراوة هذه هي نفسها التي اصابت ذاك الرجل المهندم الذي كان يرتدي جلباباً وعمامة غاية في النظافة والأناقة، ويقف يومياً في تقاطعات (صينية) سانت جيمس (معلم من المعالم البائدة في الخرطوم) وكان ينتقد نظام نميري بأقسى أنواع النقد وهو يوجه حديثه للسابلة الراجل منهم والراكب سيارته الخاصة. وكنت أظن كسائر السودانيين أن الرجل ذهب عقله، ولكن اتضح لي بما لا يدع مجالا للشك أنه كان أوعانا عقلا وأرجحنا تفكيراً، ليس لأنه كان ينصحنا ولم نستبن النصح إلا عندما تفاقمت جرائم ذلك النظام الديكتاتوري، ولكن لأنني أذكر ذات مساء أواخر سبعينات القرن الماضي ترجلت من سيارتي وجالسته محيياً فردَّ لي التحية بأحسن منها. ثم رويدا رويدا بدأت أسأله عن قصته، فقال لي ولعل اسمه محمد حسن - إن لم تطمسه السنين من ذاكرتي - بثقة طافحة إن بنك الخرطوم في خطر، والسبب بحسب تصوره إنه دخل هذا البنك ذات يوم في غير ساعات العمل الرسمية ووصل حتى الخزانة التي تحوى كل ودائع ومدخرات البنك ولم يوقفه أحد! (هناك من قال لي إنه أصلاً كان عاملاً في هذا البنك) ونظراً لأنه مواطن صالح قال لي إنه أبلغ عدة شخصيات نافذة في الحكومة وسماها لي بالاسم (كان ايضاً يرتاد مكاتب الدولة دون أن يمنعه أحد، ويقول ما يريد ويمضى في حال سبيله) ولكن الذي حدث بعد سنوات قلائل أن بنك الخرطوم إنهار فعلاً، وبعده مباشرة إنهار النظام، وعندما إنهار البلد بأكمله أدركت كم كان الرجل عاقلاً، ولكن لم يقدر مجانين شعبه حديث عقلائه حق قدره!
إن كانت العرب العاربة قد استهواها جنون الشعر وخصوصاً شعراء الغزل أو العذريات مثل قيس بن الملوح وعنترة بن شداد وجميل بثينة والأخير هذا تعلمون إنه القائل (وإذ قلت رُدي إلىَّ بعض عقلي أعش به مع الناس/ قالت ذاك منك بعيد) واحسب أن تلك خصيصة استعرناها منه كدليل على حبنا للجن والمجانين، فلنا نحن أيضاً شعراء هاموا حباً وغراماً حتى ذهب عقلهم كما في قصة المحلق ومحبوبته تاجوج. والمفارقة أنك عندما تتأمل شعر الغزل السوداني وبخاصة الغنائي منه، يندر أن تجد قصيدة خلت من جنون المحبوب كغاية لا يصلها إلا الراسخون في العشق. وهذه الصور البديعية اللطيفة تراها أكثر وضوحاً وتجسيداً في الشِعر المُسمى بشِعر الحقيبة (نوع من أنواع الشعر الشعبي المُغني) وفي هذا كثير ما استوقفت نفسي طرباً في قصيدة للشاعر الفذ صالح عبد السيد الملقب بأبو صلاح يقول مطلعها (أجسامنا ليه جسمين وروحنا واحدة وكيف إتقسمت أثنين) إلى ان يبلغ به الوجد أمده ويصل به الوله تلك المرتبة التي تسلب المرء بعض عقله، فيقول في الشطر الثاني من بيت في القصيدة (عندي الثلث من عقلي وعندك الثلين) ولعمري هذا كرم جبَّ كرم حاتمي الطائي، إذ لا شك عندي أن معاني هذه القصيدة قد تسلب لُب متلقيها بالفعل إن أرهف لها الحس والسمع والطاعة!
لا أدري لماذا لم تلتصق صفة الجنون برؤساء أتوا أفعالاً نكرة أمام نظر وسمع العالم كله. فلعل البعض يذكر مزحة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان حينما قال (أعلن عن تدمير الاتحاد السوفيتي في هذه اللحظة) ولم يكن يعلم أن الميكرفونات مشرعة أمامه وكان يظنها مغلقة حتى كاد أن يتسبب في كارثة دولية. ويعلم البعض كذلك أن الرئيس السوفيتي الأسبق نيكيتا خروتشوف عندما استشاط غضباً في الهيئة الأممية، خلع حذاءه وطرق به الطاولة التي أمامه كدليل على الاستخفاف، ولعله اخذته العزة بالإثم يومذاك، فقد كان يقف على رأس دولة كلما عطست شمتتها نصف دول العالم. ولا أدري ما سر ولع الرئيس خروتشوف نفسه بالأحذية ففي العام 1960 سئل عن مرشحي الرئاسة الأمريكية وكانا جون كيندي الديمقراطي وريتشارد نيكسون الجمهوري، فأجاب إنهما (فردتا حذاء متشابهتان) ولكن الغريب أن خروتشوف نفسه الذي كان اسداً هصوراً في الهيئة الأممية يومذاك إعترف إنه كان مجرد جرذ صغير قبلها. حدث ذلك في العام 1956 عندما ألقى خطاباً في المؤتمر العشرين للحزب أمام البرلمان السوفيتي (الدوما) وفيه ندد بجرائم الرئيس السابق جوزيف ستالين، وبعد أن فرغ من حديثه وصلته ورقة من أحد الحاضرين كتب فيها (لماذا لم تقل هذا الكلام أمام ستالين وكنت من كبار رجاله؟) قرأ خروتشوف الورقة على المؤتمرين بصوت مسموع، ثم بإبتسامة ماكرة طلب من صاحب الملاحظة أن يعلن نفسه للحضور فلم يجرؤ، ولما طال الانتظار ضحك خروتشوف بصوتٍ عالٍ وقال (الذي دعاك للسكوت الآن هو نفس ما دعاني للصمت أمام ستالين آنذاك، لقد كنت خائفاً مثلك) فكم خروتشوف بين عصبته يا ترى؟ ثمَّ أننا نعلم أيضاً أن كثير من الرؤساء الأمريكيين كانوا يأتون بتصرفات غريبة ولم ينعتهم أحد بالجنون، فعلى سبيل المثال كان الرئيس السادس عشر ابراهام لينكلون مولعاً باعتمار القبعات الكبيرة، ولم يكن الناس يعلمون أن تلك القبعات كانت تحوي جيوب سرية يضع فيها لينكلون أوراقه وفواتيره ورسائله الخاصة. فتأمل كيف يمكن أن يكون الجنون فنوناً!
في عالمنا الأفريقي تربع ثلاثة غريبي الأطوار على عرش الديكتاتورية، وهم فيدل بيدل بوكاسا وعيدي أمين دادا وروبرت موغابي، والأخير هذا مازال على سدة السلطة منذ العام 1980 وما زال يطمع في المزيد، والحقيقة ليس وحده فقد غادر دنيانا الفانية منتصف هذا العام بعد 42 عاماً من حياة حافلة بالقتل والسحل والفساد الرئيس الغابوني عمر بونغو، صاحب الرقم القياسي بلا منازع في السلطة المستدامة. كما أننا نحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه أن بين ظهرانينا العقيد معمر القذافي الذي يزحف حثيثاً لاحتلال تلك القمة، ذلك لأنه قضى حتى الآن أربعة عقود زمنية بالتمام والكمال وكانت عامرة بكل أعمال الخير والبر والإحسان. وفي تقديري من الظلم أن نصف تصرفات العقيد القذافي بالجنون كما درجت كثير من وسائل الإعلام منذ أن اسبغ اللقب عليه تهمكاً صنوه الرئيس المغدور أنور السادات، ذلك لأن شطحاته ما عادت تثير إنتباه أحد، ففي آخر تجلياته ما قرأته في الشبكة العنكبوتية عن أن سيادته تحدث في حفل أقيم بمدينة زليتن الليبية أوائل ديسمبر الحالي، وذلك بمناسبة منح الجامعة الأسمرية للعلوم الاسلامية له شهادة الدكتوارة الفخرية في الدعوة والثقافة الاسلامية، وكالعهد به إنتقد الغرب بمقاربات غريبة، قال (يمكن المقارنة بينهم والحيوانات، إن العنكبوت والنمل والنحل، هذه حشرات واصلة إلى درجة عالية جداً من التقدم والتقنية، فالهندسة التي عند النحل والإنشاء والبناء في بيت العنكبوت، حاجة مذهلة جداً، ومع هذا هي ليست إنساناً فهي حشرة) ثم تطرق لقصة سويسرا ومآذنها فانتقد الأصوات التي أعربت عن تفهمها لموقفها على أنه خوف من أسلمتها وقال (يا سلام..يعني إذا اصبحت سويسرا مسلمة هذا شيء يخيف؟) وأضاف مقتنعاً (نحن لا نتمنى أن تكون سويسرا مسلمة حتى لا تدخل الجنة، ولا يرضى عنها الله، نحب أن تظل في وثنيتها إلى يوم القيامة وتدخل النار) وأردف قائلاً (لسنا حريصين على السويسريين والذين معهم أن يدخلوا الجنة) وحتى لا يقال عنا ضرب لنا مثلا ونسى رئيسه، أبشِّر السامعين أن سيادة المشير يعد نفسه - بعد عقدين من الشرعية الثورية - للاستمرار في السلطة بانتخابات ديمقراطية حرة نزيهة! فالمصيبة التي يجب أن نعيها يا سادتي هي أن الديكتاتور أشبه بمن يقود سيارة في الاتجاه المعاكس للسير، ويعتقد نفسه إنه العاقل الوحيد في حين أن الذين يقودون سياراتهم في الاتجاه الصحيح هم المجانين أو بالأحرى الديكتاتوريين!
أختم بالوصف الذي يسوؤني دائماً ويُفوِّر الدم في رأسي، وهو تقسيم من في السلطة إلى حمائم وصقور على صنو عقلاء ومجانين، والواقع إنني أمقته لا لسبب سوى لأنه يجعلنا نحن الرعية إما طرائد لتلك الصقور أو لحناً شجياً في سيمفونيات حمائمهم. ولكن دع عنك هرطقاتي هذه يا صاح، فأنا أريد فقط أن أسأل صاحب وصف المجانين أن يدلنا على العقلاء في عصبته ذوي البأس؟ ذلك لأنني ببساطة أود أن أطمئن بأننا لا نكتب كلاماً لا يقرأونه ونقول حديثاً لا يسمعونه، أما أنت يا عزيزي القاريء فليس عندي لك من تمنيات في العام الجديد سوى أن يسبغ الله عليك ثوب الصحة والعافية، ويجري الحكمة على لسانك، حتى وإن طالتك أضغاث أوهام واضافتك إلى زمرة مجانين يحكمهم عقلاء!!
عن صحيفة الأحداث 27/12/2009
© Copyright by SudaneseOnline.com
إقبال المرضى- عدد الرسائل: 91
تاريخ التسجيل: 11/03/2009
رد: ندوة التجمع عن التحول الديمقراطي، السبت 9 يناير
فتحي الضَّـو
faldaw@hotmail.com
كانت له كاريزما خاصة أينما هطلت أتاه خراجها. فعندما خطا داخل القاعة الضيقة بقامته المديدة إزدادت إتساعاً. وعندما طفق يوزع التحايا بصوته الجهير على الذين يصادفهم في طريقه للمنصة، كان كأنه ينثر الأمل في دروب جففها اليأس. وعندما استقر مكانه راح البعض يتمعنه من أخمص قدميه وحتى بقايا شعره المتناثر على رأسه. بل لم يجد البعض حرجاً من أن يكروا البصر مرتين وثلاث كأنهم ينظرون لقادم جاء للتو من كوكب آخر يحمل في يده بشارة النصر. واقع الأمر لم يكن هذا السيناريو الذي نعيده للأذهان بعد مرور سنوات مجرد استثناء في اجتماعات هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي، بقدر ماهو القاعدة عندما يكون الراحل دكتور جون قرنق دي مابيور طرفاً فيها. وما نحن بصدده الآن تحديداً كان بُعيد مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية وقُبيل بدء العمليات المسلحة التي اكتسحت الجبهة الشرقية على طول الحدود، بدءاً من قرورة شمالاً، مروراً بهمشكوريب في محور الوسط، وإنتهاءاً بالكرمك وقيسان جنوب النيل الأزرق. يومذاك بدأ دكتور جون يقرأ في خطاب معد سلفاً بلغة انجليزية رفيعة، قدم فيه تحليلا عميقاً وشرحاً وافياً للأوضاع، وخلص فيه إلى عبارة سارت بها الركبان (إن هذا النظام لا يمكن اصلاحه بل يجب التخلص منه)This regime can not be improved, so it should be removed. فإلتهبت الأكف بالتصفيق، وتشابكت نظرات الاعجاب، وهفت نفوس كأنها تلقت فتوى دينية في معضلة دنيوية احتارت في كيفية التعامل معها. والواقع أن بعضها كان بالفعل في حاجة لمشروعية أخلاقية يبرر بها حمل السلاح الذي استنكفه زمناً. ومنذاك الوقت صارت تلك العبارة بمثابة تميمة لبسها كثير من المعارضين قلادة في أعناقهم، بل كان هناك من ينسبها لنفسه عندما تستبد به نشوى التصريحات الصحافية. ولم يكن ذلك مهماً بقدر ما المهم أنها اصبحت ترياقاً لحديث الرئيس نفسه الذي دعاهم للمنازلة بالسلاح إن كانوا حقاً يريدون السُلطة.. التي خطبت عصبة القائل ودَّها بذات السلاح!
كان دكتور جون (كما يحلو للجميع أن ينادونه بهذا اللقب اختصارا) من جنس سياسيين يعنون ما يقولون ولا يقولون ما لا يفقهون. كان يدرك تماماً عمق تأثير كلماته في نفوس وعقول متلقييها، ولهذا فهو ينتقى عباراته بمهارة فائقة، وبحسابات دقيقة لا تترك شاردة ولا واردة إلا واحصتها. من أجل هذا لم يواجه مأزقاً حرجاً عندما سألناه وسأله صحفيون كُثر فيما بعد عن فحوى تلك العبارة الجزلى، فيجيب معيداً للأذهان مرجعية مقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية 1995 والتي حددت وفصَّلت الآلية التي ينبغى اتباعها في معارضة النظام بطريقة عملية في ثلاثة خيارات، أولاً: الضغط السياسي والدبلوماسي، وثانياً الانتفاضة الشعبية وثالثاً العمل المسلح، وكان التجمع االوطني الديمقراطي يومئذ في أوج عنفوانه وقوته، وذلك بعد التحاق الحركة الشعبية لتحرير السودان به، كأول خطوة في التاريخ السياسي السوداني تجمع بين إرادتين شمالية وجنوبية. ووفقاً لتلك الوضعية كان نشاطه قد تركز تلقائياً في الخارج، ممتلكاً نواصي الخيارين الأول والثالث أما الأوسط فلا قِبل له به لأن مسرحه كان في الداخل، ومع أن ذلك كان سبباً كافياً لأن يجعل دكتور جون يحجم أو يقلل من ذكره، إلا أنه ظلَّ يردد عبارة (الانتفاضة الشعبية) بذات الزخم اللفظي في احاديثه باللغة الانجليزية حتى ظننا أن فاعل خير دفع بها إلى قاموس وبستر Webster ثم مضى الحال على ذاك المنوال إلى أن أناخ الراحل بعيره في محطة نيفاشا العام 2005 من دون أن يتسنى له أو للتجمع الوطني تطبيق الخيار الثالث أو الفريضة الغائبة على أرض الواقع!
لكن إن شئت الدقة لم يكن دكتور جون يعرف عن الانتفاضة الشعبية شيئاً سوى معنى الكلمة ونطقها، أي أنه يتحدث عن شيء لم يتسنى له معايشته على أرض الواقع كما ذكرنا، وإن شئت الدقة أكثر يمكن القول أن أي من كوادر الحركة الشعبية لم يكن بأحسن حال من قائدهم في معرفتهم بخبايا العبارة، ذلك عدا ياسر عرمان الذي انضم للحركة الشعبية في أعقاب إنتفاضة ابريل 1985 والمفارقة أنها ذات الانتفاضة التي لم تعترف بها الحركة الشعبية، ولم تتعامل معها كحدث هام وضع بصماته في تاريخ الشعب السوداني، ولا كعمل ثوري ينبغي الاحتفاء به، بل على العكس تماماً فقد قللت من شأنها حتى كاد أن يعافها الناس. بيد أن ياسر عرمان نفسه - الذي كان استثناءا في معايشته لها - كان مطلوب منه ضمنياً أن يقمع أي مظاهر حفاوة بإنتفاضة أبريل تلك بإعتبارها رجساً من عمل أزلام الرئيس المخلوع نميري لا تتسق وأدبيات الحركة الشعبية. على كلٍ مضت الحركة الشعبية في طريقها المفروش بالسلاح والمعبد بالحرب، تصعد حيناً إلى قمة الجبل حتى تكاد تظن انها بلغت ذراري الحلم، وفجأة تسقط من شاهق دون أن تلفظ أنفاسها الأخيرة فتحمل الصخرة من جديد. ولأن السلاح أصدق انباءً من الكتب، كما قال المتنبي، كان للرصاصة التي اطلقتها الحركة الشعبية دوي هائل لفتت أنظار كثير من المراقبين الذين يقفون دوماً على حافة الانتظار، فتقاطروا صوبها من الشرق والغرب وآخرين بين ذلك قواما، وكان ذلك كفيل بأن يمضى قائدها وزعيمها صاحب الكاريزما الفريدة متأبطاً البندقية في شماله والدعم السياسي والدبلوماسي في يمينه، أما الانتفاضة الشعبية فلأسباب كثيرة كانت نسياً منسياً!
بالطبع كانت اسباب النسيان كثيرة، ولكن يبقى أهمها طبيعة النظام نفسه الذي يعارضه قرنق وحلفاؤه. فمنذ اللحظة التي دالت له فيه السلطة بعد الانقلاب العقائدي، عمل نظام الجبهة القومية الاسلاموية بكل ما أوتي من قوة وجبروت على ابطال مفعول خيار الانتفاضة الشعبية والعصيان المدني، بإعتبار انه الخيار المجرب والذي اشتهر به الشعب السوداني في اسقاط الأنظمة القمعية والديكتاتورية. فجنح إلى تشريد عشرات الآلاف من وظائفهم بذريعة تسمية بغيضة وهي الفصل للصالح العام، وألحق ذلك بحل النقابات والاتحادات المهنية، لتحل محلها كيانات هلامية بديلة بغية ضمان ولائها، ثم أشهر سلاح البطش والقوة والقسوة البالغة في وجوه معارضيه، منهم من قاوم وقضى نحبه، ومنهم من ضرب أكباد الأبل ابتغاء حياة كريمة في فجاج الأرض. والمفارقة أن النظام نفسه ساعد في خيار تفريغ الوطن من بنيه، ولم يكن ليقلق العصبة ذوي البأس أنها كان يمكن أن تصبح وتجد نفسها تحكم أرضاً بلا شعب. بل أن الذي كان يقض مضاجعها بالفعل كيفية توطيد أركان سلطتها حتى لو كان ذلك ثمنه الانسان نفسه. وكان ذلك مناخاً مؤاتياً لانقسام المجتمع السوداني بين موالين ومعارضين، وفي خضم ذلك برزت حمم العصبيات وتأججت نيران القبليات وارتفعت وتائر الجهويات. لم يكن النظام يدرك هذا ولا مخاطر تديين حرب بزعمه أن وقائعها تجري بعيداً عن آذان أهل العاصمة الخرطوم مركز التنوير والتغيير، كما ظنَّ أن الضغط السياسي والدبلوماسي مجرد تهويمات لن تفضي إلى نتيجة، وبالطبع كانت حساباته تلك خاطئة - كالعهد به دوماً - لأن الوسائل الثلاثة سرعان ما تكاملت وأفضت إلى واقع لا تريد العصبة أن تفتح عينيها لترى حقيقته، ولا تريد أن تعمل فكرها لتدرك معانيه!
على هذا المنوال مضى التاريخ السوداني يحمل أثقاله، وإختصارا لمحطات كثيرة بالغة التعقيد وعصية الفهم، تكامل الخياران الأول والثالث تحديداً وأديا إلى توقيع اتفاقية السلام (نيفاشا) ولحقت بها اتفاقيات أخرى في القاهرة واسمرا وابوجا، لكن النظام الذي مثل قاسماً مشتركاً بينها، أتضح أنه لا يريد ان يكون صادقاً ومخلصاً لما وقع عليه، وكان يظن أن التوقيع هو من أجل استغفال هذه القوى وتهميشها، وذلك بمنحها سلطات صورية في حين تظل القبضة المركزية في يده، وهو فهم بائس وقاصر لمعنى المشاركة في الحكم، لكن المهم أنه بهذا المنظور وجدت الحركة الشعبية نفسها متكأً لطموحات عصبة المؤتمر الوطني، فدخلت في اضابير متاهة كبرى، إذ علاوة على ألاعيب المؤتمر الوطني وجدت نفسها في واقع لا تعرف تضاريسه ومع شريك يصعب الثقة فيه فإختلطت عليها حسابات الحقل والبيدر، ولم تعرف من أين تبدأ وأين تنتهي؟ صحيح أن ثمة أخطاء ارتكبتها الحركة الشعبية نفسها منذ نيفاشا ومشاركتها المؤتمر الوطني السلطة، لكن ذلك لا يمكن أن يوازي شيئاً مع النهج المخادع والمراوغ الذي ظل يمارسه المؤتمر الوطني نفسه، وهو العمل على تأزيم الأوضاع في الجنوب لكي تدرك الحركة الشعبية بأن التحالف مع المؤتمر الوطني هو طوق النجاة، وكذلك التباطؤ المقصود في إجازة قوانين التحول الديمقراطي حتى لا يتهيأ للحركة الشعبية مزيد من الحلفاء بحسب تقييمه للأمور، إلى جانب رعاية خصوم الحركة الشعبية ودعمهم مادياً ومعنوياً بغرض زعزعة الأرضية التي تقف عليها، وأخيراً استخدام وسائل افساد متعددة لتشتيت كوادرها وبعثرة ثقتهم. ونتيجة لذلك بدأت التناقضات تطل برأسها من حين آخر، في شكل أزمات متكررة ومتطاولة!
أقر بأنني كلما سمعت عبارة إنتخابات حرة ونزيهة تحسست قلمي، وفي الواقع من كثرة ترديدها هكذا، ظننا أن الجملة كلها عبارة عن كلمة واحدة، كلما طلَّ علينا أحدهم يقول لنا بأوداج منتفخة وفم يتطاير منه الرذاذ: نريد إنتخابات حرة ونزيهة، مع أن الأصل في أي انتخابات أن تكون حرة ونزيهة، والنزاهة شيء أصيل في الانتخابات لا يستوجب الذكر، والحقيقة لم اسمع طوال عمري أن دولاً في هذا العالم ممن لها باع طويل في مضمار الانتخابات الديمقراطية أنها ادعت ممارسة إنتخابات حرة ونزيهة. في حين أن الذين يرددونها آناء الليل واطراف النهار ما دروا أنهم يسقطون رغائبهم في التزوير أو ربما الشروع فيه. ولعل ما حدث في الأيام الفائته دليل على ذلك. فالمعارضة أزمعت ممارسة حق ديمقراطي أصيل وهو الخروج في مسيرة سلمية لتقديم مذكرة للجهة المناط بها انجاز قوانين التحول الديمقراطي وهي المجلس الوطني، لأنه لا يمكن أن تكون هناك انتخابات حرة ونزيهة في ظل قوانين قمعية. لكن السلطة التي تظن أنها قوامة على السودان وأهله، تهيأ لها على الفور إن هذه المسيرة تهدف إلى إزاحتها عن السلطة بالوسيلة المؤجلة، وعملت على الفور على اتخاذ اجراءات ترغيبية وارهابية لتخويف المتظاهرين إذ أعلنت عن عطله لم يكن لها ما يبررها، وادعت إنها جاءت بطلب من مفوضية الانتخابات وهو ادعاء باطل لأن كثير من المواطنين خاصة الذين آوا إلى فراشهم مبكرين لم يسمعوا بها، علاوة على البيان التخويفي الذي أعاد للذهان مقولة ذلك الفتي الثائر (من أراد أن تثكله أمه...) ثم عزل العاصمة المثلثة عن بعضها البعض وجعلها جزرا متقطعة، بالاضافة إلى التعامل بعنف مع كل من وصل لمكان التظاهرة واعتقال العشرات، وكلها اجراءات قمعية تدل على أن السلطة لا تريد سوى مسيرات النفاق التي تؤيدها، والمفارقة أنها تبيح لنفسها الخروج في مظاهرات وتبيح لنفسها اقامة الليالي السياسية، بل تسخر كل أجهزة الدولة لتغطيتها بما في ذلك وسائل الاعلام التى تتباري في نقل الحدث، وعندما يزمع معارضوها أن يفعلوا ما هو أدنى من ذلك يكون مصيرهم الويل والثبور. وهنا لابد أن يتساءل المرء: هل تظن عصبة المؤتمر الوطني أن هذا الوطن اصبح حكراً لها؟ هل تعتقد عصبة المؤتمر الوطني أنها الوحيدة التي يحق لها البت في شئونه؟ هل يظن عصبة المؤتمر الوطني أنهم الوحيدون الحريصون على هذه الوطن وغيرهم خونة يستحقون السجن والاعتقال وتكميم الأفواة؟
بغض النظر عن أن عصبة المؤتمر الوطني لا تؤمن اساساً بالديمقراطية كمنهج حكم، فهم لا يريدون إنجاز عملية التحول الديمقراطي على الوجه الأكمل نسبة لقناعتهم أن التحول الديمقراطي يعني لف الحبل حول رقابهم وذلك جراء الممارسات التي كانت طيلة العقدين الماضيين. وفي واقع الأمر أنهم يفوتون فرصة ثمينة على أنفسهم، بما يمكن أن تهييء لهم الإفلات من المحاسبة، وذلك بالمضي قدماً في تنفيذ اتفاقية السلام بحذافيرها دون خوف أو وجل من شبح التفكيك الذي يسيطر على ذهنية قادته، لأن في واقع الأمر التفكيك أمر قائم، فالنظام الحالي لا يمكن التأمين على أنه نظام اسلامي أو نظام نظام علماني، هو نظام أصدق ما يمكن أن يوصف به أنه (لحم رأس ) وفقاً للتعبير السوداني الدارج، أي نظام هجين من اسلامويين وعسكريين واصوليين وجهويين وبقايا أحزاب تقليدية وانتهازيين وتنظيمات أثنية. فعلام إذاً الخوف من التفكيك الذي هو أمر قائم أصلاً؟ في حين أن التفكيك الذي تتوخاه اتفاقية السلام (نيفاشا) أفضل حالاً لأنه خالٍ من المحاسبة من جهة ويهييء موطيء قدم للعصبة نفسها في النظام الذي يقوم على أنقاض النظام المفكك وبذا قد تكون نالت الحسنين!
الواقع أن هذا النظام يريد ما يتوافق مع هواه، فهو يريد إنتخابات مقيدة ومزورة، تأتي نتائجها لصالحه حتى يستمر في السلطة وفق أهوائه ورغائبه، ومن جهة ثانية هم يريدون تظاهرات حرة ونزيهة تدعم سلطتهم تلك ولا تزعزع راحتهم! وعليه أرى أن تلك مقدمات كفيلة باستخلاص النتائج والعبر والدروس، فعلى قوى المعارضة وعلى رأسها الحركة الشعبية اعتبار ما حدث يوم الأثنين وما سبقه من وقائع ورد ذكرها دليل كاف على أن العصبة ذوي البأس لا تريد تحولا ديمقراطياً حقيقياً، وليست صادقة في اقامة انتخابات حرة ونزيهة، وطبقاً لذلك تصبح مقاطعة هذه الانتخابات واجباً وطنياً, فلا يظنن عاقل بأن ما عجزت السلطة عن انجازه في اربع سنوات يمكن ان تفعله في بضع شهور. وصدق ايليا أبو ماضي حينما قال: من اشتهى الخمر فليزرع دواليها!!
faldaw@hotmail.com
كانت له كاريزما خاصة أينما هطلت أتاه خراجها. فعندما خطا داخل القاعة الضيقة بقامته المديدة إزدادت إتساعاً. وعندما طفق يوزع التحايا بصوته الجهير على الذين يصادفهم في طريقه للمنصة، كان كأنه ينثر الأمل في دروب جففها اليأس. وعندما استقر مكانه راح البعض يتمعنه من أخمص قدميه وحتى بقايا شعره المتناثر على رأسه. بل لم يجد البعض حرجاً من أن يكروا البصر مرتين وثلاث كأنهم ينظرون لقادم جاء للتو من كوكب آخر يحمل في يده بشارة النصر. واقع الأمر لم يكن هذا السيناريو الذي نعيده للأذهان بعد مرور سنوات مجرد استثناء في اجتماعات هيئة قيادة التجمع الوطني الديمقراطي، بقدر ماهو القاعدة عندما يكون الراحل دكتور جون قرنق دي مابيور طرفاً فيها. وما نحن بصدده الآن تحديداً كان بُعيد مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية وقُبيل بدء العمليات المسلحة التي اكتسحت الجبهة الشرقية على طول الحدود، بدءاً من قرورة شمالاً، مروراً بهمشكوريب في محور الوسط، وإنتهاءاً بالكرمك وقيسان جنوب النيل الأزرق. يومذاك بدأ دكتور جون يقرأ في خطاب معد سلفاً بلغة انجليزية رفيعة، قدم فيه تحليلا عميقاً وشرحاً وافياً للأوضاع، وخلص فيه إلى عبارة سارت بها الركبان (إن هذا النظام لا يمكن اصلاحه بل يجب التخلص منه)This regime can not be improved, so it should be removed. فإلتهبت الأكف بالتصفيق، وتشابكت نظرات الاعجاب، وهفت نفوس كأنها تلقت فتوى دينية في معضلة دنيوية احتارت في كيفية التعامل معها. والواقع أن بعضها كان بالفعل في حاجة لمشروعية أخلاقية يبرر بها حمل السلاح الذي استنكفه زمناً. ومنذاك الوقت صارت تلك العبارة بمثابة تميمة لبسها كثير من المعارضين قلادة في أعناقهم، بل كان هناك من ينسبها لنفسه عندما تستبد به نشوى التصريحات الصحافية. ولم يكن ذلك مهماً بقدر ما المهم أنها اصبحت ترياقاً لحديث الرئيس نفسه الذي دعاهم للمنازلة بالسلاح إن كانوا حقاً يريدون السُلطة.. التي خطبت عصبة القائل ودَّها بذات السلاح!
كان دكتور جون (كما يحلو للجميع أن ينادونه بهذا اللقب اختصارا) من جنس سياسيين يعنون ما يقولون ولا يقولون ما لا يفقهون. كان يدرك تماماً عمق تأثير كلماته في نفوس وعقول متلقييها، ولهذا فهو ينتقى عباراته بمهارة فائقة، وبحسابات دقيقة لا تترك شاردة ولا واردة إلا واحصتها. من أجل هذا لم يواجه مأزقاً حرجاً عندما سألناه وسأله صحفيون كُثر فيما بعد عن فحوى تلك العبارة الجزلى، فيجيب معيداً للأذهان مرجعية مقررات مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية 1995 والتي حددت وفصَّلت الآلية التي ينبغى اتباعها في معارضة النظام بطريقة عملية في ثلاثة خيارات، أولاً: الضغط السياسي والدبلوماسي، وثانياً الانتفاضة الشعبية وثالثاً العمل المسلح، وكان التجمع االوطني الديمقراطي يومئذ في أوج عنفوانه وقوته، وذلك بعد التحاق الحركة الشعبية لتحرير السودان به، كأول خطوة في التاريخ السياسي السوداني تجمع بين إرادتين شمالية وجنوبية. ووفقاً لتلك الوضعية كان نشاطه قد تركز تلقائياً في الخارج، ممتلكاً نواصي الخيارين الأول والثالث أما الأوسط فلا قِبل له به لأن مسرحه كان في الداخل، ومع أن ذلك كان سبباً كافياً لأن يجعل دكتور جون يحجم أو يقلل من ذكره، إلا أنه ظلَّ يردد عبارة (الانتفاضة الشعبية) بذات الزخم اللفظي في احاديثه باللغة الانجليزية حتى ظننا أن فاعل خير دفع بها إلى قاموس وبستر Webster ثم مضى الحال على ذاك المنوال إلى أن أناخ الراحل بعيره في محطة نيفاشا العام 2005 من دون أن يتسنى له أو للتجمع الوطني تطبيق الخيار الثالث أو الفريضة الغائبة على أرض الواقع!
لكن إن شئت الدقة لم يكن دكتور جون يعرف عن الانتفاضة الشعبية شيئاً سوى معنى الكلمة ونطقها، أي أنه يتحدث عن شيء لم يتسنى له معايشته على أرض الواقع كما ذكرنا، وإن شئت الدقة أكثر يمكن القول أن أي من كوادر الحركة الشعبية لم يكن بأحسن حال من قائدهم في معرفتهم بخبايا العبارة، ذلك عدا ياسر عرمان الذي انضم للحركة الشعبية في أعقاب إنتفاضة ابريل 1985 والمفارقة أنها ذات الانتفاضة التي لم تعترف بها الحركة الشعبية، ولم تتعامل معها كحدث هام وضع بصماته في تاريخ الشعب السوداني، ولا كعمل ثوري ينبغي الاحتفاء به، بل على العكس تماماً فقد قللت من شأنها حتى كاد أن يعافها الناس. بيد أن ياسر عرمان نفسه - الذي كان استثناءا في معايشته لها - كان مطلوب منه ضمنياً أن يقمع أي مظاهر حفاوة بإنتفاضة أبريل تلك بإعتبارها رجساً من عمل أزلام الرئيس المخلوع نميري لا تتسق وأدبيات الحركة الشعبية. على كلٍ مضت الحركة الشعبية في طريقها المفروش بالسلاح والمعبد بالحرب، تصعد حيناً إلى قمة الجبل حتى تكاد تظن انها بلغت ذراري الحلم، وفجأة تسقط من شاهق دون أن تلفظ أنفاسها الأخيرة فتحمل الصخرة من جديد. ولأن السلاح أصدق انباءً من الكتب، كما قال المتنبي، كان للرصاصة التي اطلقتها الحركة الشعبية دوي هائل لفتت أنظار كثير من المراقبين الذين يقفون دوماً على حافة الانتظار، فتقاطروا صوبها من الشرق والغرب وآخرين بين ذلك قواما، وكان ذلك كفيل بأن يمضى قائدها وزعيمها صاحب الكاريزما الفريدة متأبطاً البندقية في شماله والدعم السياسي والدبلوماسي في يمينه، أما الانتفاضة الشعبية فلأسباب كثيرة كانت نسياً منسياً!
بالطبع كانت اسباب النسيان كثيرة، ولكن يبقى أهمها طبيعة النظام نفسه الذي يعارضه قرنق وحلفاؤه. فمنذ اللحظة التي دالت له فيه السلطة بعد الانقلاب العقائدي، عمل نظام الجبهة القومية الاسلاموية بكل ما أوتي من قوة وجبروت على ابطال مفعول خيار الانتفاضة الشعبية والعصيان المدني، بإعتبار انه الخيار المجرب والذي اشتهر به الشعب السوداني في اسقاط الأنظمة القمعية والديكتاتورية. فجنح إلى تشريد عشرات الآلاف من وظائفهم بذريعة تسمية بغيضة وهي الفصل للصالح العام، وألحق ذلك بحل النقابات والاتحادات المهنية، لتحل محلها كيانات هلامية بديلة بغية ضمان ولائها، ثم أشهر سلاح البطش والقوة والقسوة البالغة في وجوه معارضيه، منهم من قاوم وقضى نحبه، ومنهم من ضرب أكباد الأبل ابتغاء حياة كريمة في فجاج الأرض. والمفارقة أن النظام نفسه ساعد في خيار تفريغ الوطن من بنيه، ولم يكن ليقلق العصبة ذوي البأس أنها كان يمكن أن تصبح وتجد نفسها تحكم أرضاً بلا شعب. بل أن الذي كان يقض مضاجعها بالفعل كيفية توطيد أركان سلطتها حتى لو كان ذلك ثمنه الانسان نفسه. وكان ذلك مناخاً مؤاتياً لانقسام المجتمع السوداني بين موالين ومعارضين، وفي خضم ذلك برزت حمم العصبيات وتأججت نيران القبليات وارتفعت وتائر الجهويات. لم يكن النظام يدرك هذا ولا مخاطر تديين حرب بزعمه أن وقائعها تجري بعيداً عن آذان أهل العاصمة الخرطوم مركز التنوير والتغيير، كما ظنَّ أن الضغط السياسي والدبلوماسي مجرد تهويمات لن تفضي إلى نتيجة، وبالطبع كانت حساباته تلك خاطئة - كالعهد به دوماً - لأن الوسائل الثلاثة سرعان ما تكاملت وأفضت إلى واقع لا تريد العصبة أن تفتح عينيها لترى حقيقته، ولا تريد أن تعمل فكرها لتدرك معانيه!
على هذا المنوال مضى التاريخ السوداني يحمل أثقاله، وإختصارا لمحطات كثيرة بالغة التعقيد وعصية الفهم، تكامل الخياران الأول والثالث تحديداً وأديا إلى توقيع اتفاقية السلام (نيفاشا) ولحقت بها اتفاقيات أخرى في القاهرة واسمرا وابوجا، لكن النظام الذي مثل قاسماً مشتركاً بينها، أتضح أنه لا يريد ان يكون صادقاً ومخلصاً لما وقع عليه، وكان يظن أن التوقيع هو من أجل استغفال هذه القوى وتهميشها، وذلك بمنحها سلطات صورية في حين تظل القبضة المركزية في يده، وهو فهم بائس وقاصر لمعنى المشاركة في الحكم، لكن المهم أنه بهذا المنظور وجدت الحركة الشعبية نفسها متكأً لطموحات عصبة المؤتمر الوطني، فدخلت في اضابير متاهة كبرى، إذ علاوة على ألاعيب المؤتمر الوطني وجدت نفسها في واقع لا تعرف تضاريسه ومع شريك يصعب الثقة فيه فإختلطت عليها حسابات الحقل والبيدر، ولم تعرف من أين تبدأ وأين تنتهي؟ صحيح أن ثمة أخطاء ارتكبتها الحركة الشعبية نفسها منذ نيفاشا ومشاركتها المؤتمر الوطني السلطة، لكن ذلك لا يمكن أن يوازي شيئاً مع النهج المخادع والمراوغ الذي ظل يمارسه المؤتمر الوطني نفسه، وهو العمل على تأزيم الأوضاع في الجنوب لكي تدرك الحركة الشعبية بأن التحالف مع المؤتمر الوطني هو طوق النجاة، وكذلك التباطؤ المقصود في إجازة قوانين التحول الديمقراطي حتى لا يتهيأ للحركة الشعبية مزيد من الحلفاء بحسب تقييمه للأمور، إلى جانب رعاية خصوم الحركة الشعبية ودعمهم مادياً ومعنوياً بغرض زعزعة الأرضية التي تقف عليها، وأخيراً استخدام وسائل افساد متعددة لتشتيت كوادرها وبعثرة ثقتهم. ونتيجة لذلك بدأت التناقضات تطل برأسها من حين آخر، في شكل أزمات متكررة ومتطاولة!
أقر بأنني كلما سمعت عبارة إنتخابات حرة ونزيهة تحسست قلمي، وفي الواقع من كثرة ترديدها هكذا، ظننا أن الجملة كلها عبارة عن كلمة واحدة، كلما طلَّ علينا أحدهم يقول لنا بأوداج منتفخة وفم يتطاير منه الرذاذ: نريد إنتخابات حرة ونزيهة، مع أن الأصل في أي انتخابات أن تكون حرة ونزيهة، والنزاهة شيء أصيل في الانتخابات لا يستوجب الذكر، والحقيقة لم اسمع طوال عمري أن دولاً في هذا العالم ممن لها باع طويل في مضمار الانتخابات الديمقراطية أنها ادعت ممارسة إنتخابات حرة ونزيهة. في حين أن الذين يرددونها آناء الليل واطراف النهار ما دروا أنهم يسقطون رغائبهم في التزوير أو ربما الشروع فيه. ولعل ما حدث في الأيام الفائته دليل على ذلك. فالمعارضة أزمعت ممارسة حق ديمقراطي أصيل وهو الخروج في مسيرة سلمية لتقديم مذكرة للجهة المناط بها انجاز قوانين التحول الديمقراطي وهي المجلس الوطني، لأنه لا يمكن أن تكون هناك انتخابات حرة ونزيهة في ظل قوانين قمعية. لكن السلطة التي تظن أنها قوامة على السودان وأهله، تهيأ لها على الفور إن هذه المسيرة تهدف إلى إزاحتها عن السلطة بالوسيلة المؤجلة، وعملت على الفور على اتخاذ اجراءات ترغيبية وارهابية لتخويف المتظاهرين إذ أعلنت عن عطله لم يكن لها ما يبررها، وادعت إنها جاءت بطلب من مفوضية الانتخابات وهو ادعاء باطل لأن كثير من المواطنين خاصة الذين آوا إلى فراشهم مبكرين لم يسمعوا بها، علاوة على البيان التخويفي الذي أعاد للذهان مقولة ذلك الفتي الثائر (من أراد أن تثكله أمه...) ثم عزل العاصمة المثلثة عن بعضها البعض وجعلها جزرا متقطعة، بالاضافة إلى التعامل بعنف مع كل من وصل لمكان التظاهرة واعتقال العشرات، وكلها اجراءات قمعية تدل على أن السلطة لا تريد سوى مسيرات النفاق التي تؤيدها، والمفارقة أنها تبيح لنفسها الخروج في مظاهرات وتبيح لنفسها اقامة الليالي السياسية، بل تسخر كل أجهزة الدولة لتغطيتها بما في ذلك وسائل الاعلام التى تتباري في نقل الحدث، وعندما يزمع معارضوها أن يفعلوا ما هو أدنى من ذلك يكون مصيرهم الويل والثبور. وهنا لابد أن يتساءل المرء: هل تظن عصبة المؤتمر الوطني أن هذا الوطن اصبح حكراً لها؟ هل تعتقد عصبة المؤتمر الوطني أنها الوحيدة التي يحق لها البت في شئونه؟ هل يظن عصبة المؤتمر الوطني أنهم الوحيدون الحريصون على هذه الوطن وغيرهم خونة يستحقون السجن والاعتقال وتكميم الأفواة؟
بغض النظر عن أن عصبة المؤتمر الوطني لا تؤمن اساساً بالديمقراطية كمنهج حكم، فهم لا يريدون إنجاز عملية التحول الديمقراطي على الوجه الأكمل نسبة لقناعتهم أن التحول الديمقراطي يعني لف الحبل حول رقابهم وذلك جراء الممارسات التي كانت طيلة العقدين الماضيين. وفي واقع الأمر أنهم يفوتون فرصة ثمينة على أنفسهم، بما يمكن أن تهييء لهم الإفلات من المحاسبة، وذلك بالمضي قدماً في تنفيذ اتفاقية السلام بحذافيرها دون خوف أو وجل من شبح التفكيك الذي يسيطر على ذهنية قادته، لأن في واقع الأمر التفكيك أمر قائم، فالنظام الحالي لا يمكن التأمين على أنه نظام اسلامي أو نظام نظام علماني، هو نظام أصدق ما يمكن أن يوصف به أنه (لحم رأس ) وفقاً للتعبير السوداني الدارج، أي نظام هجين من اسلامويين وعسكريين واصوليين وجهويين وبقايا أحزاب تقليدية وانتهازيين وتنظيمات أثنية. فعلام إذاً الخوف من التفكيك الذي هو أمر قائم أصلاً؟ في حين أن التفكيك الذي تتوخاه اتفاقية السلام (نيفاشا) أفضل حالاً لأنه خالٍ من المحاسبة من جهة ويهييء موطيء قدم للعصبة نفسها في النظام الذي يقوم على أنقاض النظام المفكك وبذا قد تكون نالت الحسنين!
الواقع أن هذا النظام يريد ما يتوافق مع هواه، فهو يريد إنتخابات مقيدة ومزورة، تأتي نتائجها لصالحه حتى يستمر في السلطة وفق أهوائه ورغائبه، ومن جهة ثانية هم يريدون تظاهرات حرة ونزيهة تدعم سلطتهم تلك ولا تزعزع راحتهم! وعليه أرى أن تلك مقدمات كفيلة باستخلاص النتائج والعبر والدروس، فعلى قوى المعارضة وعلى رأسها الحركة الشعبية اعتبار ما حدث يوم الأثنين وما سبقه من وقائع ورد ذكرها دليل كاف على أن العصبة ذوي البأس لا تريد تحولا ديمقراطياً حقيقياً، وليست صادقة في اقامة انتخابات حرة ونزيهة، وطبقاً لذلك تصبح مقاطعة هذه الانتخابات واجباً وطنياً, فلا يظنن عاقل بأن ما عجزت السلطة عن انجازه في اربع سنوات يمكن ان تفعله في بضع شهور. وصدق ايليا أبو ماضي حينما قال: من اشتهى الخمر فليزرع دواليها!!
إقبال المرضى- عدد الرسائل: 91
تاريخ التسجيل: 11/03/2009
رد: ندوة التجمع عن التحول الديمقراطي، السبت 9 يناير
فتحي الضو
faldaw@hotmail.com
الحوار المتمدن - العدد: 2790 - 2009 / 10 / 5
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع Bookmark and Share
نَعم...إننا نقِر ونعترف أن الدولة السلطوية التي تجثم فوق صدورنا...هي دولة حزب المؤتمر الوطني. ولكن السؤال الذي لم نجد له اجابة، وطن من هذا الذي يرزخ تحت ويلات هذه الدولة ايضاً؟ الذي نعلمه أن السودان تعرَّض وبأسباب مختلفة لغزوات استعمارية متعددة في تاريخه، فالغزو التركي المصري وحَّد القطر، وقام بوضع كل المناطق التي يتكون منها السودان بحدوده الحالية تحت سيطرته، ومن ثمَّ اخضعها لحكم مركزي مباشر لأكثر من ستة عقود زمنية 1821-1885 لم تكن خلالها قد تحددت معالم الوطنية السودانية بعد، واستعرت عوضاً عنها النزعة القبلية في القرى والأرياف والبوادي كترياق سلبي ضد الاستعمار، وفي نفس الوقت (إتوركت) النخبة السودانية في المدن، وتطبعت بعادات وتقاليد وطباع المستعمر فجيَّرها كترياق ايجابي لصالحه. وبين سقوط الخرطوم 1885 في يد قوات المهدي، وسقوط امدرمان 1898 على يد قوات كتشنر، أقامت المهدية دولتها التي عمَّرت لفترة زمنية قصيرة (13 عاماً) تحت قيادة الخليفة عبد الله التعايشي (على إثر رحيل مؤسسها الامام محمد احمد المهدي بعد ستة أشهر من دخوله الخرطوم) ثمَّ إنتقل السودان إلى حقبة استعمارية جديدة، عُرفت بالحكم البريطاني المصري أو الحكم الثنائي، والذي دام لفترة مماثلة للحكم التركي السابق 1898-1956 وبرحيله أقامت النخبة السودانية دولتها الوطنية المستقلة بحدودها الادارية الموروثة من الاستعمار، إلى جانب توريثها جزءاً مقدراً من بيروقراطيته أيضاً. ولكنها لأسباب مختلفة فشلت في ادارة شئون البلاد، إذ تراوحت نُظمها السياسية بين ديكتاتورية مُستنسخة وديمقراطية مُصطنعة، وتخللتهما كذلك ثورات مؤودة وفترات انتقالية كسيحة، وهو ما سُمى بدوران الحلقة الشريرة، والتي توقفت (عقاربها) مؤخراً في الانقلاب العسكري العقائدي الذي نفذته الجبهة الاسلامية عام 1989 وبموجبه أسست دولة لصالح عُصبتها ذوي البأس تحت مسميات ودعاوٍ كثيرة، ثمَّ احتكرت تبعاً لذلك الوطن كله!
ولكن ما هو المؤتمر الوطني هذا؟ إنه الحزب الضرورة أو القائد أو الرائد أو العملاق كما تقول شعاراته نظرياً، ولكنه تاريخياً هو حركة الإخوان المسلمين التي تأسست أواخر الأربعينات ببدايات تنظيمية متعثرة، ولم تسجل وجوداً يذكر فى أول انتخابات عام 1953 والتي شارك فيها 1,687,000 ناخباً، ثمَّ إعتورتها سلسلة إنقسامات وإنشقاقات، وبنفس المستوى انتفى وجودها فى انتخابات عام 1958 التى كانت نتائجها مناصفة بين الحزبين الطائفيين، إلى ان ظهرت فعلياً أوائل الستينات تحت زعامة دكتور حسن الترابي، وشاركت للمرة الأولى في مايو 1965 في ثاني إنتخابات برلمانية، حيث حصلت على 5 مقاعد في الجمعية التأسيسية من جملة 1,898,000 ناخب وتغير أسمها إلى جبهة الميثاق الاسلامي، واستمرت كتنظيم سياسي صغير حتى أواخر الستينات، وتمددت بعد دخولها نظام نميري منتصف السبعينات، حيث غلبت النشاط التجاري والاقتصادي على السياسي، وتلقت بصورة غير مباشرة دعماً كبيراً من دول خليجية إزدهرت اقتصادياتها بعد الطفرة النفطية في أعقاب حرب اكتوبر 1973 وبعد سقوط نظام نميري غيرت جلدها وتسمَّت بالجبهة القومية الاسلامية، وشاركت في الحقبة البرلمانية الثالثة بعد حصولها على 51 مقعداً، علماً بأن ذلك لم يكن يعبر عن حقيقة حجمها الطبيعي (منها 23 من اصل 26 مقعداً في دوائر الخريجين بقانونها المثير للجدل) ذلك كان نسبته 18,4% من جملة 5,978,000 ناخباً أدلوا بأصواتهم لاختيار 240 مرشحاً (أجلت الانتخابات في الجنوب بما يوازي 41 دائرة) وفي العام 1989 إنقلبت على النظام الديمقراطي الذي كانت جزءاً منه، وسارت سفينتها تمخر عباب بحر يابس، إلى أن تعرضت لإنقسام في العام 1999 فيما سُمي بالمفاصلة بين الإسلاميين، حيث خرج نصف بزعامة الترابي (المؤتمر الشعبي) واستبقى نصف آخر نفسه في السلطة (المؤتمر الوطني) وعليه يكون حزب المؤتمر الوطني هذا، هو فعلياً نصف الحركة الإسلامية، وإحصائياً أقل من نصف مليون ناخب طبقاً لتقديرات الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وواقعياً هو الحزب الذي ليست له مرجعية، لا اسلامية ولا علمانية، وزوراً هو الحزب العملاق أو القائد أو الرائد كما تقول شعاراته وإعلاناته الدعائية المبثوثة بحجم مليون ميل مربع!
لكن كيف استطاع الحزب تزييف تلك الصورة؟ عقد الدكتور كمال عبيد وزير الدولة للإعلام، وأمين الإعلام في حزب المؤتمر الوطني مؤتمراً صحافياً يوم 28/9/2009 أعلن فيه إنطلاق فعاليات المؤتمر العام الثالث، وقال إن ذلك سيتم بحضور ستة آلاف عضو، و نحو 51 وفداً من 35 دولة عربية وأفريقية وأوربية وآسيوية. ومضى عبيد في حديث الأرقام بشيء من الزهو والإنتشاء فقال إن حزبه هذا (عقد 24179 مؤتمرا قاعديا بالولايات الشمالية بمشاركة 5,59 مليون عضو) ومع ذلك شكا من مضايقات للحزب بالولايات الجنوبية من قِبل الحركة الشعبية الشريك في الحكم (مما حال دون عقد المؤتمرات القاعدية بعدد من المناطق الجنوبية) ولهذا اكتفي الحزب القائد (بعقد 57 مؤتمرا بحضور أكثرمن 33 ألف عضو) ولم يكذب الرائد أهله فقد شاهد الناس في يوم الافتتاح ذلك العدد من الأعضاء يجلسون كالبنيان المرصوص في قاعة فسيحة! ولتأكيد ذلك تحدث دكتور نافع على نافع مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني، وأمَّن على أرقام عبيد وزاد بما هو أبهى. ولكن فالسؤال الذي يطرح نفسه: إن كان عدد الناخبين في آخر انتخابات برلمانية ستة ملايين إلا قليلا كما اشرنا من قبل، فإن أرقام المؤتمر الوطني أعلاه تعني أن الحزب العملاق وضع (كل الصيد في جوف الفرا) أي أنه استحوذ على كل الذين يحق لهم التصويت يومذاك، ولم يترك لبقية الأحزاب شيئاً يومئذ. وقد يقول قائل ولكن سكان السودان تضاعفوا في العقدين اللذين جثمت فيهما العصبة على صدر البلاد والعباد. ذلك صحيح ولكن الأصح منه، أن أكثر من ستة ملايين سوداني أو يزيد احتوتهم المنافي والمهاجر وديار الاغتراب في هذه الحقبة، وأن نحو مليوني نسمة فروا بجلودهم إلى دول الجوار. وإن من مات كمداً لا يُحصي ولا يُعد، ومن راح غدراً وغيلة عدد يصعب حصره، وأن المحنة زادت ايضاً، وأن المصائب تفاقمت، وأن المشاكل تناسلت، وأن الهموم كثرت، وأن الأحلام تبعثرت، وبعد كل هذا هل ترى يا صاح أن الملايين الستة المذكورة ستُقبل أم ستُدبر؟ ولكن دعك من هرطقاتي التي لا تغنى ولا تثمن من جوع، وهب أن الأرقام التي ذُكرت صحيحة، فمن أين موَّل الحزب السيوبر مؤتمراته القاعدية تلك، وصولاً (لأم المؤتمرات) !؟
بالطبع السؤال ليس بجديد، سيَّما، والجميع يعلم أن الدولة والحزب هما (روح واحدة في جسدين) على حد تعبير شاعرنا الغنائي (السر دوليب) كما أن السؤال نفسه ليس بفريد، فقد سُئل عنه دكتور نافع على نافع في مؤتمر صحافي عقده يوم 20/11/2007 فأجاب بصيغة حلزونية غطتها كل الصحف ولم تخطر على قلب بشر! إذ قال وهو كالعهد به غير عابيءٍ بأية ردود فعل يمكن أن ترتسم على الوجوه الحيرى (لماذا الحديث عن المؤتمر الوطني، ماذا عن تمويل الأحزاب على مستوى العالم.. من يحدثنا عن كيف يمول الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري برامجهم.. وحزب العمال.. من يحدثنا عن ذلك؟! لماذا المؤتمر الوطني؟ لكن حقيقة اريد ان اقول حكاية عن المؤتمر الوطني وإمكاناته.. الناس مستغربين لها جداً، لهم حق يستغربوا، لانه نحن قاموا سألونا: المؤتمر الوطني مثل الإنقاذ.. سألونا سؤال واسع جداً في ان الانقاذ الذي تعمله، من اين؟! عندما بدأت في الكباري والجسور، واحد من السفارات الغربية قال الإنقاذ هذه قفلنا عليها المنافذ كلها، أيضاً شغالة في الكباري.. قال من أين لهؤلاء هذه الاموال؟! رد عليه احد العارفين وقال له: حكاية الانقاذ هذه معاكم تبقى زي حكاية مريم (عليها رضوان الله) مع زكريا، كل ما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً، قال: يا مريم أنا لك هذا؟! قالت: هو من الله يرزق من يشاء بغير حساب.. كلما دخلوا المؤتمر الوطني سوف يجدون عندنا رزقاً، ان شاء الله سبحانه وتعالى، وسعة في كل الإمكانات، وإن سألوا سوف يكون الخطاب: إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) وما على الذين يصعب عليهم التواءم مع اجابة كهذه في شأن يتطلب وضوحاً وشفافية، سوى مطالعة صحف الجمعة أول من أمس 2/10/2009 فقد ذكر بعضها في خبر موحد أن السيد عبد الحكم طيفور القطب الاتحادي الديمقراطي إنضم للمؤتمر الوطني وتبرع في نفس الوقت بشيك بمبلغ مائة مليون جنية! وما على المستغربين الذين لا يودون تصديق هذه المبالغة سوى الإذعان إلى أن جنود المحراب المجهولين تحولوا لبشر سوياً، فأثناء مخاطبته المؤتمرين قال دكتور نافع أيضاً (إنهم استنفروا أهل الخير والمال عن تمويل المؤتمر) وجاءت الاجابة على حد زهوه فوق التصور (في جلسة واحدة حضرها اكثر من 50 من اثرياء الحزب تم التبرع بنحو 15 ملياراً دفع نصفها بشكل فوري) إذاً هكذا يا كرام تسير القافلة، فلماذا سوء الظن طالما أن في هذا البلد الأمين قوم يقدرون النشاط الحزبي حق قدره!
نحن يا سيدي شعب طيب، كنا نعتقد وحتى لحظة حديثك هذا أن سدنة الحزب العملاق يؤمنون أن الأموال العامة حِلٌ لهم، طالما أن الدولة التي تجثم على انفاسنا هي دولتهم، فلا غروَّ إن اعتقدوا أن (الجيب واحد) كما تذهب في ذلك الحكمة الشعبية المتداولة، وإلا فليقل لنا أحد الكوادر الطليعية لهذا الحزب الضرورة كيف تسخر وسائل الاعلام - التي يقال عنها قومية – لصالحهم ويحرم منها الآخرون. وهذا ما كشفه مؤتمر جوبا الذي تزامن مع مؤتمر الوطني. والمفارقة أنهم لم يُحرِّموها على المشاركين في مؤتمر جوبا وفيهم الشريك الذي كان المؤتمر تحت رعايته، وإنما تحولت إلى مصدر للدعاية المغرضة ضد المؤتمر ومن شارك فيه، وقد استخدمت في سبيل تحقيق هذه الغاية النبيلة مختلف اسلحة الدمار الشامل. كانت الحملة تدعو للأسى لأنها من قبل أن تقلل من شأن المستهدفين استخفت بعقول المشاهدين. ولنذكر مثالاً كان غاية في الغرابة والسذاجة معاً. فثمة من أوحى أن ينقل (المعركة) المفتعلة إلى خارج الحدود، وشاء أن تبحر الأزمة بكل سوءاتها من جنوب الوادي إلى شماله. إذ اجتهد تلفزيون جمهورية المؤتمر الوطني أن ينقل رسالة مراسله في القاهرة ويدعى محمود حسين ويرددها طوال يوم 26/9/2009 بقوله (تتابع مصر الرسمية والشعبية بعين الريبة والشكوك مؤتمر المعارضة في جوبا، الذي يتميز بالغموض من حيث الأشخاص أو الأجندة ووصفته بأنه مؤتمر بلا لون ولا طعم ولا رائحة) ولم يكتف بهذا الافتراء وإنما ختمه بالأمر الذي فيه يستفتيان (هكذا تبدي النخبة المصرية شكوكاً في نوايا المشاركين في هذا المؤتمر وترى أنه لن يحقق الفائدة للشعب السوداني) الجهاز العجيب لم يترك أحداً إلا ومنحه (المايكرفون) ليصب جام غضبه على المؤتمر والمؤتمرين في جوبا، وبعضهم أظهر مزايدات تدعو للحزن والرثاء. مع أن الأمر كان في غاية البساطة فليس ثمة ما يثير حفيظة أي انسان حيال قناعة بعض المواطنين الذين قرروا التداول في قضايا هذا الوطن، طالما أن ذلك حق كلفهم لهم الدستور الانتقالي الذي وقعت عليه العصبة. لكن أن يكتشفوا أنه لا يسوى ثمن الحبر الذي كُتب به، وأن حقهم هذا لا يمكن ممارسته إلا بإذن من الحزب القائد، وأن الحزب القائد هذا منح ذات الحق لعصبته ليتمددوا في ذات الوسائل الإعلامية كيفما أتفق، فهذا لعمري ما يمكن أن يضاف لعجائب الأشياء وغرائب الزمان. لا يدري المرء ما الذي يجعل مؤتمر الحزب الرائد في الخرطوم محفوفاً بالملائكة ومؤتمر معارضيه في جوبا محشوداً بالشياطين؟ لماذا حلال عليه وحرام عليهم؟ وطالما أنه مؤتمر فاشل كما رددت ذات الوسائل الإعلامية، وأن مقرراته وتوصياته لا تهمهم في كبير شيء، فلماذا السعار السياسي والاعلامي الذي سيطر على العصبة؟ في الواقع تلك اسئلة رغم موضوعيتها قد تبدو للقاريء الذي خبر شتى أشكال فساد السلطة إنها اسئلة ليست بذات بال، ولهم في ذلك حق طالما أن تلك الفئة اختطفت الوطن بكل امكاناته وجعلته رهينة في يدها!
بيد أنه لو كان الصرف البذخي على كيانات هلامية يجدي نفعاً، لكان الاتحاد الاشتراكي (العظيم) الذي بناه نميري صرحاً تهوى إليه أفئدة وتهفو له قلوب حتى اليوم (فوفقاً لبيتر ودوارد/ السودان الدولة المضطربة) الذي أورد احصائية رسمية عن ذلك الكيان البيروقراطي المنقرض (عندما كان في ذروة نشاطه في العام 1974 ضم الاتحاد الاشتراكي 6381 وحدة أساسية، ولكن اتضح بعد حين أن معظمها لا يمارس نشاطاً سياسياً متعارف عليه) لأن المعروف - مثلما هو الحال راهناً - أن أنشطته كانت محصورة في تنظيم مظاهرات التأييد وتدبيج تظاهرات التنديد، وإخوة لهم كانوا يقولون لنا يومذاك مثلما قالوا لنا هم اليوم، أن عضويته بلغت أكثر من عشر ملايين منتسب، وهي نفس الملايين التي تبخرت ساعة أن اندلعت الانتفاضة في العام 1985 فلم يجد أبو القاسم محمد ابراهيم والرشيد الطاهر بكر ومحمد عثمان أبو ساق، سادة الاتحاد الاشتراكي (العظيم) وقادة مسيرة (الردع) حشداً يسدوا به رمقهم في السلطة التي تهاوى عرشها. كما ان لنا في الأصل أسوة، فقد قيل ايضاً أن اعضاء الاتحاد الاشتركي المصري تجاوز العشرين مليوناً، ولا تسأل يا قارئي عن عضوية الحزب الشيوعي في الدولة الأعطم، فذلك مما تجحظ له العيون وتفر منه القلوب رعباً، فلماذا ذهب جميعهم كما يذهب الزبد الجفاء؟ ذلك ببساطة لأن كلنا يعلم أن الأنظمة الشمولية تخلط خلطاً مريعاً بين الولاء للوطن والخضوع للدولة، وتظن أن مجرد نقدها هو نقد للوطن، وتعتقد أن التعرض لسياساتها هو إنتهاك لحرمات الوطن، وتؤمن بأنها القابض والباسط، وتتوهم أنها المانح والمانع، ولنا فيما قاله كمال عبيد نفسه مثلاً ساطعاً (آخر لحظة 29/9/2009) وذلك في معرض تعليقه على الرقابة القبيلة التي رفعت قبل ايام قلائل، إذ قال (إنه يمكن فرضها من جديد إذا دعت الحاجة) وبالطبع لا عزاء للمكلومين، فمن نكد الدنيا على مواطني هذا البلد الحزين أن الأنظمة القهرية تبذل جهداً خرافياً لتخليد دولتها بغض النظر عن بؤسها. فهي تلجأ إلى استمالة المفكرين والمثقفين والصحفيين والمسرحيين والمغنيين والشعراء والكتاب، فتغتر حينما تجد بينهم إنتهازيون ممن برع في صنع (خيالات المآته) فلا غروَّ بعدئذٍ أن زال من مخيلة الناس وانمحى من ذاكراتهم بمجرد تهاوي العرش (المكين) لأن المال وحده - يا سادتنا - لا يصنع مجداً، والمال لا قيمة له إن لم يكن مصحوباً بالقيم السامية، والمال لا يمكن أن يشترى مباديء...فمتى تعلمون أن الحياة بلا مباديء أشبه بجسد بلا روح!
أنظر وتأمل يا هداك الله، بعد عشرين عاماً من الحكم الشمولي، أدرك الحزب العملاق الذي اقصى القوى السياسية وحرمها من حقوقها المشروعة أن (الديمقراطية القائمة على التعددية الحزبية هي الطريق نحو دولة الرفاه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي) بعد عشرين عاماً من الحكم القهري، أيقن الحزب القائد الذي مارس الاقصائية دون حياء أو خجل أن (الحرية هي أصل مبادئنا والانتخابات هي أرقى شيء يمكن أن يقود للتطور البشري والحضاري) بعد عشرين عاماً من الحكم الاستعلائي، اكتشف الحزب الرائد الذي حرم الناس اللهو والغناء وأقام سرادقاً للعزاء في كل بيت أن (الحرية ستكون سبباً في الازدهار والنمو ومصدراً للإلهام والابداع والفن) بعد عشرين عاماً من الحرمان، ادرك الحزب العتيد الذي قطع الأرزاق وفصل مئات الآلاف تعسفياً أن (قطع الكهرباء عن محطات المياه خطاً أحمراً يمكن أن تتطاير معه رؤوس) بعد عشرين عاماً من الحكم الاستبدادي، أيقن الحزب التليد الذي كمم الأفواه وبطش بمعارضيه في بيوت سيئة السمعة أن (الحوار ومرجعية الشعب هي في الاختيار لحل جميع مشكلاتنا السياسية والاجتماعية) بعد عشرين عاماً من الحكم الظلامي، انتبه الحزب المستنير الذي أجج الحرب جنوباً بإسم الجهاد، وكان وقودها الطلاب والبسطاء أن (وحدة السودان هدف استراتيجي لا عدول عنه وسبيلنا الي تحقيقه هي الوسائل السياسية بالإقناع وبناء الثقة، واشاعة العدل الاجتماعي والسياسي) بعد عشرين عاما من الحكم المتجبر، أدرك الحزب الذي بشَّر دول العالم بالعذاب المستطير أن (العلاقات الخارجية تؤسس لعلاقات صداقة مع الجميع، قائمة علي أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتسعي لتقوية علاقات الصداقة مع الصين وبقية دول آسيا، وتتطلع الي علاقات وثيقة مع روسيا، وتسعي لعلاقات من التكامل والائتلاف مع عالمنا العربي والافريقي وتجتهد في تطوير علاقاتنا في اتجاه بناء اتحادات اقليمية فاعلية وتسعي بصدق لتأسيس علاقات تفاهم مع أوروبا وأمريكا) بعد عشرين عاماً من التجهيل المستمر مطلوب منكم ايها القراء الكرام أن تصدقوا ما بين الأقواس، فذلك حصيلة مؤتمر البؤس والانتهازية!
ويلٌ للمطففين في ميزان الأوطان، الذين إذا كالهم الشعب أو وزنهم حتماً سيخسرون. نعلم أنها دولتكم ولكن قولوا لنا بربكم الذي فطر السموات والأرض وطن من هذا؟ فنحن نطمح فقط أن تستقيم حياتنا على بساط الحقوق والواجبات كسائر خلق الله...بعيداً عن الدعايات الانتخابية الزائفة وإستمراء خداع الناس!!
faldaw@hotmail.com
الحوار المتمدن - العدد: 2790 - 2009 / 10 / 5
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في مصر والسودان
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع Bookmark and Share
نَعم...إننا نقِر ونعترف أن الدولة السلطوية التي تجثم فوق صدورنا...هي دولة حزب المؤتمر الوطني. ولكن السؤال الذي لم نجد له اجابة، وطن من هذا الذي يرزخ تحت ويلات هذه الدولة ايضاً؟ الذي نعلمه أن السودان تعرَّض وبأسباب مختلفة لغزوات استعمارية متعددة في تاريخه، فالغزو التركي المصري وحَّد القطر، وقام بوضع كل المناطق التي يتكون منها السودان بحدوده الحالية تحت سيطرته، ومن ثمَّ اخضعها لحكم مركزي مباشر لأكثر من ستة عقود زمنية 1821-1885 لم تكن خلالها قد تحددت معالم الوطنية السودانية بعد، واستعرت عوضاً عنها النزعة القبلية في القرى والأرياف والبوادي كترياق سلبي ضد الاستعمار، وفي نفس الوقت (إتوركت) النخبة السودانية في المدن، وتطبعت بعادات وتقاليد وطباع المستعمر فجيَّرها كترياق ايجابي لصالحه. وبين سقوط الخرطوم 1885 في يد قوات المهدي، وسقوط امدرمان 1898 على يد قوات كتشنر، أقامت المهدية دولتها التي عمَّرت لفترة زمنية قصيرة (13 عاماً) تحت قيادة الخليفة عبد الله التعايشي (على إثر رحيل مؤسسها الامام محمد احمد المهدي بعد ستة أشهر من دخوله الخرطوم) ثمَّ إنتقل السودان إلى حقبة استعمارية جديدة، عُرفت بالحكم البريطاني المصري أو الحكم الثنائي، والذي دام لفترة مماثلة للحكم التركي السابق 1898-1956 وبرحيله أقامت النخبة السودانية دولتها الوطنية المستقلة بحدودها الادارية الموروثة من الاستعمار، إلى جانب توريثها جزءاً مقدراً من بيروقراطيته أيضاً. ولكنها لأسباب مختلفة فشلت في ادارة شئون البلاد، إذ تراوحت نُظمها السياسية بين ديكتاتورية مُستنسخة وديمقراطية مُصطنعة، وتخللتهما كذلك ثورات مؤودة وفترات انتقالية كسيحة، وهو ما سُمى بدوران الحلقة الشريرة، والتي توقفت (عقاربها) مؤخراً في الانقلاب العسكري العقائدي الذي نفذته الجبهة الاسلامية عام 1989 وبموجبه أسست دولة لصالح عُصبتها ذوي البأس تحت مسميات ودعاوٍ كثيرة، ثمَّ احتكرت تبعاً لذلك الوطن كله!
ولكن ما هو المؤتمر الوطني هذا؟ إنه الحزب الضرورة أو القائد أو الرائد أو العملاق كما تقول شعاراته نظرياً، ولكنه تاريخياً هو حركة الإخوان المسلمين التي تأسست أواخر الأربعينات ببدايات تنظيمية متعثرة، ولم تسجل وجوداً يذكر فى أول انتخابات عام 1953 والتي شارك فيها 1,687,000 ناخباً، ثمَّ إعتورتها سلسلة إنقسامات وإنشقاقات، وبنفس المستوى انتفى وجودها فى انتخابات عام 1958 التى كانت نتائجها مناصفة بين الحزبين الطائفيين، إلى ان ظهرت فعلياً أوائل الستينات تحت زعامة دكتور حسن الترابي، وشاركت للمرة الأولى في مايو 1965 في ثاني إنتخابات برلمانية، حيث حصلت على 5 مقاعد في الجمعية التأسيسية من جملة 1,898,000 ناخب وتغير أسمها إلى جبهة الميثاق الاسلامي، واستمرت كتنظيم سياسي صغير حتى أواخر الستينات، وتمددت بعد دخولها نظام نميري منتصف السبعينات، حيث غلبت النشاط التجاري والاقتصادي على السياسي، وتلقت بصورة غير مباشرة دعماً كبيراً من دول خليجية إزدهرت اقتصادياتها بعد الطفرة النفطية في أعقاب حرب اكتوبر 1973 وبعد سقوط نظام نميري غيرت جلدها وتسمَّت بالجبهة القومية الاسلامية، وشاركت في الحقبة البرلمانية الثالثة بعد حصولها على 51 مقعداً، علماً بأن ذلك لم يكن يعبر عن حقيقة حجمها الطبيعي (منها 23 من اصل 26 مقعداً في دوائر الخريجين بقانونها المثير للجدل) ذلك كان نسبته 18,4% من جملة 5,978,000 ناخباً أدلوا بأصواتهم لاختيار 240 مرشحاً (أجلت الانتخابات في الجنوب بما يوازي 41 دائرة) وفي العام 1989 إنقلبت على النظام الديمقراطي الذي كانت جزءاً منه، وسارت سفينتها تمخر عباب بحر يابس، إلى أن تعرضت لإنقسام في العام 1999 فيما سُمي بالمفاصلة بين الإسلاميين، حيث خرج نصف بزعامة الترابي (المؤتمر الشعبي) واستبقى نصف آخر نفسه في السلطة (المؤتمر الوطني) وعليه يكون حزب المؤتمر الوطني هذا، هو فعلياً نصف الحركة الإسلامية، وإحصائياً أقل من نصف مليون ناخب طبقاً لتقديرات الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وواقعياً هو الحزب الذي ليست له مرجعية، لا اسلامية ولا علمانية، وزوراً هو الحزب العملاق أو القائد أو الرائد كما تقول شعاراته وإعلاناته الدعائية المبثوثة بحجم مليون ميل مربع!
لكن كيف استطاع الحزب تزييف تلك الصورة؟ عقد الدكتور كمال عبيد وزير الدولة للإعلام، وأمين الإعلام في حزب المؤتمر الوطني مؤتمراً صحافياً يوم 28/9/2009 أعلن فيه إنطلاق فعاليات المؤتمر العام الثالث، وقال إن ذلك سيتم بحضور ستة آلاف عضو، و نحو 51 وفداً من 35 دولة عربية وأفريقية وأوربية وآسيوية. ومضى عبيد في حديث الأرقام بشيء من الزهو والإنتشاء فقال إن حزبه هذا (عقد 24179 مؤتمرا قاعديا بالولايات الشمالية بمشاركة 5,59 مليون عضو) ومع ذلك شكا من مضايقات للحزب بالولايات الجنوبية من قِبل الحركة الشعبية الشريك في الحكم (مما حال دون عقد المؤتمرات القاعدية بعدد من المناطق الجنوبية) ولهذا اكتفي الحزب القائد (بعقد 57 مؤتمرا بحضور أكثرمن 33 ألف عضو) ولم يكذب الرائد أهله فقد شاهد الناس في يوم الافتتاح ذلك العدد من الأعضاء يجلسون كالبنيان المرصوص في قاعة فسيحة! ولتأكيد ذلك تحدث دكتور نافع على نافع مساعد رئيس الجمهورية ونائب رئيس المؤتمر الوطني، وأمَّن على أرقام عبيد وزاد بما هو أبهى. ولكن فالسؤال الذي يطرح نفسه: إن كان عدد الناخبين في آخر انتخابات برلمانية ستة ملايين إلا قليلا كما اشرنا من قبل، فإن أرقام المؤتمر الوطني أعلاه تعني أن الحزب العملاق وضع (كل الصيد في جوف الفرا) أي أنه استحوذ على كل الذين يحق لهم التصويت يومذاك، ولم يترك لبقية الأحزاب شيئاً يومئذ. وقد يقول قائل ولكن سكان السودان تضاعفوا في العقدين اللذين جثمت فيهما العصبة على صدر البلاد والعباد. ذلك صحيح ولكن الأصح منه، أن أكثر من ستة ملايين سوداني أو يزيد احتوتهم المنافي والمهاجر وديار الاغتراب في هذه الحقبة، وأن نحو مليوني نسمة فروا بجلودهم إلى دول الجوار. وإن من مات كمداً لا يُحصي ولا يُعد، ومن راح غدراً وغيلة عدد يصعب حصره، وأن المحنة زادت ايضاً، وأن المصائب تفاقمت، وأن المشاكل تناسلت، وأن الهموم كثرت، وأن الأحلام تبعثرت، وبعد كل هذا هل ترى يا صاح أن الملايين الستة المذكورة ستُقبل أم ستُدبر؟ ولكن دعك من هرطقاتي التي لا تغنى ولا تثمن من جوع، وهب أن الأرقام التي ذُكرت صحيحة، فمن أين موَّل الحزب السيوبر مؤتمراته القاعدية تلك، وصولاً (لأم المؤتمرات) !؟
بالطبع السؤال ليس بجديد، سيَّما، والجميع يعلم أن الدولة والحزب هما (روح واحدة في جسدين) على حد تعبير شاعرنا الغنائي (السر دوليب) كما أن السؤال نفسه ليس بفريد، فقد سُئل عنه دكتور نافع على نافع في مؤتمر صحافي عقده يوم 20/11/2007 فأجاب بصيغة حلزونية غطتها كل الصحف ولم تخطر على قلب بشر! إذ قال وهو كالعهد به غير عابيءٍ بأية ردود فعل يمكن أن ترتسم على الوجوه الحيرى (لماذا الحديث عن المؤتمر الوطني، ماذا عن تمويل الأحزاب على مستوى العالم.. من يحدثنا عن كيف يمول الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري برامجهم.. وحزب العمال.. من يحدثنا عن ذلك؟! لماذا المؤتمر الوطني؟ لكن حقيقة اريد ان اقول حكاية عن المؤتمر الوطني وإمكاناته.. الناس مستغربين لها جداً، لهم حق يستغربوا، لانه نحن قاموا سألونا: المؤتمر الوطني مثل الإنقاذ.. سألونا سؤال واسع جداً في ان الانقاذ الذي تعمله، من اين؟! عندما بدأت في الكباري والجسور، واحد من السفارات الغربية قال الإنقاذ هذه قفلنا عليها المنافذ كلها، أيضاً شغالة في الكباري.. قال من أين لهؤلاء هذه الاموال؟! رد عليه احد العارفين وقال له: حكاية الانقاذ هذه معاكم تبقى زي حكاية مريم (عليها رضوان الله) مع زكريا، كل ما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً، قال: يا مريم أنا لك هذا؟! قالت: هو من الله يرزق من يشاء بغير حساب.. كلما دخلوا المؤتمر الوطني سوف يجدون عندنا رزقاً، ان شاء الله سبحانه وتعالى، وسعة في كل الإمكانات، وإن سألوا سوف يكون الخطاب: إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) وما على الذين يصعب عليهم التواءم مع اجابة كهذه في شأن يتطلب وضوحاً وشفافية، سوى مطالعة صحف الجمعة أول من أمس 2/10/2009 فقد ذكر بعضها في خبر موحد أن السيد عبد الحكم طيفور القطب الاتحادي الديمقراطي إنضم للمؤتمر الوطني وتبرع في نفس الوقت بشيك بمبلغ مائة مليون جنية! وما على المستغربين الذين لا يودون تصديق هذه المبالغة سوى الإذعان إلى أن جنود المحراب المجهولين تحولوا لبشر سوياً، فأثناء مخاطبته المؤتمرين قال دكتور نافع أيضاً (إنهم استنفروا أهل الخير والمال عن تمويل المؤتمر) وجاءت الاجابة على حد زهوه فوق التصور (في جلسة واحدة حضرها اكثر من 50 من اثرياء الحزب تم التبرع بنحو 15 ملياراً دفع نصفها بشكل فوري) إذاً هكذا يا كرام تسير القافلة، فلماذا سوء الظن طالما أن في هذا البلد الأمين قوم يقدرون النشاط الحزبي حق قدره!
نحن يا سيدي شعب طيب، كنا نعتقد وحتى لحظة حديثك هذا أن سدنة الحزب العملاق يؤمنون أن الأموال العامة حِلٌ لهم، طالما أن الدولة التي تجثم على انفاسنا هي دولتهم، فلا غروَّ إن اعتقدوا أن (الجيب واحد) كما تذهب في ذلك الحكمة الشعبية المتداولة، وإلا فليقل لنا أحد الكوادر الطليعية لهذا الحزب الضرورة كيف تسخر وسائل الاعلام - التي يقال عنها قومية – لصالحهم ويحرم منها الآخرون. وهذا ما كشفه مؤتمر جوبا الذي تزامن مع مؤتمر الوطني. والمفارقة أنهم لم يُحرِّموها على المشاركين في مؤتمر جوبا وفيهم الشريك الذي كان المؤتمر تحت رعايته، وإنما تحولت إلى مصدر للدعاية المغرضة ضد المؤتمر ومن شارك فيه، وقد استخدمت في سبيل تحقيق هذه الغاية النبيلة مختلف اسلحة الدمار الشامل. كانت الحملة تدعو للأسى لأنها من قبل أن تقلل من شأن المستهدفين استخفت بعقول المشاهدين. ولنذكر مثالاً كان غاية في الغرابة والسذاجة معاً. فثمة من أوحى أن ينقل (المعركة) المفتعلة إلى خارج الحدود، وشاء أن تبحر الأزمة بكل سوءاتها من جنوب الوادي إلى شماله. إذ اجتهد تلفزيون جمهورية المؤتمر الوطني أن ينقل رسالة مراسله في القاهرة ويدعى محمود حسين ويرددها طوال يوم 26/9/2009 بقوله (تتابع مصر الرسمية والشعبية بعين الريبة والشكوك مؤتمر المعارضة في جوبا، الذي يتميز بالغموض من حيث الأشخاص أو الأجندة ووصفته بأنه مؤتمر بلا لون ولا طعم ولا رائحة) ولم يكتف بهذا الافتراء وإنما ختمه بالأمر الذي فيه يستفتيان (هكذا تبدي النخبة المصرية شكوكاً في نوايا المشاركين في هذا المؤتمر وترى أنه لن يحقق الفائدة للشعب السوداني) الجهاز العجيب لم يترك أحداً إلا ومنحه (المايكرفون) ليصب جام غضبه على المؤتمر والمؤتمرين في جوبا، وبعضهم أظهر مزايدات تدعو للحزن والرثاء. مع أن الأمر كان في غاية البساطة فليس ثمة ما يثير حفيظة أي انسان حيال قناعة بعض المواطنين الذين قرروا التداول في قضايا هذا الوطن، طالما أن ذلك حق كلفهم لهم الدستور الانتقالي الذي وقعت عليه العصبة. لكن أن يكتشفوا أنه لا يسوى ثمن الحبر الذي كُتب به، وأن حقهم هذا لا يمكن ممارسته إلا بإذن من الحزب القائد، وأن الحزب القائد هذا منح ذات الحق لعصبته ليتمددوا في ذات الوسائل الإعلامية كيفما أتفق، فهذا لعمري ما يمكن أن يضاف لعجائب الأشياء وغرائب الزمان. لا يدري المرء ما الذي يجعل مؤتمر الحزب الرائد في الخرطوم محفوفاً بالملائكة ومؤتمر معارضيه في جوبا محشوداً بالشياطين؟ لماذا حلال عليه وحرام عليهم؟ وطالما أنه مؤتمر فاشل كما رددت ذات الوسائل الإعلامية، وأن مقرراته وتوصياته لا تهمهم في كبير شيء، فلماذا السعار السياسي والاعلامي الذي سيطر على العصبة؟ في الواقع تلك اسئلة رغم موضوعيتها قد تبدو للقاريء الذي خبر شتى أشكال فساد السلطة إنها اسئلة ليست بذات بال، ولهم في ذلك حق طالما أن تلك الفئة اختطفت الوطن بكل امكاناته وجعلته رهينة في يدها!
بيد أنه لو كان الصرف البذخي على كيانات هلامية يجدي نفعاً، لكان الاتحاد الاشتراكي (العظيم) الذي بناه نميري صرحاً تهوى إليه أفئدة وتهفو له قلوب حتى اليوم (فوفقاً لبيتر ودوارد/ السودان الدولة المضطربة) الذي أورد احصائية رسمية عن ذلك الكيان البيروقراطي المنقرض (عندما كان في ذروة نشاطه في العام 1974 ضم الاتحاد الاشتراكي 6381 وحدة أساسية، ولكن اتضح بعد حين أن معظمها لا يمارس نشاطاً سياسياً متعارف عليه) لأن المعروف - مثلما هو الحال راهناً - أن أنشطته كانت محصورة في تنظيم مظاهرات التأييد وتدبيج تظاهرات التنديد، وإخوة لهم كانوا يقولون لنا يومذاك مثلما قالوا لنا هم اليوم، أن عضويته بلغت أكثر من عشر ملايين منتسب، وهي نفس الملايين التي تبخرت ساعة أن اندلعت الانتفاضة في العام 1985 فلم يجد أبو القاسم محمد ابراهيم والرشيد الطاهر بكر ومحمد عثمان أبو ساق، سادة الاتحاد الاشتراكي (العظيم) وقادة مسيرة (الردع) حشداً يسدوا به رمقهم في السلطة التي تهاوى عرشها. كما ان لنا في الأصل أسوة، فقد قيل ايضاً أن اعضاء الاتحاد الاشتركي المصري تجاوز العشرين مليوناً، ولا تسأل يا قارئي عن عضوية الحزب الشيوعي في الدولة الأعطم، فذلك مما تجحظ له العيون وتفر منه القلوب رعباً، فلماذا ذهب جميعهم كما يذهب الزبد الجفاء؟ ذلك ببساطة لأن كلنا يعلم أن الأنظمة الشمولية تخلط خلطاً مريعاً بين الولاء للوطن والخضوع للدولة، وتظن أن مجرد نقدها هو نقد للوطن، وتعتقد أن التعرض لسياساتها هو إنتهاك لحرمات الوطن، وتؤمن بأنها القابض والباسط، وتتوهم أنها المانح والمانع، ولنا فيما قاله كمال عبيد نفسه مثلاً ساطعاً (آخر لحظة 29/9/2009) وذلك في معرض تعليقه على الرقابة القبيلة التي رفعت قبل ايام قلائل، إذ قال (إنه يمكن فرضها من جديد إذا دعت الحاجة) وبالطبع لا عزاء للمكلومين، فمن نكد الدنيا على مواطني هذا البلد الحزين أن الأنظمة القهرية تبذل جهداً خرافياً لتخليد دولتها بغض النظر عن بؤسها. فهي تلجأ إلى استمالة المفكرين والمثقفين والصحفيين والمسرحيين والمغنيين والشعراء والكتاب، فتغتر حينما تجد بينهم إنتهازيون ممن برع في صنع (خيالات المآته) فلا غروَّ بعدئذٍ أن زال من مخيلة الناس وانمحى من ذاكراتهم بمجرد تهاوي العرش (المكين) لأن المال وحده - يا سادتنا - لا يصنع مجداً، والمال لا قيمة له إن لم يكن مصحوباً بالقيم السامية، والمال لا يمكن أن يشترى مباديء...فمتى تعلمون أن الحياة بلا مباديء أشبه بجسد بلا روح!
أنظر وتأمل يا هداك الله، بعد عشرين عاماً من الحكم الشمولي، أدرك الحزب العملاق الذي اقصى القوى السياسية وحرمها من حقوقها المشروعة أن (الديمقراطية القائمة على التعددية الحزبية هي الطريق نحو دولة الرفاه الاقتصادي والسياسي والاجتماعي) بعد عشرين عاماً من الحكم القهري، أيقن الحزب القائد الذي مارس الاقصائية دون حياء أو خجل أن (الحرية هي أصل مبادئنا والانتخابات هي أرقى شيء يمكن أن يقود للتطور البشري والحضاري) بعد عشرين عاماً من الحكم الاستعلائي، اكتشف الحزب الرائد الذي حرم الناس اللهو والغناء وأقام سرادقاً للعزاء في كل بيت أن (الحرية ستكون سبباً في الازدهار والنمو ومصدراً للإلهام والابداع والفن) بعد عشرين عاماً من الحرمان، ادرك الحزب العتيد الذي قطع الأرزاق وفصل مئات الآلاف تعسفياً أن (قطع الكهرباء عن محطات المياه خطاً أحمراً يمكن أن تتطاير معه رؤوس) بعد عشرين عاماً من الحكم الاستبدادي، أيقن الحزب التليد الذي كمم الأفواه وبطش بمعارضيه في بيوت سيئة السمعة أن (الحوار ومرجعية الشعب هي في الاختيار لحل جميع مشكلاتنا السياسية والاجتماعية) بعد عشرين عاماً من الحكم الظلامي، انتبه الحزب المستنير الذي أجج الحرب جنوباً بإسم الجهاد، وكان وقودها الطلاب والبسطاء أن (وحدة السودان هدف استراتيجي لا عدول عنه وسبيلنا الي تحقيقه هي الوسائل السياسية بالإقناع وبناء الثقة، واشاعة العدل الاجتماعي والسياسي) بعد عشرين عاما من الحكم المتجبر، أدرك الحزب الذي بشَّر دول العالم بالعذاب المستطير أن (العلاقات الخارجية تؤسس لعلاقات صداقة مع الجميع، قائمة علي أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتسعي لتقوية علاقات الصداقة مع الصين وبقية دول آسيا، وتتطلع الي علاقات وثيقة مع روسيا، وتسعي لعلاقات من التكامل والائتلاف مع عالمنا العربي والافريقي وتجتهد في تطوير علاقاتنا في اتجاه بناء اتحادات اقليمية فاعلية وتسعي بصدق لتأسيس علاقات تفاهم مع أوروبا وأمريكا) بعد عشرين عاماً من التجهيل المستمر مطلوب منكم ايها القراء الكرام أن تصدقوا ما بين الأقواس، فذلك حصيلة مؤتمر البؤس والانتهازية!
ويلٌ للمطففين في ميزان الأوطان، الذين إذا كالهم الشعب أو وزنهم حتماً سيخسرون. نعلم أنها دولتكم ولكن قولوا لنا بربكم الذي فطر السموات والأرض وطن من هذا؟ فنحن نطمح فقط أن تستقيم حياتنا على بساط الحقوق والواجبات كسائر خلق الله...بعيداً عن الدعايات الانتخابية الزائفة وإستمراء خداع الناس!!
إقبال المرضى- عدد الرسائل: 91
تاريخ التسجيل: 11/03/2009
رد: ندوة التجمع عن التحول الديمقراطي، السبت 9 يناير
مرحبا بكم فى موقع الجالية السودانية الاميريكية بمنطقة واشنطن الكبرى ....... ........... !
Posted: Today at 5:49am
أنتِفوها... يرحمكم الله!
فتحي الضَّــو
faldaw@hotmail.com
بما أن العصبة ذوي البأس أصبحوا يوحون للناس أنهم بصدد تغيير جلود الديكتاتورية والشمولية، ويريدون أن يستبدلوها بجلود الديمقراطية والتعددية، في انتخابات يقولون عنها إنها ستكون حرة ونزيهة. نحن نقول لهم إن التغيير الحقيقي يعني عدم تناسي الماضي بكل قبحه وسوءاته. فثمة بيوت سيئة السمعة كانت وصمة عار في حياتنا السياسية.. كان الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، فمن ذا الذي يملك صكوك الغفران؟ وثمة أرواح أُزهقت ونفوس عُذبت وأعراض أُنتهكت، فمن ذا الذي يغفر ويصفح؟ وثمة أرزاق قُطعت وأخلاق تضعضعت وقيم تخلخلت فمن ذا الذي يقول عفا الله عما سلف؟ وثمة حروب اشتعلت وعقائد تصادمت، وأحلام وطن قُبرت فمن ذا الذي يستطيع أن يُحي العظام وهي رميم؟
تعلمون – سيداتي وسادتي – حاول دهاقنة العصبة ذوي البأس في بواكير عهدهم بالسلطة بالمُغتَصَبة، تشنيف آذان السودانيين باحدي بدع الضلالة التي تصطك لذكرها الأسنان وترتعد من سيرتها الفرائص. إذ إدعّوا يومذاك أن العناية الالهية إبتعثتهم في مهمة دنيوية تهدف إلي (إعادة صياغة الانسان السوداني) غير آبهين بإنقطاع الوحي عن العباد بخاتم انبيائه، ولا بانتهاء المهام الربانية التي اوكلها الله لآخر رسله، والذي رحل عن دنيانا الفانية بعد أن رضى لنا الاسلام ديناً. لكن بالرغم من كل هذا فقد كانت تلك العبارة من الشعارات ذات العيار الثقيل، ولها من الترهيب والجبروت بحيث تستطيع أن ترسل كل من يحاول الاقتراب الي محرقة التكفير. ولم يكن ثمة مناصٍ أن يفر البعض بدينهم متوخياً السلامة عند (نجاشي) لايُظلم عنده أحد. وضرب آخرون اكباد الأبل نحو قوم موسى لعلهم يجدون عندهم عصاه لتلقف ما يأفكون، وقطع رهط المحيطات والبحار متجهين صوب فسطاط الكفر ليطعمهم من جوع ويأمنهم من خوف!
وقيل يومئذٍ أن الذين تواصوا علي وثيقة الاعلان العالمي لحقوق الانسان قبل نحو نصف قرن أو يزيد قليلا، تحسسوا موطيء أقدامهم ومقابض أقلامهم، وكادوا أن يعلنوا عجزهم وفشلهم وخيبتهم، لأنهم بقدر ما اجتهدوا وصاغوا الخيال واقعاً، وظنوا أنهم لم يتركوا فيه شاردة ولا واردة إلا وضمنوها تلك الوثيقة، إلاّ انه لم يخطر ببالهم أن عصبة يمكن أن تأتي إلي سدة سلطة - بغض النظر عن شرعيتها - وتدعو جهرةً الي خلق جديد في روح انسان قديم، ثمَّ تدعى كذباً أنها قادرة على أن تسوى بنانه.. ليخط به ما لم يخطر على قلب شعوب وأمم!
على عكس ما درج عليه الناس، فكر الصاغة ثم قدروا أن مشروع إعادة الصياغة يستوجب توفير كل أسلحة الدمار الشامل، تلك التي تحيل المُثل والأخلاق والقيم الي هشيم تذروه الرياح في غمضة عين. استنهضوا من بين الركام متشاعر موهوم، وظيفته الترغيب في الآخرة، ولكن بتسفيه الدنيا التي أوصي المولي بها عباده خيراً. وأزاحوا الغبار عن مغنٍ إفتري علي الناس عبثاً، وطفق يرهق عباد الله بتلك الطلاسم التي تخدش الوجدان وتبلّد المشاعر وتدمي القلوب التي في الصدور!
بيد أن الصاغة رأوا أيضاً ان الصياغة لن يكتمل بدرها إلا إذا إستنبت القوم تلك الشعيرات في أذقانهم وهم مقمحون، فهرعوا الي بطون الكتب الصفراء يستخرجون منها سموم تلك الأفاعي الزاهية الوانها، ومثلما يسري الطاعون في مدن المسغبة، صحا الناس ذات يوم ووجدوا وجوه أصحاب المشروع وقد إكتست شَعَراً، واضحت تهلل وتكبر شِعراً يقول أن السلطة التي قتل قابيل هابيل بسببها هم فيه زاهدون. وبغض النظر عن الضلالة في الدعاوي، إلا أن تضليل الغاوي تمثل في تلك الشعيرات التي وضعت البعض في حرج بالغ. لأن تكوينهم البايولوجي لا يساعد على إستنبات ذلك الزرع في الوجوه، فاستجلبوا له كل أنواع السماد البشري ليستغلظ ويستقوي علي سوقه وليعجب الكفار. لكن دون جدوى، إذ بدت الوجوه بشعيراتها المتطايرة كحُمرٍ مستنفرة.. فرّت من قسورة!
إزاء الترهيب الوظيفي والاجتماعي والارهاب الفكري والديني، لم يكن أمام الذين في روما سوى أن يفعلوا ما يفعله الرومان - كما يقول الفرنجة - ولهذا لم يكن بمستغربٍ أن يجاري البعض الظاهرة، ليبدوا وكأنهم ينتمون لقبيلة أهل الولاء. فجنح البعض كذلك إلي إستنبات شعيرات تدرأ عنهم شبهة التكفير وتبعد عنهم سيف الفصل التعسفي المصلت على الرقاب، لكن ذلك ما لا يمكن أن تتجاهله المخيلة الشعبية، ويفوت علي فطنة الذين تعودوا علي مداراة همومهم بالسخرية، فأطلقوا علي الظاهرة مسميات تتسق والإنتهازية التي نهلت منها، فسموها مرة (دعوني أعيش) وأخري (من أجل أبنائي) وثالثة (تمكنّا) ورابعة (تفرعنّا)، وتجدر الإشارة أن الأخيره هذه من مسكوكاتي الخاصة، والتي أسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتي، بعد أن إستهوتني القافية ووجدت فيها التعبير الأقرب لها من حبل الوريد!
تذكرون - سيداتي وسادتي – وما أبأس ذكرياتنا، يومذاك خرج علينا عرّاب النظام الجديد من (نور السجن) إلي (ظلام السلطة) وذلك بعد أن اكمل شهور (العُدّة السياسية) التي قضاها مع ضحاياه في السجن العتيد، فنحروا له قطعان من الخراف والأبقار والجمال، فحركت رائحة الدم شهوة القتل والانتقام والثأر في قطيع ثيران المصارعة الاسلاموية، فصاح نائحهم يا معشر بني غربان نريدها حمراء بكل يد مضرجة تدق! ومن أراد أن تثكله أمه فليحاول أن ينزع منّا قميصاً ألبسنا له الله! هنيهةً وحتى يبث الرعب في النفوس وتخرج العيون من محاجرها، قاموا بنحر 28 نفساً زكية في الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وقالوا للناس من رأي منكم هلاله متسربلاً بدماء الكفرة الفُجرة فليصم أبد الدهر!
بعد أن جاءته الخلافة تجرجر أذيالها إعكتف فارس بني مروان قليلاً في مدينة (قُمْ) الكائنة في أطراف العاصمة، وقال لحوارييه متي أضع العمامة تعرفوني، وبدأ يرسم لهم المشروع سطرا سطرا، ويصدر لهم الفرمانات شفاهة دون قلم يُدمي بنانه، وأصبحت داره كدار أبي سفيان، من دخلها فقد أمن نفسه وأهله من غوائل الدهر. ثم خرج عليهم ذات يوم وقد إرتدي بزة عسكرية، وأشار عليهم بعصاه جنوباً وقال لهم بصوت جهير: يا سارية خاصرة الوطن! فحمل النيل الأبيض دماءً حمراء أثقل من الماء ووضع أوزارها عند ملتقي النيلين. وصحا أهل المدينة النائمة ليجدوا أن عاصمتهم وقد تحولت إلي سرادق كبير للعزاء!
ثمّ مدّ قرين الحجاج بن يوسف الثقفي بصره إلي ما وراء الحدود، فتلبسته أوهام الأممية، فقال مخاطباً الغافلين والذين في آذانهم وقر (هذا نموذج سوداني سنحسنه ونهديه للعالم!) ويومئذ كان في ذاك الوطن مواطناً يدعي أبوبكر الصديق يزجر ابنه لمجرد أنه طلب منه (حق الفطور) وآخر اسمه علي بن أبي طالب وقد وضع يديه علي خديه لأنه لا يملك (ثمن الدواء) لزغب حواصل يتضورون سقماً، وثالث اسمه عثمان بن عفّان يهيم علي وجهه بعد أن فُصل للصالح العام، ولم يك ساكن القصر الذي بناه غردون هو عمر بن الخطاب الذي صعد المنبر بغتةً وقال: أيها الناس تعرفون أنني رعيت في مكة غنم خالات لي من بني مخزوم نظير حبات من تمر أو قبضة من زبيب، ثم ترجل عن المنبر، كمن خلّف من وراءه حملاً ثقيلاً، فباغته عبد الرحمن بن عوف متسائلاً: لماذا قال ما قال، فأجابه ويحك يا ابن عوف خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد فمن ذا أفضل منك؟! فأردت أن أعرفها قدرها!.
تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، ولكنك لن تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت. يومئذٍ وقفت العصبة ذوي البأس في العقبة، وهي لا تلوي علي كبير شيء. ولهذا لم يكن غريباً ولا مفاجئاً ان يختلف اللصان ويظهر المسروق للناس والشمس في رابعة السماء، ذلك لأن اعادة الصياغة لا تأتي عبر دبابة، ولا تسكن بيوت اشباح، ولا تأكل اموال الدولة بالباطل، ولا تعوث في الأرض فساداً، ولا تستحل السحت، ولا تقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تخون الأمانات، ولا تكذب إن أقسمت، ولا تنام متخمة وفي (الرعية) من يبيت الطوي، ولا تكنز الذهب والفضة وفي ريع دولتها حق للسائل والمحروم!
عندما كان المشروع الحضاري تتساقط أوراقه واحدة تلو أخري فيما أسميناه في مقال سابق (بالإستيربتيز الأيدولوجي)، كان المكلومون يبحثون عن ابنه السفاح المسمي (اعادة صياغة الانسان السوداني) فأدركوا أنه حي يرزق، فقد نجحت العصبة في مهمتها الدنيوية والأخروية ولكن في مسار آخر علي عكس ما إجتهد الفارابي في تضميينه مدينته الفاضلة، وبخلاف ما رمي له أفلاطون في جمهوريته المثالية، بل من عجب أن فرّت من مثالهم، حاكمية سيد قطب وتراسيم أبو العلاء المودودي، والمفارقة أن المتهم رقم واحد والموصوم بالارهاب الدولي والذي سبق وأن قسّم العالم إلي فسطاطين، تبرأ منهم هو أيضاً قبل أن يدير لهم ظهره ويعود من حيث أتي. وعليه ليس علي المتلجلج أو الملتبس حرج إن لم يستطع تصنيف دولة العصبة الراهنة، بعد أن أصبحت بلا مرجعية، أى بلا لون ولا طعم ولا رائحة!
بعد ما يناهز العقدين من الصياغة الاجبارية، كانت المحصلة تدعو للحزن والرثاء، إنتشرت الظواهر السالبة في المجتمع، إزدادت معدلات الفقر، تفاقمت الجريمة، تمدد الفساد المالي، تفشي الفساد الأخلاقي، انحسرت القيم الجميلة التي كان يستظل بها الناس وتباهوا بها شعراً ونثراً، وحلت مكانها ثقافة أخري تدعو للرذيلة وتُحور مسمياتها، فقد أصبحت السرقة شطارة، والاختلاس فهلوة، والنصب ذكاء، والاحتيال علاقات عامة. تحول أصحاب الايادي المتوضئة والأفواه المتمضمضة إلي غزاة استباحوا مدينة غريبة، سآموا أهاليها سوء العذاب، واستحيوا نساءها بذرائع الحلال مثني وثلاث ورباع، وتطاولوا في البنيان بدعوي أن ربك حثهم علي الحديث بنعمته، وأصبح مألوفاً أن يري الناس دينهم الذي جُبلوا عليه بالفطرة وقد ولي الادبار، وقال البعض قولته التي جرت مثلا دارجاً بين الناس: لو كان بمثل ما يدعون فنحن منه براء!
لكن الأنكي وأمر أن القول نفسه أجرته الضغينة علي لسان أحد السبعة العظام الذين نهضت دولة العصبة علي أكتافهم (أسماهم البعض يومذاك توهماً بالمجلس الأربعيني) تحدث السيد يس عمر الأمام لصحيفة ألوان (12/8/2007) بعد أن غادر وكر السلطة الدافيء، فقال قولاً تقشعر منه الأبدان (الحركة الإسلامية دخلت السلطة وخرجت مضعضعة وفيها فساد شديد وفيها ظلم وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التى تحملها للناس، وزارني بعض الأخوان بالمنزل وكان من ضمنهم حسن الترابي، وقلت لهم بأنني أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام فى المسجد الذى يجاورني بسبب الظلم والفساد الذى أراه، وقلت لهم بأننى لا أستطيع أن أقول لأحفادي أنضموا للأخوان المسلمين، لأنهم يرون الظلم الواقع علي أهلهم (فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للأسلام في السودان، أنا غايتو بخجل) وأكد قوله في فقرة أخري (أعتقد أن تجربة السودان جعلت المواطن العادي لديه ظن سييء في شعار الاسلام ولا عشم له حوله) والمُوسِي أن رجلاً اسمه محمود محمد طه وهو من غير جماعة يس، عندما أجري الله مثل هذا القول علي لسانه قبل ربع قرن، كان ثمنه حياته!
أيضاً كان ذلك قول يس عضو الجماعة، أما قول يس الذي أرسله الله بشيراً ونذيراً فقد قال قبل أكثر من أربعة عشر قرناً (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن خان) وذكَّرهم في حديث آخر كيف تكون القدوة الحسنة (والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وربّ يس الذي أنزله قرءاناً عربياً يهدي إلي الرشد قال مخاطباً يس النبيّ كيما يتعظ يس عضو العصبة (اليوم نختم علي أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) بيد أن هذا وذاك مما تتغافل عن رؤيته جماعة يس، وقد تذكَّره عضوها يس في لحظة ضعف انساني!.
عوضاً عن ذلك شغلوا أنفسهم بمعارك وهمية، فقالوا عن الدولة المدنية مالها؟ قلنا يومئذٍ نحدثكم أخبارها.. علي لسان المفكر الفرنسي جان جاك روسو (1721-1778) صاحب كتاب العقد الاجتماعي ذائع الصيت، والذي صدر قبل قرنين ونصف أي في العام 1762 وقد ترك أثراً كبيراً في الفكر السياسي الثوري العالمي بصورة عامة والفرنسي بصورة خاصة قال: (إن فرداً ما قد يخضع نصف العالم، ولكنه يظل دائما مع ذلك فرداً، فمصالحه هي مختلفة تماماً عن مصالح الآخرين. وعندما يموت تتحلل ممتلكاته وتتبعثر، فهو مثل شجرة بلوط كبيرة تنهار وتتحول إلي رماد بمجرد أن تلتهمها النار) لكن ذلك ما لا تقرأه العصبة التي جاءت إلي السلطة متلحفة عباءة لويس السادس عشر مواطن روسو نفسه والقائل (انا الدولة والدولة أنا)!
إن إعادة الصياغة بالصورة التي إرتأتها العصبة ذوي البأس وخططت لها، كانت مجرد ذر رماد في عيون واقع لا يمكن للعين أن تخطئه، فيه المتحول الذي تجسده سلسلة تفاعلات تاريخية، بدايةً بالدولة الكوشية والمروية والنوبية (المسيحية) بممالكها الثلاثة (نوباتيا، المقرة، علوة) ومروراً بالممالك الاسلامية المختلفة (الفور، الداجو، الفونج، المسبعات، تقلي)، ثم التركية التي جثمت نحو ستين عاماً علي صدر البلاد، ومثلها الحكم الثنائي البريطاني المصري، وبينهما المهدية، وإنتهاءً بدولة ما بعد الاستقلال بعلوها وهبوطها، أما الثابت فذلك ما تقوله اللوحة الفسفسائية الجميلة والممثلةً في التعدد الأثني والثقافي والفكري والعقائدي، فما لكم كيف تحكمون؟.
الآن بعد أن قَبر المؤتفكة أو قَبر الواقع مشروعهم الاسلاموي المخادع، وغشت بعضهم صحوة ضمير، نحن ندعو برباط المواطنة المخلصة، والعقيدة السمحاء غير المشوة بغرض، كل من استزرع واحدة بعد العام 1989 من شاكلة التي سخرت منها المخيلة الشعبية أن ينتفوها، لأنها منتنه كدعوة الجاهلية تماماً، مثلما أنها تذكرنا بتلك الحقبة الكالحة التي حاولت أن تقزم انسانيتنا وتستحقر كرامتنا. وليتذكروا قول يزيد بن ربيعة في شأن عبد الله بن زياد والي سجستان: ألا ليت اللحى كانت حشيشاً/ فتعلفها خيول المسلمينا) وفي مقاربة اقتبس منه شاعرنا الراحل صالح عبد القادر تلك الرؤى وقال (ألا يا هند قولي وأخبريني/رجال الشرع صاروا كالمعيز/ألا ليت اللحى كانت حشيشاً/فتعلفها خيول الانجليز) وليدركوا انفسهم قبل أن يدركهم قريض شاعرنا الفحل الراحل عبد الله عمر البنا في قوله (وهيكل تبعته الناس عن سرف/ كالسامري بلا عقل ولا دين/ يحتال بالدين للدنيا ليجمعها/ سُحتاً وتورده في قاع سجين)!
إن الذين نعنيهم يعلمون انفسهم، ولكن في المقابل نحن نعلم أن هذه الدعوة المخلصة لوجه الله، ستزيد بالمقابل الذين رعوا أذقانهم ليس رياء الناس أو كذب يفترونه أو انتهازية يتوسلون بها مصلحة، ستزيدهم ثقة في انفسهم ووطنهم ودينهم. وتعلمون يا من هداكم الله أن الظاهرة كانت من قبل أن تهبط علينا ثعالب المشروع الحضاري، دليل علي التسامح الذي كان يعم المجتمع، وفيه تلك الهرمية الجميلة التي يحترم فيها كبيرنا صغيرنا، ويوقر فيها صغيرنا كبيرنا! فعندما يُزين بها الكبير وجهه يناديه الصغير تحبباً بإحدي الحسنين، إما يا عمّ إن كانت سوداء تبهر وجه الطامحين، أو يا حاج إن كانت بيضاء تسر الناظرين. ولكن تأمل بعدئذٍ كيف تحولت الظاهرة إلي (فوبيا) علي إثر الصياغة المزعومة، فقد قال لي صديق يعمل في مجال المال والأعمال، أنه دائما ما يكون مهجوساً من اثنين في تعاملاته التجارية... الذين زرعوها في وجوههم عنوة واقتدارا، والذين يكثرون من القسم بمناسبة أو بدونها، فاحذر أخى واختي المؤمنة أن تُلدغوا من احدى الحيتين!
عن صحيفة (الأحداث) 10/1/2010
Posted: Today at 5:49am
أنتِفوها... يرحمكم الله!
فتحي الضَّــو
faldaw@hotmail.com
بما أن العصبة ذوي البأس أصبحوا يوحون للناس أنهم بصدد تغيير جلود الديكتاتورية والشمولية، ويريدون أن يستبدلوها بجلود الديمقراطية والتعددية، في انتخابات يقولون عنها إنها ستكون حرة ونزيهة. نحن نقول لهم إن التغيير الحقيقي يعني عدم تناسي الماضي بكل قبحه وسوءاته. فثمة بيوت سيئة السمعة كانت وصمة عار في حياتنا السياسية.. كان الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، فمن ذا الذي يملك صكوك الغفران؟ وثمة أرواح أُزهقت ونفوس عُذبت وأعراض أُنتهكت، فمن ذا الذي يغفر ويصفح؟ وثمة أرزاق قُطعت وأخلاق تضعضعت وقيم تخلخلت فمن ذا الذي يقول عفا الله عما سلف؟ وثمة حروب اشتعلت وعقائد تصادمت، وأحلام وطن قُبرت فمن ذا الذي يستطيع أن يُحي العظام وهي رميم؟
تعلمون – سيداتي وسادتي – حاول دهاقنة العصبة ذوي البأس في بواكير عهدهم بالسلطة بالمُغتَصَبة، تشنيف آذان السودانيين باحدي بدع الضلالة التي تصطك لذكرها الأسنان وترتعد من سيرتها الفرائص. إذ إدعّوا يومذاك أن العناية الالهية إبتعثتهم في مهمة دنيوية تهدف إلي (إعادة صياغة الانسان السوداني) غير آبهين بإنقطاع الوحي عن العباد بخاتم انبيائه، ولا بانتهاء المهام الربانية التي اوكلها الله لآخر رسله، والذي رحل عن دنيانا الفانية بعد أن رضى لنا الاسلام ديناً. لكن بالرغم من كل هذا فقد كانت تلك العبارة من الشعارات ذات العيار الثقيل، ولها من الترهيب والجبروت بحيث تستطيع أن ترسل كل من يحاول الاقتراب الي محرقة التكفير. ولم يكن ثمة مناصٍ أن يفر البعض بدينهم متوخياً السلامة عند (نجاشي) لايُظلم عنده أحد. وضرب آخرون اكباد الأبل نحو قوم موسى لعلهم يجدون عندهم عصاه لتلقف ما يأفكون، وقطع رهط المحيطات والبحار متجهين صوب فسطاط الكفر ليطعمهم من جوع ويأمنهم من خوف!
وقيل يومئذٍ أن الذين تواصوا علي وثيقة الاعلان العالمي لحقوق الانسان قبل نحو نصف قرن أو يزيد قليلا، تحسسوا موطيء أقدامهم ومقابض أقلامهم، وكادوا أن يعلنوا عجزهم وفشلهم وخيبتهم، لأنهم بقدر ما اجتهدوا وصاغوا الخيال واقعاً، وظنوا أنهم لم يتركوا فيه شاردة ولا واردة إلا وضمنوها تلك الوثيقة، إلاّ انه لم يخطر ببالهم أن عصبة يمكن أن تأتي إلي سدة سلطة - بغض النظر عن شرعيتها - وتدعو جهرةً الي خلق جديد في روح انسان قديم، ثمَّ تدعى كذباً أنها قادرة على أن تسوى بنانه.. ليخط به ما لم يخطر على قلب شعوب وأمم!
على عكس ما درج عليه الناس، فكر الصاغة ثم قدروا أن مشروع إعادة الصياغة يستوجب توفير كل أسلحة الدمار الشامل، تلك التي تحيل المُثل والأخلاق والقيم الي هشيم تذروه الرياح في غمضة عين. استنهضوا من بين الركام متشاعر موهوم، وظيفته الترغيب في الآخرة، ولكن بتسفيه الدنيا التي أوصي المولي بها عباده خيراً. وأزاحوا الغبار عن مغنٍ إفتري علي الناس عبثاً، وطفق يرهق عباد الله بتلك الطلاسم التي تخدش الوجدان وتبلّد المشاعر وتدمي القلوب التي في الصدور!
بيد أن الصاغة رأوا أيضاً ان الصياغة لن يكتمل بدرها إلا إذا إستنبت القوم تلك الشعيرات في أذقانهم وهم مقمحون، فهرعوا الي بطون الكتب الصفراء يستخرجون منها سموم تلك الأفاعي الزاهية الوانها، ومثلما يسري الطاعون في مدن المسغبة، صحا الناس ذات يوم ووجدوا وجوه أصحاب المشروع وقد إكتست شَعَراً، واضحت تهلل وتكبر شِعراً يقول أن السلطة التي قتل قابيل هابيل بسببها هم فيه زاهدون. وبغض النظر عن الضلالة في الدعاوي، إلا أن تضليل الغاوي تمثل في تلك الشعيرات التي وضعت البعض في حرج بالغ. لأن تكوينهم البايولوجي لا يساعد على إستنبات ذلك الزرع في الوجوه، فاستجلبوا له كل أنواع السماد البشري ليستغلظ ويستقوي علي سوقه وليعجب الكفار. لكن دون جدوى، إذ بدت الوجوه بشعيراتها المتطايرة كحُمرٍ مستنفرة.. فرّت من قسورة!
إزاء الترهيب الوظيفي والاجتماعي والارهاب الفكري والديني، لم يكن أمام الذين في روما سوى أن يفعلوا ما يفعله الرومان - كما يقول الفرنجة - ولهذا لم يكن بمستغربٍ أن يجاري البعض الظاهرة، ليبدوا وكأنهم ينتمون لقبيلة أهل الولاء. فجنح البعض كذلك إلي إستنبات شعيرات تدرأ عنهم شبهة التكفير وتبعد عنهم سيف الفصل التعسفي المصلت على الرقاب، لكن ذلك ما لا يمكن أن تتجاهله المخيلة الشعبية، ويفوت علي فطنة الذين تعودوا علي مداراة همومهم بالسخرية، فأطلقوا علي الظاهرة مسميات تتسق والإنتهازية التي نهلت منها، فسموها مرة (دعوني أعيش) وأخري (من أجل أبنائي) وثالثة (تمكنّا) ورابعة (تفرعنّا)، وتجدر الإشارة أن الأخيره هذه من مسكوكاتي الخاصة، والتي أسأل الله أن يجعلها في ميزان حسناتي، بعد أن إستهوتني القافية ووجدت فيها التعبير الأقرب لها من حبل الوريد!
تذكرون - سيداتي وسادتي – وما أبأس ذكرياتنا، يومذاك خرج علينا عرّاب النظام الجديد من (نور السجن) إلي (ظلام السلطة) وذلك بعد أن اكمل شهور (العُدّة السياسية) التي قضاها مع ضحاياه في السجن العتيد، فنحروا له قطعان من الخراف والأبقار والجمال، فحركت رائحة الدم شهوة القتل والانتقام والثأر في قطيع ثيران المصارعة الاسلاموية، فصاح نائحهم يا معشر بني غربان نريدها حمراء بكل يد مضرجة تدق! ومن أراد أن تثكله أمه فليحاول أن ينزع منّا قميصاً ألبسنا له الله! هنيهةً وحتى يبث الرعب في النفوس وتخرج العيون من محاجرها، قاموا بنحر 28 نفساً زكية في الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وقالوا للناس من رأي منكم هلاله متسربلاً بدماء الكفرة الفُجرة فليصم أبد الدهر!
بعد أن جاءته الخلافة تجرجر أذيالها إعكتف فارس بني مروان قليلاً في مدينة (قُمْ) الكائنة في أطراف العاصمة، وقال لحوارييه متي أضع العمامة تعرفوني، وبدأ يرسم لهم المشروع سطرا سطرا، ويصدر لهم الفرمانات شفاهة دون قلم يُدمي بنانه، وأصبحت داره كدار أبي سفيان، من دخلها فقد أمن نفسه وأهله من غوائل الدهر. ثم خرج عليهم ذات يوم وقد إرتدي بزة عسكرية، وأشار عليهم بعصاه جنوباً وقال لهم بصوت جهير: يا سارية خاصرة الوطن! فحمل النيل الأبيض دماءً حمراء أثقل من الماء ووضع أوزارها عند ملتقي النيلين. وصحا أهل المدينة النائمة ليجدوا أن عاصمتهم وقد تحولت إلي سرادق كبير للعزاء!
ثمّ مدّ قرين الحجاج بن يوسف الثقفي بصره إلي ما وراء الحدود، فتلبسته أوهام الأممية، فقال مخاطباً الغافلين والذين في آذانهم وقر (هذا نموذج سوداني سنحسنه ونهديه للعالم!) ويومئذ كان في ذاك الوطن مواطناً يدعي أبوبكر الصديق يزجر ابنه لمجرد أنه طلب منه (حق الفطور) وآخر اسمه علي بن أبي طالب وقد وضع يديه علي خديه لأنه لا يملك (ثمن الدواء) لزغب حواصل يتضورون سقماً، وثالث اسمه عثمان بن عفّان يهيم علي وجهه بعد أن فُصل للصالح العام، ولم يك ساكن القصر الذي بناه غردون هو عمر بن الخطاب الذي صعد المنبر بغتةً وقال: أيها الناس تعرفون أنني رعيت في مكة غنم خالات لي من بني مخزوم نظير حبات من تمر أو قبضة من زبيب، ثم ترجل عن المنبر، كمن خلّف من وراءه حملاً ثقيلاً، فباغته عبد الرحمن بن عوف متسائلاً: لماذا قال ما قال، فأجابه ويحك يا ابن عوف خلوت بنفسي فقالت لي أنت أمير المؤمنين وليس بينك وبين الله أحد فمن ذا أفضل منك؟! فأردت أن أعرفها قدرها!.
تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، ولكنك لن تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت. يومئذٍ وقفت العصبة ذوي البأس في العقبة، وهي لا تلوي علي كبير شيء. ولهذا لم يكن غريباً ولا مفاجئاً ان يختلف اللصان ويظهر المسروق للناس والشمس في رابعة السماء، ذلك لأن اعادة الصياغة لا تأتي عبر دبابة، ولا تسكن بيوت اشباح، ولا تأكل اموال الدولة بالباطل، ولا تعوث في الأرض فساداً، ولا تستحل السحت، ولا تقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، ولا تخون الأمانات، ولا تكذب إن أقسمت، ولا تنام متخمة وفي (الرعية) من يبيت الطوي، ولا تكنز الذهب والفضة وفي ريع دولتها حق للسائل والمحروم!
عندما كان المشروع الحضاري تتساقط أوراقه واحدة تلو أخري فيما أسميناه في مقال سابق (بالإستيربتيز الأيدولوجي)، كان المكلومون يبحثون عن ابنه السفاح المسمي (اعادة صياغة الانسان السوداني) فأدركوا أنه حي يرزق، فقد نجحت العصبة في مهمتها الدنيوية والأخروية ولكن في مسار آخر علي عكس ما إجتهد الفارابي في تضميينه مدينته الفاضلة، وبخلاف ما رمي له أفلاطون في جمهوريته المثالية، بل من عجب أن فرّت من مثالهم، حاكمية سيد قطب وتراسيم أبو العلاء المودودي، والمفارقة أن المتهم رقم واحد والموصوم بالارهاب الدولي والذي سبق وأن قسّم العالم إلي فسطاطين، تبرأ منهم هو أيضاً قبل أن يدير لهم ظهره ويعود من حيث أتي. وعليه ليس علي المتلجلج أو الملتبس حرج إن لم يستطع تصنيف دولة العصبة الراهنة، بعد أن أصبحت بلا مرجعية، أى بلا لون ولا طعم ولا رائحة!
بعد ما يناهز العقدين من الصياغة الاجبارية، كانت المحصلة تدعو للحزن والرثاء، إنتشرت الظواهر السالبة في المجتمع، إزدادت معدلات الفقر، تفاقمت الجريمة، تمدد الفساد المالي، تفشي الفساد الأخلاقي، انحسرت القيم الجميلة التي كان يستظل بها الناس وتباهوا بها شعراً ونثراً، وحلت مكانها ثقافة أخري تدعو للرذيلة وتُحور مسمياتها، فقد أصبحت السرقة شطارة، والاختلاس فهلوة، والنصب ذكاء، والاحتيال علاقات عامة. تحول أصحاب الايادي المتوضئة والأفواه المتمضمضة إلي غزاة استباحوا مدينة غريبة، سآموا أهاليها سوء العذاب، واستحيوا نساءها بذرائع الحلال مثني وثلاث ورباع، وتطاولوا في البنيان بدعوي أن ربك حثهم علي الحديث بنعمته، وأصبح مألوفاً أن يري الناس دينهم الذي جُبلوا عليه بالفطرة وقد ولي الادبار، وقال البعض قولته التي جرت مثلا دارجاً بين الناس: لو كان بمثل ما يدعون فنحن منه براء!
لكن الأنكي وأمر أن القول نفسه أجرته الضغينة علي لسان أحد السبعة العظام الذين نهضت دولة العصبة علي أكتافهم (أسماهم البعض يومذاك توهماً بالمجلس الأربعيني) تحدث السيد يس عمر الأمام لصحيفة ألوان (12/8/2007) بعد أن غادر وكر السلطة الدافيء، فقال قولاً تقشعر منه الأبدان (الحركة الإسلامية دخلت السلطة وخرجت مضعضعة وفيها فساد شديد وفيها ظلم وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التى تحملها للناس، وزارني بعض الأخوان بالمنزل وكان من ضمنهم حسن الترابي، وقلت لهم بأنني أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام فى المسجد الذى يجاورني بسبب الظلم والفساد الذى أراه، وقلت لهم بأننى لا أستطيع أن أقول لأحفادي أنضموا للأخوان المسلمين، لأنهم يرون الظلم الواقع علي أهلهم (فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للأسلام في السودان، أنا غايتو بخجل) وأكد قوله في فقرة أخري (أعتقد أن تجربة السودان جعلت المواطن العادي لديه ظن سييء في شعار الاسلام ولا عشم له حوله) والمُوسِي أن رجلاً اسمه محمود محمد طه وهو من غير جماعة يس، عندما أجري الله مثل هذا القول علي لسانه قبل ربع قرن، كان ثمنه حياته!
أيضاً كان ذلك قول يس عضو الجماعة، أما قول يس الذي أرسله الله بشيراً ونذيراً فقد قال قبل أكثر من أربعة عشر قرناً (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتمن خان) وذكَّرهم في حديث آخر كيف تكون القدوة الحسنة (والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) وربّ يس الذي أنزله قرءاناً عربياً يهدي إلي الرشد قال مخاطباً يس النبيّ كيما يتعظ يس عضو العصبة (اليوم نختم علي أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) بيد أن هذا وذاك مما تتغافل عن رؤيته جماعة يس، وقد تذكَّره عضوها يس في لحظة ضعف انساني!.
عوضاً عن ذلك شغلوا أنفسهم بمعارك وهمية، فقالوا عن الدولة المدنية مالها؟ قلنا يومئذٍ نحدثكم أخبارها.. علي لسان المفكر الفرنسي جان جاك روسو (1721-1778) صاحب كتاب العقد الاجتماعي ذائع الصيت، والذي صدر قبل قرنين ونصف أي في العام 1762 وقد ترك أثراً كبيراً في الفكر السياسي الثوري العالمي بصورة عامة والفرنسي بصورة خاصة قال: (إن فرداً ما قد يخضع نصف العالم، ولكنه يظل دائما مع ذلك فرداً، فمصالحه هي مختلفة تماماً عن مصالح الآخرين. وعندما يموت تتحلل ممتلكاته وتتبعثر، فهو مثل شجرة بلوط كبيرة تنهار وتتحول إلي رماد بمجرد أن تلتهمها النار) لكن ذلك ما لا تقرأه العصبة التي جاءت إلي السلطة متلحفة عباءة لويس السادس عشر مواطن روسو نفسه والقائل (انا الدولة والدولة أنا)!
إن إعادة الصياغة بالصورة التي إرتأتها العصبة ذوي البأس وخططت لها، كانت مجرد ذر رماد في عيون واقع لا يمكن للعين أن تخطئه، فيه المتحول الذي تجسده سلسلة تفاعلات تاريخية، بدايةً بالدولة الكوشية والمروية والنوبية (المسيحية) بممالكها الثلاثة (نوباتيا، المقرة، علوة) ومروراً بالممالك الاسلامية المختلفة (الفور، الداجو، الفونج، المسبعات، تقلي)، ثم التركية التي جثمت نحو ستين عاماً علي صدر البلاد، ومثلها الحكم الثنائي البريطاني المصري، وبينهما المهدية، وإنتهاءً بدولة ما بعد الاستقلال بعلوها وهبوطها، أما الثابت فذلك ما تقوله اللوحة الفسفسائية الجميلة والممثلةً في التعدد الأثني والثقافي والفكري والعقائدي، فما لكم كيف تحكمون؟.
الآن بعد أن قَبر المؤتفكة أو قَبر الواقع مشروعهم الاسلاموي المخادع، وغشت بعضهم صحوة ضمير، نحن ندعو برباط المواطنة المخلصة، والعقيدة السمحاء غير المشوة بغرض، كل من استزرع واحدة بعد العام 1989 من شاكلة التي سخرت منها المخيلة الشعبية أن ينتفوها، لأنها منتنه كدعوة الجاهلية تماماً، مثلما أنها تذكرنا بتلك الحقبة الكالحة التي حاولت أن تقزم انسانيتنا وتستحقر كرامتنا. وليتذكروا قول يزيد بن ربيعة في شأن عبد الله بن زياد والي سجستان: ألا ليت اللحى كانت حشيشاً/ فتعلفها خيول المسلمينا) وفي مقاربة اقتبس منه شاعرنا الراحل صالح عبد القادر تلك الرؤى وقال (ألا يا هند قولي وأخبريني/رجال الشرع صاروا كالمعيز/ألا ليت اللحى كانت حشيشاً/فتعلفها خيول الانجليز) وليدركوا انفسهم قبل أن يدركهم قريض شاعرنا الفحل الراحل عبد الله عمر البنا في قوله (وهيكل تبعته الناس عن سرف/ كالسامري بلا عقل ولا دين/ يحتال بالدين للدنيا ليجمعها/ سُحتاً وتورده في قاع سجين)!
إن الذين نعنيهم يعلمون انفسهم، ولكن في المقابل نحن نعلم أن هذه الدعوة المخلصة لوجه الله، ستزيد بالمقابل الذين رعوا أذقانهم ليس رياء الناس أو كذب يفترونه أو انتهازية يتوسلون بها مصلحة، ستزيدهم ثقة في انفسهم ووطنهم ودينهم. وتعلمون يا من هداكم الله أن الظاهرة كانت من قبل أن تهبط علينا ثعالب المشروع الحضاري، دليل علي التسامح الذي كان يعم المجتمع، وفيه تلك الهرمية الجميلة التي يحترم فيها كبيرنا صغيرنا، ويوقر فيها صغيرنا كبيرنا! فعندما يُزين بها الكبير وجهه يناديه الصغير تحبباً بإحدي الحسنين، إما يا عمّ إن كانت سوداء تبهر وجه الطامحين، أو يا حاج إن كانت بيضاء تسر الناظرين. ولكن تأمل بعدئذٍ كيف تحولت الظاهرة إلي (فوبيا) علي إثر الصياغة المزعومة، فقد قال لي صديق يعمل في مجال المال والأعمال، أنه دائما ما يكون مهجوساً من اثنين في تعاملاته التجارية... الذين زرعوها في وجوههم عنوة واقتدارا، والذين يكثرون من القسم بمناسبة أو بدونها، فاحذر أخى واختي المؤمنة أن تُلدغوا من احدى الحيتين!
عن صحيفة (الأحداث) 10/1/2010
إقبال المرضى- عدد الرسائل: 91
تاريخ التسجيل: 11/03/2009
صفحة 1 من اصل 1
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى





» A & L لجميع طلبات مناسبات الأفراح والأتراح من المأكولات السودانية الفاخرة
» أغانى الحقيـبة: ذلك الفن الخالد
» غرائب ليلة الدخلة بين الطقوس والعادات
» عزاء واجب من مدرسة الجالية للأستاذ التجانى السنوسى
» أحرّ التعازى للدكتور/ إبراهيم إمام والأسرة فى وفاة شقيقته
» يا زول كفاك ديون البنك ما مضمون - الهيلا هوب
» يا الله عليك يا سودان ،،،، عليكم الله ادخلوا باركوا ،،،فوووق ، فوووق سودانا فووق
» . اخطر تقرير عن سد كجبار
» مـبـروكـ ليـنـا .. بقلم الاستاذ على عبد الرحيم