المواضيع الأخيرة
» تعالوا نحفظ كتاب الله
الثلاثاء 07 فبراير 2012, 11:22 pm من طرف wisal m.abdelal

» A & L لجميع طلبات مناسبات الأفراح والأتراح من المأكولات السودانية الفاخرة
الثلاثاء 07 فبراير 2012, 10:16 pm من طرف wisal m.abdelal

» أغانى الحقيـبة: ذلك الفن الخالد
الثلاثاء 07 فبراير 2012, 9:58 pm من طرف wisal m.abdelal

» غرائب ليلة الدخلة بين الطقوس والعادات
الثلاثاء 07 فبراير 2012, 5:32 pm من طرف عصام همت

» عزاء واجب من مدرسة الجالية للأستاذ التجانى السنوسى
الإثنين 06 فبراير 2012, 9:13 pm من طرف عمر ادريس

» أحرّ التعازى للدكتور/ إبراهيم إمام والأسرة فى وفاة شقيقته
الإثنين 06 فبراير 2012, 9:10 pm من طرف عمر ادريس

» يا زول كفاك ديون البنك ما مضمون - الهيلا هوب
الأحد 05 فبراير 2012, 10:09 am من طرف عصام همت

» يا الله عليك يا سودان ،،،، عليكم الله ادخلوا باركوا ،،،فوووق ، فوووق سودانا فووق
السبت 04 فبراير 2012, 9:11 am من طرف المنذر احمد بابكر

» . اخطر تقرير عن سد كجبار
الجمعة 03 فبراير 2012, 2:05 pm من طرف عصام همت

» مـبـروكـ ليـنـا .. بقلم الاستاذ على عبد الرحيم
الأربعاء 01 فبراير 2012, 9:09 pm من طرف عمر ادريس

محلات قولد ماستر

        ملايات ، تياب سوسرية 

        ستاير ، شرائط سودانية

تنويه
الأراء والأفكار التي تطرح في جميع منتديات الجالية سواء كانت من ضيوف المنتدى أو أعضاء الجالية أو أعضاء اللجنة التنفيذية لا تعبر عن موقف الجالية انما تعبر عن أصحابها فقط
بقالة الريان
اول بقالة سودانية ب نورث ايست فيلادلفيا
 
 
لجميع إحتياجات الاسرة السودانية
مقالات وتحليلات

http://www.sudaneseinphilly.com/f9-montada

قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الخميس 19 فبراير 2009, 10:33 pm


نقد: من سينعي الطيب صالح؟
نعى محمد ابراهيم نقد سكرتير عام الحزب الشيوعي فقيد الوطن والرواية العالمية الراحل الطيب صالح وقال نقد متحسراً لـ «الرأي العام» امس «كتب علينا ان نستقبل مبدعينا في توابيت خشبية»، ونوّه الى علاقة طيبة كانت تجمعه بالراحلين الطيب صالح وعلي المك وصلاح احمد ابراهيم، واردف: صلاح نعى علي المك والطيب نعى صلاح فمن سينعي الطيب صالح؟.
الرأى العام .الخميس 19 فبراير 2009م،


عدل سابقا من قبل عمر ادريس في الثلاثاء 24 فبراير 2009, 6:46 pm عدل 1 مرات

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الخميس 19 فبراير 2009, 10:36 pm

وداعا الطيب صالح وداعا أيها الأرباب الجليل
بقلم: محمد المكي إبراهيم
ibrahimelmekki@hotmail.com
برحيل الأرباب الطيب صالح انطمرت في الثرى قمة عليا من قمم الشهامة والإبداع وغدونا أشد فقرا وعوزا وأشد حاجة إلى فنار يهدي سفائننا الحائرة إلى آمن المرافئ فقد ظل هذا السراج الوهاج يضيء الشعاب أمام مسيرة الثقافة السودانية بالرأي والتعليق والتشجيع السخي وكتابة كلمات التقديم وكانت سيرة حياته مصدرا للإلهام مثلما كانت كتاباته المبدعة . وبفضله وبأنموذجه كسبنا جيلا كاملا من كتاب الرواية نطمع أن يخففوا على الثقافة السودانية فقده الأليم.
في الطيب صالح أعزي أسرته المكلومة واعزي خاصة أصدقائه ومحبيه وعلى رأسهم الوزير بن عيسي وزير الخارجية المغربي والأستاذ محمود عثمان صالح راعي ومؤسس مركز عبد الكريم ميرغني والدكتور العلامة حسن ابشر الطيب والأستاذ كمال الجز ولي والدكتور عبد الواحد عبد الله يوسف والدكتور محمد إبراهيم الشوش وأعزي اتحاد الكتاب السودانيين وكافة محبي الراحل العظيم من أهل السودان الأوفياء الطيبين. وأبناء امتنا العربية المجيدة ممن قرأوا إبداعه العظيم على سبيل الاطلاع أو درسوه في المعاهد والجامعات .
لقد ألقى فقده الجليل أعباء ثقالا على المبدعين السودانيين ليملأوا الرحبة الفسيحة التي خلفها غيابه المؤلم ولينشروا في العالمين سيرة شعبنا الرائع الجريح التي لم تغب قط عن خياله ولم تفارق يراعه الرشيق. لقد كنت آمل أن يحتل مقعد المثقفين(مقعد التجاني الماحي) في مجلس سيادة الديمقراطية الرابعة ولكنها تأخرت في القدوم كما أن المنية استعجلته بالرحيل. فوداعا أيها الأمير وداعا أيها الأرباب الجليل مكانك محفوظ في قلوبنا وفي تاريخ بلادنا وفي أسني وأعلى قمة في ثقافة بلادنا.
سودانايل.
الخميس, 19 فبراير 2009 21:38


عدل سابقا من قبل عمر ادريس في الثلاثاء 24 فبراير 2009, 6:45 pm عدل 1 مرات

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الخميس 19 فبراير 2009, 10:39 pm


الطيب صالح : كمال الاكتمال ! ..
مني ابوزيد
munaabuzaid@yahoo.com
«محبوب المبارك» أحد أقرباء الطيب صالح كان رجلاً ظريفاً، أمياً لا يعرف القراءة و الكتابة، و لم يسمع عن (الإبداع) و بالتالي فهو لا يستطيع أن يُؤمِّن على مواطن (العبقرية) و موجبات الإكبار في (تدوير) حكايات قريته في قالب فني .. فقد كان ـ هو الذي لا يفهم الفن ـ آخر من يستطيع أن يجزم بشأن تفرد الفنان ! ..
سمع «المبارك» برواية (موسم الهجرة إلى الشمال) فطلب من أحد شباب القرية المتعلمين أن يقرأ له الرواية ـ أي أن يقصها على مسامعه ـ و بعد فراغه من تلك القراءة السماعية .. و جد الرجل الأمي كلامه مضمناً في كلام أبطالها .. فما كان منه إلا أن هتف بذكاء فطري : (دا ما ياهو كلامنا ذاتو .. لكن فيهو شوية لولوة)!..
تلك الـ «لولوة» التي وصف بها الرجل عملية (إعادة إنتاج مدخلات الواقع) التي ينخرط فيها الكاتب هي الإبداع ذاته : إعادة خلق الواقع في رحم الفن .. حيث تمتزج قناعات الكاتب الشخصية بشأن واقعه و رؤاه النقدية لمجرياته .. و فلسفاته في تحليله .. وحيث ينقض الفنان غزل مدخلات واقعه الخام .. ويعيد نسجها .. قبل أن يردها إليه رداً جميلاً ! ..
تلك الـ «لولوة» التي أخلَّ «المبارك» الأمي الظريف في تبسيطها .. هي طريق الخلاص الذي قال (الطيب صالح) على لسان إحدى شخصياته : « إنه يكمن في تعميق الذات .. وتنقيتها من ذل الحياة .. ومهانات القمع « ! ..
تلك الـ «لولوة» هي (رسالة الفن) العظيمة التي قال عنها (الطيب صالح) بعمق الفنان : « عندما أكتب أعمل كعالم الآثار الذي ينقب في الحفريات .. حتى تظهر لي الحقيقة في طبقة إنسانية معينة .. ثم أظل أحفر حتى تظهر لي أشياء أخرى لها طبيعة التراكم .. وهذا الحفر لا نهائي .. ولا أحد يصل إلى النهاية « ! ..
الموت الذي يقطع الموصول .. ويقصي القريب .. ويفضح عجز ونقص الإنسان.. وينفي عنه صفة (الكمال) .. هو الذي يعلن أيضاً عن (اكتمال) بعض بني الإنسان ! ..
بعد صعود الروح ورحيل الجسد .. سيبقى «الطيب صالح» الكائن (المكتمل) .. والحالة الوجودية (الكاملة) .. والمنجز الأدبي (الأبدي) ! ..
مات الرجل وسيبقى طفل (النوستالجيا) .. وشمعة العبقرية الروائية التي أشعلها الحنين إلى الوطن .. و حامل الوجع البدائي واللانهائي .. سيبقى الكاتب (الكامل) الذي جادل التاريخ .. والأديب المتفرد الذي ناظر المجتمع .. والفنان (المتمرد) الذي حارب العتمة بسلاح (الفن المتعَّمد) ! ..
ذهب الرجل الشيخ إثر علة أمهلته قليلاً .. وسيبقى (عالم الآثار) الذي اكتشف المخبوء .. و(ضابط الصحة) الذي «عزل» الداء .. وهزم عفونة التقاليد، وجرجر أذيال العادات اللزجة إلى حيث الضوء والحرارة و الخلاص ! ..
رحم الله «الطيب صالح» الجسد الذي رحل .. و الحالة الوجودية الخالدة .. المبدع «الخالق» في عالمه .. و«الخالد» بشروطه .. والباقي ببقاء (مهرجاناته) الحية النبيلة على الورق ! ..
رحم الله الرجل الذي ملأ وجودنا بالمعنى .. والكاتب الذي ثقب دوائرنا المصمتة .. فأدخل الهواء .. وأرسى مشروعية الصُراخ .. وفرَّغ الوجع (السوداني) من أورام الصمت .. بمبضع الأدب (الرفيع)!
الرأى العام .الخميس 19 فبراير 2009م،



عدل سابقا من قبل عمر ادريس في الثلاثاء 24 فبراير 2009, 6:45 pm عدل 1 مرات

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الخميس 19 فبراير 2009, 10:48 pm



وداعا

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عصام همت في الجمعة 20 فبراير 2009, 8:50 am

لإعلامي السعودي عبد الرحمن الراشد مدير قناة "العربية"، الذي ترأس تحرير "المجلة" خلال سنوات عديدة من كتابة الطيب صالح بها، تحدث لـ"العربية.نت" عن جزأين عاصرهما واكتشفهما عن قرب، فقد كان مهتما بالسياسة والفكر السياسي، رغم أنه لم يعرف عنه أنه معارض أو مؤيد، لكنه تقريبا ككل المفكرين السودانيين، كان له رأي اتسم بالعقلانية والعاطفة في القضايا والأحداث المختلفة، والأهم أنه عبّر عنه في المنتديات الرسمية والمفتوحة التي كان يحضرها.

ويضيف الراشد أن آراءه تلك انطلقت من صفة الطيب صالح الشخصية كمتابع ومهتم، ولم يكن شخصا طالبا لزعامة سياسية أو أية مكاسب. والأكثر تميزه بعاطفة كبيرة في الموضوع العروبي.

أما الجزء الآخر الذي يتحدث عنه الراشد في شخصية صالح، فيتمثل في اهتمامه بموضوع حقوق الإنسان، فقد كان يشعر بالأسى على التجاوزات التي تحدث في هذا المجال وحقوق المبدعين والمفكرين بشكل عام، وكان له موقف بشأنها.

ويمضي قائلا حقا طغت صورته الروائية على ما عداها من صور في شخصيته، لكنه كانت له اهتماماته التاريخية والأدبية، وكتب فيها دراسات بالغة العمق، منها مجموعة أجزاء في "المجلة" أتمنى لو يتم إصدارها في كتاب.

على المستوى الإنساني يقول الراشد إن الروائي الراحل كان خلوقا خجولا دمث الأخلاق، متواضعا، وبرحيله عن الدنيا فقد العالم أحد أهم الروائيين العرب في القرن العشرين.
عودة للأعلى

صديق وطيب وصالح

أما الإعلامي والروائي السعودي هاني نقشبندي، رئيس تحرير "المجلة" السابق، فيقول -لـ"العربية.نت"- كان لي بمثابة صديق قبل أن أتعامل معه كرئيس تحرير، وقبل ذلك كعضو في هيئة التحرير، ثم تعاملت معه مؤخرا من خلال تقديمي لبرنامج في تلفزيون دبي، وذهبت إليه في لندن لمجرد أن أزوره وليس لعمل حوار، وبقيت على تواصل معه طوال الفترة الماضية.

وأضاف كنت آمل أن يشارك معنا في الموسم الصيفي القادم بجائزة باسمه، ولكن على كل الأحوال خسرناه، تاركا لنا إبداعا روائياً هائلاً وكماً كبيرا من المقالات من المهم أن تصدر في كتاب. لقد كان إنسانا طيبا جدا وصالحا جدا، معنيا بالرواية والأدب والشعر.
عودة للأعلى

علاقة مميزة بأرحامه

أما حياته الأسرية والعائلية، فيتطرق إليها ابن أخته الروائي السوداني د. أمير تاج السر، من العاصمة القطرية الدوحة، فيقول لـ"العربية.نت": كان إنساناً في كل مراحل حياته، مثالا للسوداني البسيط الذي تشاهد نموذجه عادة في القرية كأحد المزارعين، وكانت له علاقته المميزة بصلة الرحم "مع شقيقه، وشقيقته التي هي أمي، وكان حريصا على أن يأتي لزيارتها في الدوحة. يدير الأمور بحنكة وكبيرا في كل شيء".

وعن آخر مرة كلمه فيها قال تاج السر من حوالي 8 شهور، حيث دخل بعد ذلك المستشفى بلندن في أغسطس/آب الماضي، وأصبح من الصعب الوصول إليه نظرا لحالته الصحية، لكنني كنت أكلم زوجته دائما، وتنقل تحياتي وأمنياتي له بالشفاء. تدهورت صحته بعد ذلك ومكث في المستشفى مدة طويلة.

ويضيف كان حنين الطيب صالح للسودان يشد قلبه إلى هناك. ظل فترة طويلة لا يسافر إليه، لكنها زاره في 2005 حيث استعاد كثيرا من الذكريات وذهب إلى مسقط رأسه شمال السودان، حيث منبع روايته "موسم الهجرة إلى الشمال". لم يكن قلبه منفصلا عن السودان أبدا، عاطفته دائما ملتصقة به وبقضاياه، وبالمثل سكن قلبه حب القاهرة ومن أشد الناس ارتباطا بها، وكان له فيها أصدقاء كثيرون يعتز بهم مثل الأديب الراحل رجاء النقاش، يزورهم ويزورونه.
عودة للأعلى

حنا مينة: لن يتكرر

الروائي السوري البارز حنا مينة أعرب عن صدمته بخسارة الأدب العربي للروائي السوداني، مشيرا إلى أنه سبق والتقى به مرات عديدة، وكانت روايته "موسم الهجرة إلى الشمال" موضع إعجاب جميع الناس.

وذكّر مينة بأنه في السنوات الأخيرة، خطف الموت عددا من الأسماء البارزة في الأدب العربي، أبرزهم محمد الماغوط واليوم الطيب الصالح، معتبرا أن هؤلاء هم عباقرة الأمة الذين ستذكر الأجيال القادمة إبداعاتهم.

وأضاف "كلهم رحلوا قبلي ونحن على هذا الطريق"، مؤكدا أن هذه الأيام لا تكرر أسماء كبيرة في عالم الأدب والكتابة كما حصل في عقود ماضية، قائلا "لأننا في زمن رديء فيه أناس رديئون، ولا شك أن الذين رحلوا من المبدعين الكبار، والإبداع لا يأتي بشكل دوري، وقد تمر سنوات ولا يمر مبدعون مثل الذين رحلوا، الإبداع ليس دوريا ولذلك كل العزاء لأسرته وشعبه وزملائه".
عودة للأعلى

الجنابي: لهذا حزنت عليه

من جهته، اعتبر الشاعر العراقي المعروف عبد القادر الجنابي أن موت صالح خبر محزن أولا لأنه مبدع بكل معنى الكلمة؛ "فسرده كان شيئا جديدا في عالم الرواية، وثانيا لأنه إنسان طيب القلب وبعيد عن الأضواء".

وأضاف "هذا خبر محزن بالنسبة لي, فهو عندما شعر بأن ليس لديه هذا الشيء المُبتكر ليقدمه إلى قرائه توقف عن الخوض في لعبة الكتابة... وهو موقف يدفع كل كاتب حقيقي إلى التفكير في جدوى أن تكتب؟ بموت الطيب نخسر كاتبا كان حقيقيا بكل ما كتب، مختلفا عن جل هؤلاء الكتاب المنتشرين الذين ليست لديهم لحظة ليسألوا فيها أنفسهم: هل لديهم فعلا شيء يستحق أن يُكتب... أم أنهم يكتبون مثلما يتقيأون؟".
عودة للأعلى

أديب غربي: كاتب شجاع

أما نائب رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العالمي الروائي البريطاني من أصل تركي، موريس فرحى، فأعرب عن حزنه لوفاة الطيب صالح، وقال للعربية.نت "كتابه موسم الهجرة إلى الشمال رائع وقرأته منذ عشرات السنين، وهو كاتب عبقري وكان أديبا بارزا".

وأكد أن الأسماء الكبيرة من قامة الطيب صالح لا تتكرر في العالم العربي والشرق الأوسط، مرجعا ذلك إلى الخوف والكبت الذي يتعرض له أصحاب الأقلام الحرة، مضيفا "الأدباء يتعرضون الآن للقتل والسجن والرقابة، وبعضهم يصاب باليأس ويتوقف عن الكتابة، وهذا سبب لعدم تكرر أسماء بارزة في الشرق الأوسط".

وذكر الأديب العالمي، وهو عضو الجمعية الملكية البريطانية للأدب، بأن صالح "يذكّرنا بالواجب الرئيس للكاتب، وهو انتقاد الخطأ في مجتمعه، وأن يسعى لإيجاد عالم أفضل؛ ولذلك على الأدباء أن يكونوا سياسيين هدفهم تطوير ظروف مجتمعاتهم".
عودة للأعلى

رباعية لم تكتمل

أما الكاتب والناقد المصري حلمي النمنم، فيقول لـ"العربية.نت"، كان إنسانا عظيما وجميلا، له مساهمات بارزة في الرواية العربية والمقالات التي كان يكتبها. غير رواياته المعروفة، فقد كان لديه مشروع لكتابة رباعية صدر منها جزء لكنه لم يستكملها، وبرحيله فقدنا مثل هذا العمل الضخم الذي كان سيضيف الكثير للمكتبة العربية.

وأضاف أن صالح نموذج للعمل الثقافي العربي مهم جدا سنخسره برحيله بلا شك، وروائي سوداني عاش فترة في مصر وكتب فيها وتم تقديمه من خلالها، ثم سافر إلى لندن، ليقدّم من هناك، مع مجموعة من المثقفين العرب في أوروبا، الثقافة العربية للغرب عموما. والغريب أن وفاته تأتي في ذكرى مرور عام على وفاة صديقه رجاء النقاش.

وتابع أن الطيب صالح كان عروبيا جدا، محبا لمصر. "أصدقاؤه الحقيقيون كانوا فيها، وعندما يأتي للقاهرة يحرص على لقائهم. محبا للناس ويمكن حتى لغير الأصدقاء أن يتواصلوا معه بسهولة ويستمعوا إليه. تميز بشفافية ونفاذية شديدة جدا في آرائه. لا أنسى حين فاز بجائزة القاهرة للرواية العربية، أنه ألقى كلمة بديعة تصلح أن تكون دستورا للمبدعين في علاقتهم بالثقافة والأنظمة السياسية والمجتمع".

ويشير النمنم إلى مداومة الراحل، في سنواته الأخيرة، على كتابة المقالات في "المجلة"، والتي كانت نموذجا للمقال الأدبي المتميز الذي لا يبتعد عن قضايا الحياة. كإنسان له حضوره الطاغي، "لا تمل من الجلوس معه والاستماع إليه، وتشعر أنك تستفيد من ذلك بالفعل، وأن الجلوس معه فيه إثراء لك سواء كنت مشاركا أو حتى مستمعا، وكانت القضايا العربية حاضرة في كل كلامه".
عودة للأعلى

غادا السمان: كاتب الانفتاح

من جهتها قالت الأديبة غادا فؤاد السمان إن الطيب صالح كان من "الرواد الذين عملوا حركة انتقالية في الأدب عبر نقله من المحلية، ورسخ حضوره بشكل جيد عبر "موسم الهجرة إلى الشمال". وهو واحد من الذين شقوا في طريق الانفتاح وتكلم عن الجنس بحرية غير مسبوقة في بلاده، ويبدو أن هذه العوامل هي من أقصر الطرق إلى النجاح".

وأضافت "أنا كنت في السودان لأسبوع كامل، وكل شخص منهم يمكن أن يكون بداخله الطيب صالح؛ لأن الشعب السوداني مثقف جدا. وما ميّز الطيب صالح هو جرأته، ولكنها لم تخدم مجتمعه ولا مثقفا عربيا تقريبا ساهم أصلا في تحرير مجتمعه من الجهل".
عودة للأعلى

علاقة الأستاذ والتلميذ

وننتقل إلى الإعلامي والأديب السوداني خالد عويس، الذي قال لـ"العربية.نت": "منذ نعومة أظفاري كنت أسمع كثيرا عن الطيب صالح. شخصية أشبه ما تكون بالأسطورية في فن الرواية، وبعد أن نضجت بدأت أقرأ أعماله، وعندما سلكت طريق الكتابة الروائية ظهر تأثري به مع مجموعة أخرى من الروائيين".

ويتحدث عويس عن الظروف التي أسعدته حين التقى لأول مرة بالطيب صالح، "تعرفت عليه في الرياض في مهرجان الجنادرية 2001، وبعدها تكررت لقاءات كثيرة معه في الرياض ولندن، وآخرها في دبي قبل أقل من سنة. اتخذت العلاقة شكل الأستاذ والتلميذ ثم تطورت إلى علاقة صداقة. ومن يعرف الطيب صالح عن قرب يدرك أن عظمته لا تكمن في إبداعه الأدبي والروائي وإنما في إنسانيته وتواضعه المدهش وزهده، كما حدثني عنه صديقه الكبير محمد بن عيسى وزير الثقافة ثم الخارجية المغربي سابقا، أنه أشبه بالولي الصالح، وهو من أطلق عليه" الطيب الصالح".
عودة للأعلى

أديب مشوق ومتحرر

ومن السعودية يقول ميرزا الخويلدي، مسؤول تحرير جريدة "الشرق الأوسط" في المنطقة الشرقية، "بالنسبة للجيل الذي تفتحت مداركه الثقافية على روايتي "عرس الزين" و"موسم الهجرة إلى الشمال" فقد كان صالح رمزاً لثقافة تقوم على التجديد والتواصل، دون أن تغفل الإحساس بالزمان والمكان".

وأضاف "ظاهرة جديدة في فضاء الأدب العربي، تمكن من خلالها أن يرسم صورة الحياة اليومية الدقيقة لمجتمع حافل بالتفاصيل، وأن ينقل القارئ من زقاق القرية في وسط السودان إلى عالم حديث في أقصى الشمال الأوروبي الفاره، المتخم، الذي يضج هو الآخر بتفاصيل العلاقة المتناقضة بين منظومتين من الفكر والثقافة، ومن الإرث الثقيل للعلاقات المستعرة بين الضفتين التي كانت تقوم على التفوق والاستعلاء والهيمنة الحضارية".

وتابع "كانت رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" قفزة نوعية في الأسلوب الروائي العربي، مثلما هي نقلة نوعية في طبيعة التفكير القائم على الحوار والتواصل بدلاً عن القطيعة والاستلاب. وفي الأسلوب فقد كانت مشوقة ومتحررة من اليقينيات الضاربة في الوجدان الشعبي. ومبكراً انحاز الطيب الصالح لنمط فكري وأدبي يقوم على الحداثة، بالرغم من أنه انغمس عميقاً في التفاصيل الشعبية والتراثية للبيئة التي كونت نصوصه الأدبية".

وأضاف "على الصعيد الإنساني كان الطيب الصالح شخصية تتسم بالتواضع والانفتاح، وحيث كنا نلتقيه في مشاركاته الكثيرة في المهرجان الوطني للتراث والثقافة "الجنادرية"، الذي يقوم كل عام في العاصمة السعودية الرياض كان الطيب الصالح أبرز المثقفين العرب الذين أعطوا زخماً هائلاً للأمسيات الثقافية هناك، مثلما أعطى زخماً مماثلاً لمجالس المثقفين السعوديين الذين كانوا يستضيفونه، أو يلتقون به في بهو الفندق الذي يقيم فيه. وكان صدره واسعاً وهو يجيب على أسئلة المثقفين الشباب، وخاصة الذين كانت أدبيات الصحوة تلهب عواطفهم وترسم داخلهم خطوطاً ومسارات أيديولوجية للأعمال الأدبية المحلية والعربية، وتجتزئ من السياق فقرات لمحاكمتها وتصنيف أصحابها. في العديد من تلك الأمسيات كان الطيب الصالح يغلب محاوريه بأفق رحب وابتسامة عريضة وحسّ إنساني رفيع".

عصام همت

عدد الرسائل: 922
تاريخ التسجيل: 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الجمعة 20 فبراير 2009, 10:51 pm

محمد بن عيسى

عرفت الطيب صالح - كأغلبية الناس - من خلال قراءتي لرواياته وكتاباته، عرفته حينئذ معرفة البعيد القريب. كان بالنسبة إليّ أكبر بطل بين أبطال رواياته، وتخيلته كما يتخيل القراء أبطالهم يلتقون في الخصوصية الكبرى ويختلفون في تخيلاتهم للصفات الأخرى، وأعجبت به.
وفي عام 1978، مع ولادة أول موسم ثقافي في أصيلة، كانت ولادة صداقتي مع الطيب صالح، سمعت أنه كان مقيما في الدوحة مسؤولا كبيرا في وزارة الإعلام القطرية، وكنت أيامها أقوم باستشارية في منطقة الخليج لحساب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقررت أن أعرج على الدوحة، وأن أمضي بها ليلة واحدة لألتقي بالطيب صالح. ذهبت إليه بروح الصوفي الذي يقصد شيخه ليستشفّه وليتبرك بمكرُماته، وينهل من صنيعه الفكري والروحي. التقينا في فندق الخليج، واجتمعنا مدة لا تتجاوز الساعة. تحدثنا بعضنا إلى بعض، وشغف بعضنا ببعض، تكاشفنا، واستحلينا اللقاء والموضوع والحديث.
وتكررت لقاءاتنا بعد ذلك، وتجدرت علاقتنا إلى أن قدم طيب صالح مع أسرته لحضور موسم أصيلة الثقافي الثالث عام 1980، في ذلك الموسم تأسس المنتدى العربي الإفريقي (منتدى أصيلة) وأصبح الطيب صالح عضوا مؤسسا للمنتدى.
كانت إقامة الطيب صالح في أصيلة غير مريحة على الإطلاق، وعجبت، وما زالت، كيف كان الطيب صالح صبورا ووقورا وبشوشا دائما، يا الله ما أبدع هذا الرجل بتواضعه وبساطته وقناعته.
أقام الطيب مع زوجته وبناته الثلاث ضيفا على الموسم ببيت لا يصله الماء كل يوم إلا ساعة واحدة، ولم يكن بالبيت حتى الضروري من المتطلبات المنزلية، ولم أكتشف ذلك إلا قبيل مغادرة الطيب مطار طنجة إلى لندن.
في أصيلة صلى الطيب صلاة العيد مع سكان المدينة بالمصلى في الهواء الطلق، كان جميلا بعمامته البيضاء وجلابيته وقامته التي دخلت المصلى وخرجت منه في حشمة وتواضع ملحوظين.
أحب الطيب صالح أصيلة، قال لي إن حواري المدينة وصبيانها وهم يلعبون في الأزقة ودكاكينها الصغيرة ووتيرة الحياة اليومية بها، في السوق والمقهى والممشى الطويل، كل ذلك كان يذكره بصباه في بلدة الدبة في مروي شمال السودان حيث ولد وترعرع.
كانت أصيلة حين زارها الطيب في بداية صحوتها التنموية تنفض عنها رواسب سنين من الإهمال والتردي.
ومرت بضع سنوات لم يعد بعدها الطيب صالح إلى أصيلة. كنت كلما التقيت به بعد ذلك في الدوحة أو باريس أو لندن أو الرياض أو تونس، أكرر له العذر، وألتمس منه السماح على ما تكبده من معاناة مع أولاده في تلك السفرة الأولى إلى أصيلة. وكان كل مرة يقول لي: «كيف تعتذر لي يا رجل وقد استرجعت صباي في أصيلة؟».
تركت صلاة العيد في نفس الطيب صالح أثرا كبيرا، كانت محطة مهمة في موسم هجرته الأخرى إلى الجنوب، صلى مع الناس البسطاء.. مع الصيادين والتجار الصغار، والخضارين والعجزة من المتقاعدين الهاربة عنهم الحياة، وصلى الطيب للناس جميعهم. الطيب صالح يحب الناس ويحبونه، رهافة أحاسيسه ورقة تعامله مع نفسه ومع الناس، مصدر قوته ومرتع متعته بالحياة وبالناس.
تقاسمت مع الطيب أحاسيسه وانشغالاته وبعضا من معاناته. وهو كل كامل، يقاسمك كل أحاسيسه أو لا شيء. لا يعادي ولا يحاسب ولا يلوم. وهو كل كامل لا ينافق ولا يحابي، قنوع لدرجة إهمال حقوقه ومستحقاته، دؤوب بقهقهته وتقاسيم وجهه وشرود نظراته. كل شيء لدى الطيب ملفوف في الحشمة والتقشف ونكران الذات. وليّ صالح حتى دون عمامته.
حكاية الطيب صالح عن أيام مناسك الحج في مكة المكرمة، وزيارته بالدموع والخشوع والتسليم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم. حكاية الشاعر والمؤمن والصوفي بسباته مرفوعة دائما لتوحيد الله. ومنذ حجته هذه غرق الطيب صالح في بحر الوحدانية كما يقول شيخه أبو الحسن الشاذلي، ينام وبجانبه كل ليلة آلة تسجيل تدير أشرطة القرآن الكريم.
والطيب صالح رمز الاعتدال في كل شيء، في أفكاره السياسية ومواقفه العلمية والأدبية، وأحكامه على القادة والزعماء والمفكرين والعلماء والمبدعين.
اسميه سيدي الطيب كما نسمي في المغرب الأولياء والصالحين. أجالسه كلما التقيت به مجالسة المتعبدين، نتحدث عن أنفسنا في حميمية ولطف وحنان.
الطيب صالح لطيف حنون تشعر به وهو يحدثك عن نفسه كما لو كان في كل مقطع من كلامه يذيب جزءا من نفسه، وبخاصة حينما يحدثك عن حبه وشغفه بما هو عربي ومسلم وسوداني.
معاناته من الغربة بارزة في كل أحاديثه الحميمية.
سيدي الطيب، هو ذاكرة السودان المتنقلة، يحفظ لكتابه وشعرائه، زجاليه بالخصوص، ويحن إلى وطنه الأم ويحس بأحشائه تتمزق وهو يتحدث عن السودان. مجالسه التي يستحليها هي مجالسه مع السودانيين، من خيرة مفكريها وعلمائها ممن عرفت، ولكن الطيب صالح هو إنسان كل الدنيا، يستسيغ الثقافات ويقرأ لكل الكبار وفي مقدمتهم الإنجليز.
سيدي الطيب، يتحدث معك عن أي شيء إلا عن نفسه وعن أعماله، ويتحدث معي عن كل شيء بما في ذلك نفسه وأعماله.
كان آخر حديثنا حميميا مؤثرا، التقينا مرتين في الأشهر الأخيرة في واشنطن، وكتب لي الطيب بعد عودته إلى لندن سطورا في منتهى اللطف والألم المكبوت، عن نفسه وعن قلبه وعني وعنه.
وتحدثنا مرات بالتليفون بين واشنطن ولندن للتحضير لحفل تكريمه في أصيلة، شيء لا يصدق؛ في كل مناسبة شعرت بأن الطيب صالح كان يتهرب في عفوية الطفل وامتعاض العذراء لم يستسغ قط فكرة تكريمه: «لا يا راجل، والله لا أستحق التكريم، هناك غيري ممن يستحقونه»، كان يردد لي ذلك كلما فتحت الموضوع معه حتى أحسست أنه فعلا لا يرغب في أن يكرم وأنه فعلا غير قادر على الرفض، وصارحته بذلك، واعترف، وأخيرا قبل.
هكذا هو سيدي الطيب.. الحشوم الوقور المتواضع المتقشف البسيط.. الإنسان المسالم بقلبه ووجدانه وعقله وتصرفاته..وقلمه.
وأصيلة وهي تكرم سيدي الطيب إنما ترد للرجل بعضا مما أعطى للعرب أولا، وللفكر والإبداع العالميين ثانيا. في أصيلة تنوب ثلة من المفكرين والأدباء والباحثين من الوطن العربي ومن خارج الوطن العربي عن كل من قرأ للطيب صالح وقدره وأحبه، تماما كما كرمت أصيلة قبله الشاعر محمد الحلوي، والشيخ المكي الناصري، والشاعر الرئيس السنغالي السابق ليوبولد سيدار سنغور، وغيرهم ممن أعطوا من أنفسهم للإنسانية وللفكر والإبداع.. مثل سيدي الطيب صالح.. الصالح.
------
* أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة
في كلمة بمناسبة تكريم
الطيب صالح بأصيلة
يومي 13 و14 أغسطس 1994
-صحيفة الشرق الاوسط
الخميس 19 فبراير 2009 م




عدل سابقا من قبل عمر ادريس في الثلاثاء 24 فبراير 2009, 6:44 pm عدل 1 مرات

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الجمعة 20 فبراير 2009, 10:57 pm


مشهد لم يكتبه سيدي :
كان في غيبوبته تحفه دعواتنا و حبنا حين دلف الشيخ الحنين إلى الغرفة.
كانت باردة يتردد فيها صفير اجهزة الانعاش و ضوء يومض في احدها.
حين سرى الشيخ الحنين داخلا الغرفة لم يره احد.
و لم يكن له على الارض ظل.
وقف جوار الفراش تحيطه هاله من نور كالشمس حين تطل من خلف سحب.
ابتسم في حنو.
قال :
"أرح يا الطيب".
فتح سيدنا عينيه.
لم تسجل الاجهزة البلاستيكية المظهر اي تغير.
لم تدوي الاشارة لتنبه الممرضة بالخارج ان مريضها فاق.
فتح عينيه في صمت تام.
نظر في عيني الشيخ الحنين.
ابتسم في ارهاق.
قال :
"أخيرا يا ابوي الحنين ؟ "
"لكل اجل كتاب يا الطيب. و وكتك جا يادوبو"
هز رأسه في تفهم و همس :
"عارف. لكني كنت مستني من زمان. جهزت نفسي من بدري يا ابوي "
انحنى الشيخ الحنين على الفراش و همس له :
"شفتك يا المبروك. شفتك و انت بتجهز روحك للمشي. عارف شوقك قدر شنو. و هسه جا وكتو"
"انا جاهز "
مد الشيخ الحنين يده
"أرح "
رفع كفه فقبض على يد الشيخ الحنين و هب من فراشه.
وقف وسط الحجرة و نظر الى جسده الذي خلفه في تسجيته.
دارت في داخله مئات الرؤى و الذكريات.
لكن الشوق كان يحفزه.
قال الحنين :
"خلاص ؟ "
اجابه و هو يتنهد :
"خلاص "
ثم التمع في عينيه الشوق لما يأتي. قال :
"فتح الرحمن هناك ؟ "
" راجيك "
برفق جذبه الشيخ الحنين من يده و اتجه الى باب الغرفة مغادرا.
بدأت الاجهزة تعوي.
حين وصلا امام الباب انفتح بعنف لتلج الممرضة المذعورة.
نظر اليها في سلام و ابتسم.
و قبل ان يغلق الباب خلفهما لمحها تميل على جسده محاولة ما لا جدوى منه.
لقد أتاه الشيخ الحنين.
و لا عودة.
"أرح يا الطيب..
أرح "
--
حمور زيادة - سودانيز أونلاين

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

طبت أبا زينب في مرقدك المدثر بالمحب

مُساهمة  عصام همت في السبت 21 فبراير 2009, 6:04 pm

طبت أبا زينب في مرقدك المدثر بالمحبة
د. عبدالوهاب الأفندي

20/02/2009





(1) هذا مقام لا يصلح له إلا الصمت. وإن كان لابد من حديث مودع مفطور الفؤاد، فليكن همساً كانسراب النيل قبالة العفاض وكرمكول وأم دويمة وبربر. فلمثل هذا اليوم خلق الصمت الدامع. ولمثله أيضاً كانت القوافي وكل أحابيل البلاغة.
(2)
كان صباح يوم جمعة: أذكر ذلك جيداً، فقد كنت في طريقي إلى المسجد. كنت تابعت على القناة السودانية مشاهد عودة سامي الحاج إلى وطنه وسمعته يحكي للرئيس السوداني عمر البشير تفاصيل رؤيا رآها معتقل عربي في غوانتانامو عن قبر قيل له إنه لوالد الطيب صالح رحمهما الله- وإن بركات كثيرة ستفيض على السودان من صاحب ذلك القبر المشهود بصلاحه كما قيل لصاحب الرؤيا في منامه. هاتفت الطيب لأبلغه هذه الحكاية الغريبة، فكان أول قوله: هذا كل ما أحتاجه، أن يصبح اسمي متداولاً في غوانتانامو فيظن بي القوم الظنون!
(3)
ضحكنا طويلاً ثم غلبت النزعة الصوفية على الطيب فانتقل الحديث إلى رؤيا غريبة رآها هو ذات ليلة في الجنادرية، كانت أشبه بمقطع من روايته 'ضو البيت'، كتب عنها في مجلة 'المجلة' يقول: 'رأيت فيما يرى النائم أنني في أرض خلاء في المدينة المنورة. لم تكن المدينة المنورة كما أعرفها. وإذا شجرة ضخمة كأنها شجرة زيتون عظيمة الجذع، ممتدة الفروع متدلية الأغصان. وإذا عرق من عروقها ظاهر فوق الأرض، منتفخ في شكل بيضاوي، عليه بياض كأنه الجير، وإذا صوت يهتف بي: هذا قبر لرسول صلى الله عليه وسلم. عجبت أن الرسول مدفون في أصل شجرة.ثم إذا أنا في الحرم النبوي في الروضة الشريفة كما أعرفها إلا أن الضريح كان في موضع المنبر.' ثم ينتقل المشهد في ما يشبه السريالية إلى لندن أيام شبابه ثم القاهرة.
(4)
كشف لي الطيب حينها أن المجلة حذفت مقاطع مهمة من روايته عن الرؤيا مما أفقدها معناها، واستخلصت منه وعداً بأن يسمعني الرواية كاملة عند أول لقاء لنا. جاء ذلك اللقاء بعد فترة قصيرة في منزل الراحل الكريم محمد الحسن أحمد، ودار الحديث مرة أخرى عن رؤيا غوانتانامو، ولكننا لم نخلص إلى الحديث عن رؤيا الجنادرية. فكان ذلك آخر العهد بهما مثلما كانت تلك آخر محادثة هاتفية.
(5)
التقيت الطيب عليه من الله شامل الرحمة لأول مرة قبل أكثر من عقدين من الزمان حين دعاني عبر الصديق محمد ابراهيم الشوش لتناول شاي العصر في أحد فنادق بيكاديلي العريقة في قلب لندن، وقد كان هذا طرفاً من كرمه المعهود وإكراماً لصديقه الشوش الذي زكاني عنده، إذ لم تكن بيننا معرفة سابقة. ولكن من يلتقي الطيب مرة تكفيه.
(6)
لم تذهب معارضته للحكومة التي كنت أمثلها في لندن وقتها شيئاً من الود بيننا، بل بالعكس، تكثفت لقاءاتنا وحواراتنا في تلك الفترة، وازددت به معرفة ومنه قرباً. وقد أشار إلي حين أورد مقولته التي ذهبت مثلاً عن عقلاء النظام ومجانينه وذلك عندما عتب عليه الأخ حسن مكي في ندوة امبريال كوليدج لغيابه الطويل عن السودان فقال إن فلاناً ظل يغريني بالزيارة فقلت له أخشى أن أقع في قبضة مجانين النظام فلا يدركني عقلاؤهم إلا بعد فوات الأوان.
(7)
بدوره ظل الطيب يغريني بورود أصيلة، تلك الواحة الثقافية الوارفة الظلال على شاطئ الأطلسي، وقد عاتبني في احدى المرات لأنني بعد أن قبلت الدعوة ووصلت التذاكر اخترت السفر إلى القرن الافريقي للقاء قادة تلك البلاد في سعينا المحموم لتقريب السلام من بلادنا، فقال: تستبدلون الذي أدنى بالذي هو خير؟ وقد عرفت تماماً ما كان يعني حين حطت رحالي في أصيلة بعد قرابة عقد من الزمان، فسعدت لأكثر من أسبوع بصحبته والأخ الكريم محمود عثمان صالح، فلم يكن هناك أقرب إلى فردوس أرضي للعقل والنفس والروح من تلك المرابع سقاها الله، خاصة في صحبة الطيب ومحمود!
(Cool
في أي مكان حل كان الطيب يشع محبة وسخاء نفس فلا يملك من يخالطه إلا أن يحبه. وقد كانت له مع ذلك حلقة من الأصفياء يسعد بقربهم، كان منهم في لندن محمد الحسن أحمد وحسن تاج السر وبونا ملوال، ثم انضم إليهم مؤخراً خالد فتح الرحمن. وقد أكرموني بغير استحقاق بالدعوة إلى كثير من مجالسهم التي تشبه واحة إنسانية وثقافية تحفظ من أصالة السودان عبقاً لا اخاله أصبح موجوداً حتى في داخل الوطن. لهذا فإن فقد الطيب بعد محمد الحسن خلال أشهر هو خسارة شخصية قبل أن تكون خسارة لأديب مرموق ورمز شرف به السودان وحق له.
(9)
هناك أدباء وشعراء ومبدعون كثر يبهر المرء انتاجهم حتى إذا لقيهم تمنى لو لم يفعل. ولكن الطيب رحمه الله كان نسيج وحده لأنه كان يأسر بإنسانيته قبل أن يبهر بموهبته. فقد جسد في شخصه أجمل ما محبوب في السودان وأهله من نبل وكرم وتواضع وإيثار وبعد عن التكلف. فلم يكن فقط سفير السودان الأول كما قيل، بل كان السودان، كما يحب السودان أن يعرف، ماشياً على قدمين.
(10)
في حياته كتب الطيب مراثي كثيرة لأحبة رحلوا: شعراء وأدباء وكتاب ومشاهير. ولعل رائعته عن أكرم صالح تعتبر تحفة أدبية تستحق مقام أفضل رواياته. ولكن من أبلغ ما كتب كان رثاؤه لتاج السر محمد نور 'أخي وصديقي، ابن عمتي وصهري من بقية النفر الأبرار الذين مشوا على الأرض هوناً، ونادتهم الحياة ونادوها بلسان المحبة'. يقول الطيب في تلك المرثية: 'ما أوسع الحزن وما أضيق الكلمات... ألا يعزيك أنه رحل عن الدنيا قرير العين راضي النفس... كان ذاهباً إلى لقاء ربه في صلاة الجمعة، مقبلاً إليه بكليته، على أهبة الاستعداد للسفر.'
(11)
هذه المقولة تصلح كذلك لرثاء الطيب عليه شآبيب الرحمة، ومعها مقولة الطاهر ود الرواسي أحد شخصيات رواية 'ضو البيت' عن ما ورثه عن أمه من محبة: 'ويوم الحساب، يوم يقف الناس بين يدي ذي العزة والجلال، شايلين صلاتهم وزكاتهم وحجهم وصيامهم وهجودهم وسجودهم، سوف أقول: يا صاحب الجلال والجبروت، عبدك المسكين، الطاهر ود بلال، ولد حواء بت العريبي، يقف بين يديك خالي الجراب مقطع الأسباب، ما عنده شيء يضعه في ميزان عدلك سوى المحبة'.
(12)
اللهم إنا نشهد أن عبدك أبا زينب الطيب قد أفاض على خلقك من المحبة والرحمة والود ما ألف حوله القلوب، اللهم فأوجب له الجنة كما حدث رسولك عليه صلواتك وسلامك في من شهد له الناس بالخير، واجمعنا وإياه ومن نحب في أعلى الفراديس عطاء بغير حساب، ومغفرة لا تغادر ذنباً، فقد كان في عفوك طامعاً، ونحن كذلك.


---------------------------------

عصام همت

عدد الرسائل: 922
تاريخ التسجيل: 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الأحد 22 فبراير 2009, 8:10 pm




الدوام لله
------
محله وين ؟ محله هنا .إن طال وإن قصر ياهو دا محله .
قلت وانا احاول عبثا أن اعيد الزمن الى سابق عهده :
(على أى حال هنا ولا هناك العمر مافضل فيه غير أيام)

بندرشاه
الصفحة 10


عدل سابقا من قبل عمر ادريس في الأحد 22 فبراير 2009, 8:21 pm عدل 2 مرات

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الأحد 22 فبراير 2009, 8:20 pm


لا أغار من مصطفى سعيد لكني أشبه الزين
«الرأي العام» تعيد نشر آخر حوار مع الطيب صالح

حوار: أحمد يونس

عاد الطيب صالح ليس كما عاد مصطفى سعيد ، على الرغم مما بين العودتين من وشائج قربي ، فالطيب عاد بعد أن قضى آماداً في البلاد التي قال عنها تموت من البرد حيتانها ، وقد سبقه في العود مصطفى سعيد من ذات البلاد لكنها عودة بلا خروج، ومع أن الطيب صالح من لحم ودم ، ومصطفى سعيد محض خيال ، إلاّ أن من يجلس إلى صالح يلمس ذات الخيال ، ويلمس أن الحديث إليه رواية حية ، وسماعه يعيد إلى ذاكرة مستمعه ذات الأجواء الأسطورية التي صنعها خياله المحض ، كدت أتوه بين الراوي والرواية.
قال إن مشروع سد مروي أعظم مشروع سوداني ، وأن مضيفيه كانوا خيرين ، وأنه مسافر بين حالين ، وأن ضو البيت ومريود أفضل في نظره من موسم الهجرة إلى الشمال ، وأنه يستغرب لماذا لم يفطن أحد للشبه بينه وبطله « الزين « في عرس الزين ، كان حوار (الرأي العام) إليه في غرفته بفندق القصر محطة وسطي بين الواقع والخيال ، وبين البطل والمؤلف ، لقد غاب الطيب صالح طويلاً لكنه عاد ليشرب مجدداً من ماء النيل ، وليسير في ذات الدروب الغبراء ذات الحر اللافح ، ولأنه ابن بار فقد غفر له التراب الغياب الطويل .
.................................
* كيف تسير الأشياء ، أو كيف تراها بين بلد ( تموت من البرد حيتانها) وأخرى تعيش في الصيف القائظ ، والغبار الكثيف عصافيرها ؟
ـ أنا مسافر بين الحالتين ، وأسمي حالتي هذه بالكلمة الإنجليزية « « commuteس ، والكميوت هو من يشتغل في المدينة ويسكن في الضواحي ، ويسافر كل يوم من الضاحية إلى المدينة بالقطارات والسيارات في المدن الأوروبية . كنت طوال الوقت أسافر بين هذه الأحوال ، هي أحوال صعبة ومنهكة نفسياً بالطبع ، لكنها منعشة ، ولها ردود فعلها ، كنت أسعد جداً عندما « أقوم « بالطائرة من لندن إلى الخرطوم ، وخلال أربع وعشرين ساعة أكون قد « تحولت « من لندن إلى « كرمكول «ـ في وقت ما كانت الطائرة منتظمة بين الخرطوم ومنطقتنا في الشمال ـ هذا الانتقال السريع يدخلني في حالة مختلفة تماماً ، أسعد بها أكثر من حياتي في لندن ، مع إنها كانت حياة محتملة!
* بعين الروائي كيف تنظر للوطن بعد مرور عشرين عاماً ( تقريباً ) على آخر زياراتك له ، وهل شهدت متغيرات كثيرة توقفت عندها ؟
ـ آخر مرة كنت فيها في الوطن على وجه التحديد كانت في أغسطس 1988م، كنت في تلك الأيام أعمل في مكتب منظمة اليونسكو في الخليج ، كنت أعود للوطن كثيراً ، لأن والدتي رحمها الله كانت « عايشة « ، وكان والدي قد توفي في السبعينات .
في تلك السنة جئت مرتين ، في الأخيرة منهما كانت الوالدة قد توفيت إلى رحمة الله ، كان هذا آخر عهدي بهذا الوطن ، في مطار الخرطوم ـ وقفت فيه الساعة ، ولم تتحرك ـ وتوقف الساعة هذا صحيح إلى حد ما ! كتبت ثلاث مقالات ـ لعلك قرأتها ـ وصفت فيها الحالة المتداعية والانهيار « الحاصل « في البلد ، كانت خليط من السخط والحزن والحب . بعدها لم أرجع ، وهذه مشيئة الله .
* لكنك لم تصف لي الحال بعد عودتك الحالية ، كيف وجدت البلاد؟
ـ « دي حكاية معقدة « ، ما زلت أحاول معرفة طبيعة إحساسي بالضبط ، انطباعاتي للوهلة الأولى « ما في شيء تغير « ، في الخرطوم مثلاً « هنالك كباري جديدة ، طرق جديدة ، أشياء سيئة ، وأخرى حسنة « ، والناس كما يبدو لي هم كما عرفتهم نفس الوجوه ، نفس الطريقة ، نفس السماحة السودانية ، لكني أعلم بأن وراء هذا « لا بد » هناك أشياء أخرى « حصلت « إلى الآن لم أسبر غورها .
* هل استطعت الإفلات من جو الوفد الرسمي لترى الأشياء كما تريد ؟
ـ أولاً هذا ليس وفداً رسمياً بمعني الكلمة ، فنحن مجموعة من الناس جئنا من لندن من أجل « أخونا « الشيخ إبراهيم الطيب ، وهو رجل خير ، أنا أعرفه من أيام « رفاعة « ، لم نأت معه لأنه رجل ثري ، فهو من أهلنا الشايقية الذين نزحوا إلى رفاعة ، وأعرف والده الشيخ الطيب الريح ، أيام عملي في رفاعة كنت قريباُ ولصيقاً جداً بهم ، كما أنهم أصهار صديقي العزيز فتح الرحمن البشير ، لم آت مع إبراهيم الطيب لأنه مليونير فأنا « والله لا أعرف عندو ملايين ولا ما عندو « ، لكنه رجل فاضل ومحب للسودان ، أقام مؤتمرين كبيرين في لندن لجمع ولم شمل الناس هناك .
اختار « أخونا » إبراهيم مجموعة فيها الفنان الكبير إبراهيم الصلحي ، والدكتور كمال أبوسن ، وهو من منطقتنا ـ أرقي شرق النيل ـ وهو رجل عظيم ظل طوال فترة وجوده يجري باستمرار عمليات ويعالج المرضي ، واختار الدكتور أحمد الشاهي وهو من أصل عراقي ويعمل أستاذاً في جامعة « أوكسفورد « ، ومتخصص في قبيلة الشايقية . وصديقنا الصحفي الكبير محمد الحسن أحمد ، ومحمد الحسن في نظري من أحسن المحللين في العالم العربي كله ، لو أنه كان مصرياً أو لبنانياً « لطبّل له الناس كثيراً « ، هذا فضلاً عن أنه محب للسودان و « يلم « بيته السودانيين ، ويكون ملتقيً لهم ، هو وصديقنا حسن تاج السر عندما يكون موجوداً هناك . نحن مجموعة من الناس ولسنا وفداً رسمياً .
وأقولها بصراحة : « لحسن الحظ أخوانّا هنا ما معاملننا معاملة رسمية ، ما في محاولة للاستقطاب ، و لا كسب التأييد ، ولا أي شيء ، مخلننا على راحتنا » .
لقد ظل يرافقنا باستمرار الرجل الفاضل وزير الثقافة الأستاذ عبد الباسط عبد الماجد ، وللحقيقة فهو رجل خيّر وبسيط ومتواضع ، كنت أشفق علىه وأقول له : « أنت راجل عندك أعباء أمشي أهلك ولا تتعب معنا « ، وهنالك خالد فتح الرحمن وهو شاب ممتاز جاء معنا من لندن ، وهو يعمل ملحقاً ثقافياً في السفارة هناك كما أظن .
تحركاتنا كانت بسيطة وعادية لم نحس فيها بأننا موجهون أية جهة ، « وبعدين مهما كان فنحن ناس بلغنا من التجارب والسن بقينا مش قابلين للتوجيه إلاّ من تلقاء أنفسنا على أية حال» .
* ولو على مستوى ازدحام البرنامج؟..
ـ يعني شنو ؟!
* يعني أن يصمم البرنامج لترون ما يراد لكم رؤيته ..
ـ حتى الآن لم يأخذونا لأشياء رسمية ليقال لنا : « شوفوا نحن بنعمل ايه « ، لكننا زرنا « سد مروي » ، أنا حمدت الله أنهم «ودونا مروي » لأنها البيئة التي أنتمي إلىها بحق ، صحيح أنا أنتمي لكل السودان ، لكن هذه هي البيئة التي تغلغلت في عظامي وفي أعصابي وفي وجداني ، عندما حلقت الطائرة « فوق مروي وشفت النيل والمزارع والنخيل حدث لي شيء عظيم » .
للحقيقة أقول إن السد عمل عظيم بغض النظر عن من أنشأه ، هنالك مشكلة سودانية « الناس إما أن يقبلوا الشيء كله أو يرفضوه كله « ، صحيح هنالك نظم سيئة مرت ، وأنا دائماً ضد الاستبداد ، واعتبر الشمولية والحكومات العسكرية حكومات مستبدة ، لأن الناس لا يشاركون في الحكم حقيقة ، « لكن ربنا سخر لنا هذه النظم السيئة لعمل أشياء حسنة ، نميري كان نظامه سيئاً وعمل « بلاوي « لكنه عمل « شوية حاجات كويسة « نحمد الله علىها ، ولانحمده هو . و» ديل ربنا وجههم أيضاً ـ خصوصاً هذه الأيام ـ لأعمال بناءة».
في تقديري المتواضع هذا العمل ـ يقصد السد ـ عندما يكتمل سيكون من أهم ما أنجز في السودان ، ويمكن أن يعادل في أهميته قناة « جونقلي « لو تم إنشاؤها ، وسيغير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في منطقة شمال السودان.
* بين موسم هجرتك الأولى إلى الشمال ، وموسم عودتك الحالية ) لدومة ود حامد) ، بهذا المعني الرمزي أين الروائي الطيب صالح بين كل هذه المواسم ؟
ـ الروائي إنسان ولا توجد « حاجة متحركة كدة يقال لها دا روائي ، ودا شاعر ، ودا رسام « نحن نحمل في جوفنا أشياء كثيرة ، دائماً أقول حين أسأل إن الرواية نشاط بين عدة نشاطات إنسانية يقدر الإنسان على ممارستها معاً ، أنا لا أكتب الرواية فقط ، أكتب في أشياء كثيرة ، في النقد ، في البحث وغيرها ، ولم أتوقف عن الكتابة .
على الرغم من وجود الروائي داخلي لكني في مرات عديدة أنظر للأشياء بعين الإنسان العادي ، وأسعد حين تتعطل عندي الحاسة الناقدة والمتفحصة للأشياء ، فآخذ الأشياء كما أراها أو كما هي .
* بعض النقاد يرون أن منحك جائزة الرواية العربية ، لم يكن تكريماً لك ، بل يرون أن الجائزة تكرمت بك ، وأظن أن القول للأستاذ عيسي الحلو ..
ـ أنتهز الفرصة لأثني على عيسي الحلو ، الذي أذكر أنه أجرى معي مقابلة قبل عشرين عاماً تقريباً ، لمس فيها أشياءً مهمة ، فقد جعلني أركز في المقابلة على « فكرة التعدد « ، التي منذ أن بدأت الكتابة وأنا أدعو لها ، أدعو لعالم متعدد ، وعلى تعدده واختلاف مناخاته الثقافية والعرقية لكنه عالم متعايش ، عيسي الحلو ركز في مقابلته على « حكاية التعدد» وأظن أن المقابلة كانت للرأي العام ـ أجريت المقابلة لجريدة الأيام السودانية ـ
« كتّر خيره أن قال الجائزة تكرمت بي » .
بهذه المناسبة أقول أن أول بلد عربي كرمني كان المغرب ، كرمني مرتين في « أصيلة « كرمني كشخص وأقام لي احتفالية ، وكرمني ثانية حين منحوني « جائزة « محمد زفزاف للرواية « ، وكنت أول من يعطي هذه الجائزة ، وأنا متصل بأصيلة في المغرب منذ بداية المهرجان قبل أن تصبح شهيرة ، وأنا من مؤسسيها ، الرجل الذي قاد هذا العمل الجبار وأحدث تغييراً كبيراً هو محمد بن عيسي ، وزير خارجية المغرب الحالي ، هو رجل فاضل وخلاق وتجمعني به صداقة حميمة ، هذا التكريم أسعدني جداً .
أما حينما يكرم « الواحد » في مصر ، « ومهما قلنا فيها » : قلب الوطن العربي ، و« سرة » العالمين العربي والإسلامي ، عندما يكرم المرء هناك ، فهو قد كرم على نطاق عربي وإسلامي وربما عالمي . هذا التكريم أسعدني « أخوانا المصريين وجدوا في جهدي المتواضع ما يستحق هذا التكريم » .
* أثيرت وجهة نظر نقدية تقول إن كتابك ( موسم الهجرة إلى الشمال ) وضع سقفاً روائياً ، وحاجزاً أنطولوجياً لم تتجاوزه الرواية السودانية بعد ، إذا قرأنا وجهة النظر هذه مع جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي ، والروايات الفائزة وغير الفائزة ، السؤال هل تشير إلى أعمال روائية تجاوزت هذا السقف إن كنت تؤيد الفكرة ؟
ـ لا أفهم مثل هذا القول « حكاية سقف روائي » ، فالكاتب شاعراً أو روائياً يبذل جهده لا ليتجاوز شيئاً ، أو ليضع سقفاً ، فهو يشتغل ليقدم ـ كما يقولون ـ منظوره ورؤيته للأشياء ، يستحسنها الناس أم لا ، يقدرونها أو لا يقدرونها ، يعطوه جائزة أم لا ، هذا شيء ثانوي تماماً ، أنا لا ألقي بالاً لمثل هذا القول ولا أحس بأني « عملت سقف ، ولا أي شيء « . وأري أن أي صاحب موهبة يبذل جهداً لإبراز موهبته سيصل حتماً ، مثل هذا القول خارج مفهوم الأدب والفكر اللذان لا يقومان على سقوف ، الشعراء القدامى لم يكتبوا أشعارهم لتجاوز أبو تمام ، أو المتنبي ، أو البحتري « كل زول بقول كلامو « ، وكما تعلم فهنالك شعراء اكتفوا ببيتين ، وأن بعضهم عرف بقصيدة واحدة ، مثل هذا الفهم « كل زول يقول كلامو « هو الذي يثري الموروث الأدبي .
والكاتب يكتب بالإضافة للتعبير عن الحالة التي يراها في الوقت الذي يعيشه ، ليعيش حواراً مع الذين سبقوه وتركوا أثراً في التراث العربي الزاخر ، وربما مع آخرين من التراث الإنساني .
أما قضية سقف وحاجز أنطولوجي فهي قضية خارج مفاهيم الفكر والأدب « مجرد أكليشيهات قد يقلدها الناس بدون فائدة » .
* هل قرأت روايتي (أحوال المحارب القديم )، و(قبيلة من وراء خط الأفق) الفائزتين بالجائزة التي تحمل اسمك ، وما رأيك فيهما ؟
ـ نعم قرأتهما ، وهي روايات جيدة ، لكن لا يعني هذا أنه لا يوجد كتاب آخرون .. بالمناسبة أتعرف قصة هذه الجائزة ؟
* لا ... !!
ـ خطر للدكتور حسن ابشر الطيب أن يجمع مالاً ليبني لي بيتاً في السودان ، فقلت له لا أريد بيتاً ، ولا أملك وقتاً ، لكنه أصر ، « ولما لم قريشات يبدو أنها قلت عن القروش البتعمل البيت » ، فسألني ماذا نفعل ، وخطر لي في الأول إرجاع الفلوس للمتبرعين ، لكنا فكرنا والأخ محمود صالح عثمان صالح ـ وهو رجل عظيم ـ وقلنا : « والله كويس نخصصها لجائزة ، وهم من اقترحوا أن تكون باسمي ، مع إني كنت أفضل لو أنها كانت باسم التجاني يوسف بشير مثلاً ، « وختينا القريشات دي عشان تبقي نواة لهذه الجائزة » .
أنا الآن أفكر في جمع المزيد من المال لجعلها جائزة كبيرة ، لا لتكون باسمي المتواضع ، بل باسم أحد عظماء السودانيين ، وأظن أن التجاني يوسف بشير مناسب جداً لتسمية الجائزة باسمه « جائزة التجاني يوسف بشير « .
* لكن الجائزة أخذت اسمها واستقرت آليات عملها !
ـ « معلىش » يمكن تغيير الأسماء ..
* لديك مقولة نقدية تدعو فيها لما اسميته النقد القائم على المحبة ، أحدثت هذه المقولة إرباكاً للإبداع والنقد ، وعلاقتهما معاً ، لأنها تبدو كدعوة للنقد ليتحول إلى غزل في النص ، وأن يرى الناقد بعين ( المحب التي لا ترى إلا المحاسن ) ، كيف يفض هذا الاشتباك؟
ـ هذا مذهبي ، ومع أني لست بناقد لكني لست بعيداً عنه وعلى بعد البصيرة ، النقد عندنا تحول إلى وسيلة لممارسة السلطة ، وأنا أنفر جداً من المتسلطين في هذه الدنيا عموماً ، حكاماً أو أصحاب نفوذ ، أو نقاد ، الناقد أحياناً يضع نفسه فوق المبدع ، ويتحدث بنبرة متعالية ويقول : « هذا كويس ، وهذا بطال ، وهذا كلام فارغ « .
أنا أعد الكتاب الذي كتبه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عن أبي الطيب المتنبي من أسوأ أنواع النقد ، وطه حسين « ما في كلام عالم كبير ، وفلتة من فلتات الزمان ، لكن لكل جواد كبوة « ، هذا كتاب سيء جداً ، أبو الطيب المتنبي من أعظم شعراء الإنسانية ، « قعد يتلكلك علىهو ، وطلعو كلام فارغ ، وشتمو ، وقال إنه لا يستاهل كل هذا الإعجاب لأنه أبغضه ، ودخل على عالمه بكراهية ». « أنت كاره الزول خليهو» ، هذا يشبه مسافر يبحث عن رفيق فيختار من لا يحبه لمرافقته ، سيزعج نفسه ويزعج من يرافقه .
المحبة تفتح البصيرة في مذهبي ، وأرى أن أحسن النقد ما كتب عن محبة من قديم الزمان إلى يومنا هذا ، فأبو العلاء المعري تحيز للمتنبي وأحبه ، وأشاد ونوه به ، وفي الأدب العالمي هنالك نقاد كبار ، وأساتذة جامعات ، أحبوا كتاباً مثل « ليفس »، أحد كبار أساتذة جامعة كمبريدج الذي أحب د . هـ . لورنس وكتب عن كتابه « عشيقة ليدي شترلي » ونوه به ، وهكذا يكون النقد المفيد .
وحتى الكتاب الذين ليست لديهم قيمة أدبية أمثال « إحسان عبد القدوس « و « يوسف السباعي « عند أخواننا المصريين ، عندما أقرأ كتاباتهم استمتع بها ، « إذا الواحد ما عاجبك خليهو « ، إلاّ إذا نصبوا كاتب « كان واضحاً أنه كاتب تافه ، وعملوه أعظم كتاب زمانه ، فليتصدى لهم الناس ويقولوا : لا يا أخوانا الكاتب دا ما عظيم « .في غير هذا يجب أن تتم عملية التواصل بين المبدع والجمهور بالمحبة وليس بالكراهية .
* مصطفى سعيد شخصية من ابتداع خيالك ، لكنها استقلت وأقامت لها وجوداً خاصاً ، ونُسجت حولها كثير من الأحداث ، وصارت ذات لحم وعظم وروح ، ألا تحس بالغيرة منها ، ومن شهرتها إلى حد ما ؟
ـ أبداً لا أحس بالغيرة من مصطفى سعيد مطلقا ، بالمناسبة هناك بعض الناس يقصرون اهتمامهم على أن مصطفى سعيد سوداني ، بينما أنا أقابل أناساً كثراً في هذا العالم يظنون أنهم مصطفى سعيد ، مثلاً قابلت أستاذاً أردنياً درس الاقتصاد في أوكسفورد فقال لي : « في حد حكي لك قصة حياتي ، وقال بالضبط أنه مصطفى سعيد « ، وقابلت شخصاً كندي الجنسية فقال لي شعرت بأن حياة مصطفى سعيد هي حياتي ، هنالك من يتساءلون هل هو أنا ، وفي ندوة قاعة الصداقة « عملت السيدة الفاضلة زوجة أستاذنا الراحل عبد الله الطيب قضية طويلة حول أن مصطفى سعيد واحد في متعدد ، وعددت أسماء سودانيين ذهبوا إلى لندن منهم الدكتور سعد الدين فوزي ، جمال محمد أحمد ، الدكتور أحمد الطيب ، وعبد الله الطيب زوجها ، فقلت لها يا سيدتي والله لم أفكر في هؤلاء الناس ، هذا محض خيال » .
لم تصبني الغيرة من مصطفى سعيد لأن بعض الصفات التي أسبغتها علىه ليست هي الصفات التي أعتز بها ، لو جازت مقارنة بيني وبين شخصية من شخصياتي ، فليقارنوني بشخصية « الزين « في رواية عرس الزين ، وأنا أعجب لماذا لم يقل واحد من الناس أن الزين هو الطيب صالح ، لأن في ّ بعض صفات الزين أكثر مما عندي من صفات مصطفى سعيد .
* هل لك أن تبوح لنا في الختام بخبر عن عملك الذي تشتغل علىه بعد منسي ..
ـ دع الأخبار لحين حدوثها ، لكني أملك مشروعاً روائياً لم يكتمل ، أسأل الله أن يمد لي في الأجل لأفرغ منه ، وهو مشروع « بندر شاه « الذي أعده من أهم ما صنعت على علاته ،» ضو البيت « و « مريود « في تقديري المتواضع أهم من موسم الهجرة إلى الشمال ، هناك جزء ، أو جزءان ، أو ثلاثة ، سأكون سعيداً « لو خلصت منها».
الرأى العام:
الخميس 19 فبراير 2009م



عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الإثنين 23 فبراير 2009, 6:59 pm

"نعلّم الناس لنفتح أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبوسة. ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة-الحرية. نحرر العقول من الخرافات.نعطي الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرف فيه كما يشاء"-
موسم الهجرة الي الشمال

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الثلاثاء 24 فبراير 2009, 6:40 pm


مُعَلَّقَاً بِخُيُوطِ الشَّمْسِ الغَارِبَةِ .. مَضَى! بقلم: كمال الجزولي
"الحياة يا محيميد ما فيها غير حاجتين اتنين .. الصداقة والمحبة"!
ود الرَّوَّاس
(بندر شاه: مريود، ص 37 ـ 38)
(1)
في الثامنة من مساء الثلاثاء 17/2/09 قرَّر محمود صالح، الصديق الصدوق للطيِّب صالح، والذي بقي ملازماً له في رقدته الأخيرة، مثلما في كلِّ أوقات مرضه العصيبة خلال الفترة الماضية، أن يتوجَّه من مستشفى سانت هيلير في ضاحية ميرتون، بجوار ويمبلدون جنوب غرب العاصمة البريطانيَّة، حيث يرقد الطيِّب بعنبر هاري سيكوم لغسيل الكلى، إلى شقة إبنه الكائنة بناحية المطار غربيَّ لندن، كي يأخذ قسطاً من الراحة، يعود بعدها ليبقى قريباً من خدن روحه. لكنه ما كاد يبلغ الشقة، ولم تكن قد مضت على مغادرته المستشفى سوى أقل من ساعتين هي مسافة الطريق الزَّمنيَّة، حتى رنَّت نغمة جواله تنقل إليه الفاجعة:
ـ "عُد فوراً. حالة الطيِّب تردَّت، فجأة، إلى أدنى درجة"!
............................
............................
ظلَّ الطيِّب، طوال السنوات الماضية، في صراع يشتدُّ ويخفت، ليشتدَّ مجدَّداً، مع الداء الوبيل الذي أصاب كليتيه. وفي الأثناء ظلَّ يتردَّد على الأطباء بين لندن والقاهرة، أملاً في وصفة تستبعد مخايل عمليَّة نقل الكليَّة التي كان من رأي بعضهم ألا بديل عنها. ومع الأيام تكاثر، للأسف، أصحاب هذا الرأي من الاختصاصيين هنا وهناك، حتى صاروا أغلبية عظمى. فبدأ مشوار المعاناة في البحث عن مانح متطوِّع ملائم، وفي المفاضلة بين بلد وبلد، وبين مستشفى ومستشفى، وبين جرَّاح وجرَّاح.
أخيراً وُجد المانح، وهو شاب من كوستي أصرَّ على عدم ذكر اسمه، فأدخِل مع الطيِّب مستشفى ميديكال كير الخاص بدُبَي، في فبراير 2008م، حيث تقرَّر إجراء العمليَّة هناك على يد الجرَّاح السوداني الكبير كمال ابو سن. سوى أن الفحوصات التحضيريَّة ما لبثت أن كشفت، للأسف، عن ضيق في أحد شرايين الطيِّب التاجيَّة، نتيجة إدمانه التدخين أغلب سنوات عمره، مِمَّا استلزم وضع دُعَامة في الشريان المعطوب لتوسيع مجرى الدَّم، مثلما استلزم تأجيل العمليَّة، ضربة لازب، لسنتين على الأقل!
عاد الطيِّب إلى لندن ليواظب على الغسيل ويحاول التعايش معه. لكنَّ ارتخاءً مفاجئاً وقع في الدُّعَامة، بعد ما لا يزيد عن الخمسة أشهر من وضعها في الشريان، مِمَّا استدعى نقله، على عجل، إلى مستشفى برومتون التخصُّصي لأمراض القلب، حيث أجريت له، في يوليو، عمليَّة أخرى لاستبدالها. غير أنه أصيب، عقب العمليَّة، بجلطة في الدماغ أدخلته في حالة تنويم استمرَّت لثلاثة أشهر قضاها بغرفة العناية المركَّزة!
في نوفمبر أفاق تماماً، وبمستوى أشاع التفاؤل في نفوس أطبائه وأسرته وأصدقائه، فتمَّ نقله إلى مستشفى سانت هيلير القريبة من مسكنه، ليبقى تحت العناية الاعتياديَّة، والمداومة الروتينيَّة على الغسيل ثلاث مرَّات في الأسبوع. وبالفعل بدا، خلال الشهرين التاليين، أنه قد استعاد شهيَّته للطعام، وللقراءة، وللمؤانسة، وأن صحته، بوجه عام، آخذة في التحسُّن، حتى أنه شرع في ممارسة رياضة المشي والتمارين على الدَّرَّاجة الثابتة.
لكن حالته انتكست، فجأة، للأسف، مع خواتيم يناير المنصرم، فدخل في إغماءة أخرى. ورغم كلِّ ما بذل الأطباء من جهد، إلا أن خط التدهور العام في صحَّته راح يواصل انحداره بسرعة متزايدة، يوماً عن يوم، وساعة بعد ساعة، حتى أسلم روحه الطاهرة لبارئها قبل ساعتين من منتصف تلك الليلة الشتائيَّة التي ما انفكَّت ريحها تعول .. ويب .. ويب .. ويب!
............................
يتبع

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الثلاثاء 24 فبراير 2009, 6:42 pm

............................
قابلته آخر مرَّة قبل عامين. كان في إحدى زياراته إلى القاهرة، وكنت هناك بالمصادفة. إلتقينا على مأدبة غداء بشقة محمود، مع لفيف من أصدقائه وندمائه السودانيين والمصريين، وكان فيهم الشاعر صلاح أحمد محمد صالح، والشاعر الياس فتح الرحمن، والكاتب حسن ابَّشر الطيِّب، والصحفي مرتضى الغالي، والكاتب المصري المتخصِّص في أدب الأطفال محمود سالم، والكاتب والمترجم المصري عبد الرحيم الرفاعي، صديقه المقيم، حالياً، مع أسرته بجنيف، والذي زامله، لسنوات طوال، بهيئة الإذاعة البريطانيَّة، والذي يحرص على مرافقته إلى القاهرة كلما نزل إليها، وآخرين. كانت الجلسة ودودة، ومحفوفة بكرم أسرة محمود الفياض. وكان الأنس شائقاً تتخلله، كالعادة، لمعاً من القفشات المصريَّة. لكنَّ الطيِّب كان بادي الهزال والإعياء والرهق والهمِّ، ولا يكاد ينبس ببنت شفة، بل لم يكن نادراً ما يدع رأسه يتكئ على كتفه، ويدخل في نوبات إغفاء متقطعة، كلما غافل العيون المشتاقة، وكلما انزلق الكلام بعيداً عنه! وعندما نهضنا إلى المائدة الدسمة لمحت إناءين كبيرين فاخرين يتوسَّطانها، في أحدهما (أم رقيقة)، وفي الآخر (ملوخيَّة مفروكة). تذكَّرت، على الفور، ليلة سهرنا، الياس وشقيقي محمد وشخصي، قبل سنوات طوال، في شقة الطيِّب بالقاهرة، ذات شتاء قارس لبرده أزيز في الحنايا، ولصقيعه عضَّة في العظام، برفقة أصدقائه محمود صالح وحسن ابشر وعبد الرحمن سعيد والسِّر قدور وعمر يوسف، ثمَّ تعشينا، آخر الليل، على مزاجه الموغل في سودانيَّته، بـ (مُلاح وَرَق) كان أحضره له، بناء على طلبه المخصوص، صديقه حسن ابشر الذي كان يقيم، وقتها، مع أسرته هناك. قلت أداعبه بتلك الذكرى، عساه يخرج من حالة الصمت والكآبة التي تغمره. لكنه اكتفى بابتسامة كابية، وبدا كما لو لم يسمعني جيِّداً، مثلما بدا فاقداً الشهيَّة، لا للكلام، فحسب، وإنما للطعام أيضاً .. حتى السوداني الذي يفضله من بين أطعمة العالمين، رغم أنه لا يأكل، في العادة، إلا قليلاً، لكنه يبتهج لمرآه على المائدة، مثلما يبتهج لمرأى كلِّ شئ سوداني!
أوَّل المساء أوصلناه، الياس ومرتضى وشخصي، بعربة الياس، وكان نائماً تقريباً، إلى حيث يقيم بالشقة التي كان يؤثرها على ما عداها، كلما زار القاهرة، والكائنة في البناية رقم 34 بالمهندسين ـ شارع جامعة الدول العربيَّة، وكنت سمعته، مرَّة، يتحدَّث عن رغبته في شرائها، لكنني لا أعلم إن كان فعل أم لا. أيقظناه، فترجَّل بصعوبة، وودَّعنا. لكنَّ إحساس قلق غامض ما لبث أن اجتاح ثلاثتنا، ونحن نبصره يعبر الرصيف، بخطو متثاقل، إلى مدخل العمارة، محاولاً أن يتفادى ثلة من الصبية كانوا يتسابقون بدرَّاجات رياضيَّة ملوَّنة. مع ذلك رأيناه يتمكَّث قليلاً، قبل أن يدلف، ليردَّ تحيَّة البوَّاب وزوجته وعيالهما، وقد هبُّوا لاستقباله خفافاً، ثمَّ يدخل يده في جيب جاكتته الداخلي يوزِّع على الأطفال ما تيسَّر.
............................
............................
نفس هذا البوَّاب كان سألنا، عندما جئنا، الياس وشقيقي محمد وشخصي، نلبي دعوة الطيِّب في تلك الليلة الصقيعيَّة قبل سنوات طوال:
ـ "مين الراجل الطيِّب ده؟! أنا بشوف صورو في الجرانين، وبيجي عندو باشوات ياما .. ده باين عليه باشا حقيقي"؟!
ـ "أيوه .. ده راجل مشهور قوي في العالم كلو .. إنت بتعرف نجيب محفوظ يا حاج؟! أهو ده بقى زي نجيب محفوظ"؟!
ـ "بس هوَّ يا بيه، الله يجبر بخاطرو، بيقعد معانا عالدكَّة هنا، وبياخد ويدِّي معانا في الكلام، وساعات كمان بيشرب معانا الشاي الكشري اللي بتعملهولو الوليَّة مراتي"!
خطرت لي، لحظتها، خاطرة كاريكاتيريَّة غاية في الطرافة: الرِّوائي الكبير الذي صُنفت روايته (موسم الهجرة إلى الشمال) ضمن أفضل مائة عمل أدبي في التاريخ البشري، والذي تتهافت كبريات دور النشر العالميَة على نشر أعماله بملايين النسخ، وبما يربو على الستين لغة حيَّة، ليطالعها الناس في القارَّات كلها، وتدرَّس في أعرق الجامعات، ويضع طلاب الدِّراسات العليا بحوثهم حولها ليحصلوا على درجات الدكتوراه والماجستير، وتتردَّد أسماء أبطاله في أركان الدنيا من أقصاها إلى أقصاها، يقيم، في تلك الساعة، في شقة بسيطة بالقاهرة، يسهر مع الأصدقاء على سمر رائق، ويقدِّم لهم طعام السودانيين على العشاء؛ وفي الصباح، على حين تتبارى جميع المؤسَّسات الصحفيَّة والثقافيَّة على لفت انتباهه إليها، ويتسابق كلُّ المبدعين والنقاد، كبارهم قبل صغارهم، على الفوز بموعد للقائه، يروق له هو أن يجلس على (دكَّة) في مدخل عمارة ليتآنس ويشرب (الشاي الكشري) مع أسرة بوَّاب من عامَّة الناس!
إلتفتُّ إلى الحاج قائلاً:
ـ "آه .. طبعو كده، أصل هوَّ راجل حكيم، ومتواضع قوي .. وضارب الدنيا صرمة كمان"!
فانطلقت زوجة الحاج تلهج بدعوات من القلب:
ـ "إلهي يارب ينوِّلو اللي في مرادو، ويديلو الصِّحَّة وطولة العمر، ويزيدو كمان وكمان"!
............................
............................
ما كاد محمود يغلق جوَّاله، حتى عدل عن دخول شقة إبنه وهي على مرمى حجر، ليخفَّ راجعاً، من فوره، إلى المستشفى، برغم الإرهاق الذي قشعه عن جسده، فجأة، قلق مزلزل! وصل المستشفى عند منتصف الليل. دلف إلى المبنى راكضاً، وقذف بنفسه داخل العنبر، يحدوه بصيص أمل في أن يجد الحالة قد تحسَّنت شيئاً. كانت هناك زوجة صديقه الاسكتلنديَّة جولي وبنتاهما سارة وسميرة يجهشن ببكاء حار. أما الإبنة الثالثة زينب، المقيمة، مع زوجها وأطفالها، في ألمانيا، فقد غادرتها على عجل في طريقها إليهم، لكنها لم تصل بعد. وأما بشير، شقيق صديقه، فقد كان، ساعتها، بين السماء والأرض، نهباً لقلق عاصف، حيث كانت طائرته ما تزال تقطع المسافة بين الدوحة، مقرِّ عمله، وبين لندن. وأما صديقه نفسه فقد كان مسجى على السرير الأبيض بلا حراك، تغمره المحارم الطبيَّة والسكينة الأبديَّة .. كان الأديب العظيم والإنسان النادر قد ودَّع الحياة والأحياء في تمام العاشرة من ذلك المساء الصقيعي الحزين!
(2)
ـ "كذابة المرة التقول ولدت مثل محجوب ود جبر الدار"!
ود الروَّاس
(بندر شاه: مريود، ص 39)
في يوليو عام 1929م ولد الطيِّب بكرمكول لعائلتين؛ إحداهما، وهي عائلة مشاوي، تنتمي إلى البديريَّة الدهمشيَّة من جهة أبيه محمد صالح، والأخرى، وهي عائلة زكريا، تنتمي إلى الركابيَّة من جهة أمِّه عائشة حمودة.
قضى الطيِّب طفولته الباكرة، هو وشقيقته علويَّة وشقيقهما الأصغر بشير، في كرمكول، حيث درس الكتاب. ولمَّا كان الفقر حالة عامَّة فاشية في كلِّ أنحاء السودان على أيام الاستعمار البريطاني، والناس ما ينفكُّون يرتحلون من الأرياف إلى المدن الكبيرة سعياً وراء الرزق الأوفر لأسرهم، والتعليم الأفضل لأبنائهم، فقد ارتحل والد الطيِّب، أيضاً، بأسرته، عام 1940م، من عمق مزارع الشمال، إلى ميناء بورسودان على ساحل البحر الأحمر.
في مدرسة بورسودان الأميريَّة درس الطيِّب المرحلة الوسطى. ويروي عنه قريبه الأستاذ الصحفي عماد الدين أبو شامة أنه لم يكن يستنكف، خلال تلك السنوات، أن يعمل، أثناء العطلات، كبائع خُضَر متجوِّل في أزقة (ديم مدينة) ينادي على البصل والفجل والليمون، كي يخفف من أعباء مصروفاته عن كاهل والده. ولشغفه بالاطلاع فإنه كثيراً ما كان يغشى مكتبة كبيرة بسوق بورسودان، فإذا ما أعجبه كتاب، ولم يكن يملك ثمنه في العادة، قرأه بأكمله داخل المكتبة نفسها، خلال بضعة أيام، واقفاً، في كلِّ مرَّة، يتظاهر بالبحث عن كتاب ما (أجراس الحريَّة، 22/2/09).
إجتاز الطيِّب المرحلة الوسطى، ونجح، عام 1944م، ضمن مائة وثلاثين تلميذاً فقط من جملة خمسمائة من كل أنحاء السودان، في الالتحاق بكليَّة غردون لدراسة الثانوي. لكنَّ الكليَّة ما لبثت أن خُصِّصت، عام 1946م، للمدارس العليا (الجامعيَّة)، فتوزَّع طلابها إلى مدرستين ثانويَّتين، حنتوب ووادي سيدنا، وكانت الأخيرة من نصيب الطيِّب، ثمَّ أنشئت خور طقت لاحقاً. هكذا أكمل الطيِّب دراسته الثانويَّة بوادي سيدنا، عام 1948م، وجلس لامتحان الشهادة السودانيَّة (كيمبردج)، فنجح في الالتحاق بمدرسة العلوم لدراسة الزراعة في الكليَّة بوضعها الجامعي الجديد. لكنه سرعان ما هجرها بعد عام واحد، لسبب غير معلوم، وإن كان الظنُّ الغالب أنه لم يكن، أصلاً، راغباً في ذلك التخصُّص. وما زال أبناء دفعته، حتى الآن، محتارين في سبب اختياره، منذ البداية، لمدرسة العلوم، مع أن مدرسة الآداب كانت تعتبر مكانه الطبيعي، خصوصاً وقد كان النجم الأدبي الأسطع المدرسة الثانويَّة، وسكرتير جمعيَّتها الأدبيَّة الدائم لا ينازعه في ذلك أحد!
عقب مغادرته الكليَّة التحق الطيِّب بالعمل معلماً بمدرسة رفاعة الوسطى لمدة عام آخر انتقل بعده، في 1949م، إلى بخت الرضا لمدة سنتين. ومع نهايتهما تصادف أن أعلن القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانيَّة عن حاجته لمذيعين، فتقدَّم، واختير، وسافر إلى لندن عام 1952م، وعمره لم يتجاوز، بعد، الثالثة والعشرين.
في لندن أتيحت للطيِّب الشاب فرص واسعة لإشباع طموحاته الإبداعيَّة، من خلال مواظبته على تثقيف الذات، وتجويده مهنة الإعلام، وانفتاحه على الدنيا الجديدة، فأبدى كفاءة مشهودة في تقديم البرامج الأدبيَّة والثقافيَّة، وفي ترجمة وتحرير وإعداد المواد الإذاعيَّة، وسرعان ما ارتقى، خلال السنوات التالية، إلى منصب مدير قسم الدراما، وتزوَّج من زميلته بالهيئة، واتسعت دائرة صداقاته وعلاقاته المهنيَّة والإنسانيَّة، يعينه في ذلك طبع ليِّن، وخلق دمث، وقلب حان، وذوق رفيع، حيث ظلَّ مبدأه الأسمى هو (المحبَّة والصداقة)؛ حتى النقد كان يرى أفضله ما صدر عن محبَّة.
على أن السَّرد، إبداعاً وإحساناً وتجويداً، ظلَّ هو أكبَّر همِّ الطيِّب، وشغله الشاغل الذي منحه، على قلة إنتاجه من الناحية الكمِّيَّة، جُلَّ وقته وعافيته، فكافأه بالمقابل مجداً وصيتاً ما بعدهما مجد أو صيت، حيث حاز على الكثير من الشهادات الفخريَّة والجوائز والأوسمة من مختلف البلدان؛ وتمَّ تتويجه، عام 1976م، باعتباره (عبقري الرواية العربيَّة)، وقد أصدر عدد كبير من الباحثين المتخصِّصين كتاباً في بيروت بذات العنوان، تناولوا فيه لغته وعالمه الروائي، بكلِّ أبعاده وإشكالاته؛ كما تمَّ ترشيحه، ثلاث مرَّات لجائزة نوبل العالميَّة: الأولى، بصفة غير رسميَّة، من جانب نجيب محفوظ، يوم أبلغوه بفوزه بها، فقال: كنت أتوقع أن تمنح للطيِّب صالح! والثانية، بصفة رسميَّة، عام 2007م، من جانب البروفيسير عامي إلعاد ـ بوسقيلة، أستاذ الأدب العربي بكليَّة بيت بيرل؛ والثالثة، بصفة رسميَّة أيضاً، في يناير عام 2009م، قبل شهر من وفاته، من جانب مؤسَّستين سودانيَّتين هما إتحاد الكتاب السودانيين ومركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان؛ والمعلوم أن الأخير يدير، منذ سنوات طوال، برنامج (جائزة الطيِّب صالح للرواية في السودان).
لقد استطاع الطيِّب، خلال سنوات وجيزة بمعيار الإنجاز، أن يصل بأهمِّ أعماله، وكلها مترجمة في معظم اللغات الحيَّة، إلى مصاف العالميَّة، وأن يحفر اسمه عميقاً في لوح الخالدين، وأن يمنح وطنه رمزاً آخر، ومواطنيه هويَّة إضافيَّة هي أنهم (مواطنو الطيِّب صالح)!
(3)
لم يقتصر عمل الطيِّب على السَّرد، وإن كان هو الأهمُّ في حياته المهنيَّة، أو على هيئة الإذاعة البريطانيَّة، فحسب، بل لقد عاد إلى بلده عام 1967م مستشاراً للإذاعة السودانيَّة لمدَّة عام. وانتقل إلى دولة قطر، وكيلاً ومشرفاً على أجهزة إعلامها سنين عدداً. ثمَّ عمل مديراً إقليمياً لمنظمة اليونسكو بباريس، ثمَّ ممثلاً لها بدول الخليج. كما عمل كاتباً صحفياً لعمود (وراء الأفق) الشهير بمجلة (المجلة) اللندنيَّة، لأكثر من عقد من الزمن. وفي الأثناء حصل على عدة شهادة أكاديميَّة، من بينها شهادة في الشئون الدوليَّة من بريطانيا.
(4)
بدأت معرفتي بالطيِّب صالح الأديب وأنا، بعد، طالب بالثانوي، من خلال (موسم الهجرة)، عندما نشرت، لأوَّل مرَّة، بمجلة (حوار) البيروتيَّة، نحو منتصف ستينات القرن الماضي. كانت شيئاً صاعقاً يكاد لا يصدق، كأن من كتبها ليس من جنس البشر! أعدت قراءتها مرَّات ومرَّات، وما زلت، منذ ذلك الوقت الباكر، أعود إليها، بين الحين والآخر، في مختلف الطبعات، وأتسقط كلَّ ما يكتب النقاد والدارسون عنها، وعن جماليات الطيِّب عموماً، دون أن أزعم أنني ارتويت تماماً مِمَّا تمنح من متعة وفائدة معاً. ولا غرو، فإن تلك السرديَّة المركبَّة شديدة التعقيد هي، في رأيي، مفتاح (باب السِّر) إلى عالم الطيِّب السردي كله، حسبما ظللت أتتبَّعه بلهفة وشغف، عملاً وراء عمل، من (عُرس الزين) إلى (دومة ود حامد) إلى (نخلة على الجدول)، حتى بلغ أشده في روايته (بندر شاه) بجزئيها الصادرين، حتى الآن، (ضو البيت) و(مريود)، وأسأل الله العلي القدير أن تكشف محتويات مكتبته المنزليَّة عمَّا يكون الراحل قد أراد أن يستكمل به هذا العمل الجليل، وليس سوى محمود صالح من يُعَوَّل عليه في تنقيب كهذا. ثمَّ إن (المنسي) ليس ببعيد عن ذلك العالم. وما زلت أذكر، كمهتمٍّ باللغة والثقافة الروسيَّتين، كم كانت سعادتي عظيمة عندما تولى البروفيسير السوفيتي، آنذاك، فلاديمير شاغال ترجمة (موسم الهجرة) إلى اللغة الروسيَّة، ونشرها بمجلة (الآداب الأجنبيَّة) عام 1975م، ثمَّ عندما ترجم إيغور يرماكوف (عرس الزين)، ثمَّ عندما ترجم ل. ستيبانوف جزئي (بندر شاه)، ثمَّ عندما صدرت هذه الأعمال كاملة في مجلد واحد أنيق عن دار رادوغا بموسكو عام 1982م.
لقد أفضت دقة رسم الطيِّب لشخصيَّة مصطفى سعيد المركزيَّة في (موسم الهجرة) إلى أن يتبدَّى للجميع كما لو أنه شخصيَّة حقيقيَّة تسعى معهم في الحياة، لدرجة أن الأديب علي أبو سن، صديق الطيِّب وزميله، زعم، مرَّة، أنه هو مصطفى سعيد، مستشهداً بما كان الطيِّب قد صرَّح به، ذات محفل دبلوماسي! غير أن الطيِّب، عندما سُئل، لاحقاً، عن جليَّة الأمر، اكتفى بالصمت والابتسام، مفضِّلاً، في ما يبدو، الإبقاء على المسألة برمَّتها في دائرة الغموض!
على المستوى الإنساني تعرَّفت إلى الطيِّب، شخصياً، حين زار السودان في خواتيم سبعينات القرن المنصرم، أو أوائل ثمانيناته. قدَّمني إليه صديقي الراحل الشاعر النور عثمان أبَّكر. وبعدها جمعتنا به الفنانة المسرحيَّة آسيا عبد الماجد في حفل مرطبات صغير أقامته، على شرفه، بباحة بيتها بالشعبيَّة. ثمَّ جمعتنا سهرة لطيفة بصالون قريبه وصديقه السِّر محمد الحسن بحي المقرن، وكان ضمن الحضور الناقدان عبد القدوس الخاتم وعبد الهادي الصديق، والشاعران سيد احمد الحردلو والنور عثمان، والقاص عيسى الحلو، والمغني ود اليمني، وآخرون أنسيتهم. ومنذ ذلك الوقت صرت ألتقيه كلما جاء إلى السودان في زيارات غير رسميَّة، وكلما حباني الحظ، خلال سفراتي المتعددة إلى القاهرة، بأن يكون هو متواجداً فيها. وما عرفت محبَّاً لمصر والمصريين كالطيِّب، اللهم إلا ما بلغنا من تاريخ الإبداع السوداني عن الخليل والتيجاني ونفر آخرين اشتهروا بهذه المحبَّة. وقد قامت للطيِّب هناك صداقات يجلها، لمست بعضها بنفسي وبعضها من مؤانساته الشخصيَّة، ولعلَّ على رأس هؤلاء ناقده الأوَّل، بل أوَّل من شدَّ الانتباه إليه، الراحل رجاء النقاش، وإلى ذلك جابر عصفور، وآخرين.
كان الطيِّب بسيطاً، دائماً، في لغته، وفي حياته، وفي أسلوبه في الكتابة، وفي كلِّ شئ، اللهمَّ إلا الحكمة التي أوتيها، والتي ما تلبث أن تتكشف، لمن يتروَّى ويدقق، من خلال بساطته هذه نفسها التي يمكن اعتبارها، أيضاً، وفي بعض أهمِّ جوانبها، (بساطة مظهريَّة)! فهي، بالقطع، ليست ضرباً من (الغشامة)، بل إنها تلتمُّ، في حقيقتها، على شخصيَّة بالغة الرُّقي، هائلة العظمة. ولقد صدق تماماً عندما ردَّ على من وصفوه بأنه هو مصطفى سعيد، قائلاً: لا، أنا أقرب إلى الزين .. أنا الزين!
بساطة الطيِّب هي (واجهته) الاعتياديَّة في التعامل مع بسطاء الناس، بل ويحبِّذ، ابتداءً، التعامل بها مع كلِّ مَن حوله، ريثما تغوي أحدهم بالتنطع، حينذاك يستل من قرابٍ خفيٍّ أدوات دهاء ما علمت أن مثلها يتوفر لدى سواه!
-----
يتبع


عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الثلاثاء 24 فبراير 2009, 6:43 pm


(5)
ورغم أن الطيِّب ينفي مقاربته الشعر إلا هذراً، لكن ما من عين يمكن أن تخطئ شيئاً من عناصر شعريَّته الخاصَّة التي تشكل، في النهاية، بعض مقوِّمات البناء الجمالي في سردياته؛ وهي شعريَّة بصريَّة سينمائيَّة بأكثر منها لفظيَّة بحتة.
ففي وصفه، في (عُرس الزين)، للإمام في مشهد علاقته الغريبة بأهل القرية الذين كانوا يمقتونه، ومع ذلك يجمعون له مرتبه آخر كلِّ شهر، بينما هو لا يكفُّ عن تذكيرهم في خطبه، دائماً، بالحساب والعقاب، اقتصاصاً لنفسه منهم، يقول الطيِّب: "كان مثل الضريح الكبير وسط المقبرة!" (عُرس الزين، ص 96 ـ 97). وبعد أن رأى نفس الإمام الراقصة سلامة وقد انحسر ثوبها ".. عاد بوجهه إلى محدثه (و) كانت عيناه مربدتين مثل الماء العكر" (المصدر، ص 124). واستطراداً لعلَّ ذاكرة كلِّ مَن شاهد فيلم المخرج الكويتي خالد الصديقي (عُرس الزين ـ 1976م)، الفائز بجائزة خاصَّة في مهرجان كان، سوف تظل تختزن الأسلوب الرائع الذي أدى به الممثل السوداني الكبير الراحل محمد خيري هذا المشهد، رغم أنه لم يستغرق سوى بضع ثوان من زمن العرض!
على أن هذه الشعريَّة بلغت أقصى قممها في (ضو البيت) و(مريود)، بالذات، حيث لم تعُد محض عنصر فني، فحسب، بل جزءاً وقائعياً ضرورياً في السَّرد لا يتجزَّأ من نسيج قماشة (الواقعيَّة السحريَّة) التي كان الطيِّب أوَّل من بدأ اجتراحها باكراً، من خلال (موسم الهجرة) و(عرس الزين) بالأخص، وسبق فيها دهاقنتها الحاليين من روائيي أمريكا اللاتينيَّة الذين ينسب أكثر النقاد، أبوَّتها، خطأ، إليهم! فالزين، في (عُرس الزين)، مثلاً، "ولي من أولياء الله" (ص 35)، أو "لعله نبي الله الخضر (أو هو) ملاك أنزله الله في هيكل آدمي زري" (المصدر، ص 37). لكن، لئن كان (الزين)، أصلاً، نتاج مجتمع (ود حامد)، فإنَّ جُلَّ شغل الطيِّب انصبَّ، بوجه خاص، على ثيمة (الغريب) الميتافيزيقي الذي يهبط، فجأة، من لامكان، ويتلاشى، فجأة، في لامكان، سوى أنه، بين هذا وذاك، يهزَّ المكان المحسوس المرئي هزَّاً، ويرجُّه رجَّاً، محدثاً فيه تحولات عظيمة، خيراً أو شرَّاً، كما لاحظ ذلك باحثون كثر، من بينهم، على سبيل المثال، صديقي عبد الرحمن الخانجي في كتابه (قراءة جديدة في روايات الطيِّب صالح، 1983م).
ففي (موسم الهجرة) قلب مجئ مصطفى سعيد ود حامد رأساً على عقب، ابتداءً من خصائص شخصيَّة حسنة بت محمود، وليس انتهاءً بمقتلها الدراماتيكي هي وود الريس في ليلة واحدة. لقد بلغ التغيير نخاع القرية، ودفع بأسفلها إلى عاليها. وهكذا، برغم ما قد يبدو على حال الحياة، في الغالب، من استمرار (مظهري)، حيث "مع كلِّ هبَّة ريح يفوح أريج الليمون والبرتقال واليوسفندي، خوار ثور أو نهيق حمار أو صوت فأس في الحطب"، إلا أنَّ "الدنيا قد تغيَّرت" (موسم الهجرة، ص 131).
وفي (ضو البيت) كان ما أحدثه بندر شاه من تغيير يستحيل، بذات القدر، نظمه في سلك عاديَّات الحياة، حيث "فجأة اختلَّ ذلك التناسق في الكون، فإذا نحن، بين عشيَّة وضحاها، لا ندري من نحن، وما هو موضعنا في الزَّمان والمكان" (بندر شاه: ضو البيت، ص 19)، و"كانت البلد كأنَّ طائراً رهيباً اقتلعها من جذورها، وحملها بمخلبيه، ودار بها، ثمَّ ألقاها من شاهق!" (نفسه، ص 24)، و"كنا مثل سرب عظيم من طيور مذعورة تفترق لتلتقي، تعلو وتهبط، وتدور بعضها حول بعض، محدثة صراخاً منكراً يصمُّ الآذان" (نفسه، ص 25).
وفي (مريود) يقول الطيِّب على لسان الراوي: "فجأة أحسست بمريم، بُعيد العِشاء أو قبيل الفجر، لا أعلم، لكنني أذكر ظلاماً رهيفاً، وضوءاً ينسكب على وجهي من عينيها .. (و) سمعت صوتها كأنه ينزل من السماء، ويحيط بي من النواحي كافة، تطويه رياح وتنشره رياح" (بندر شاه: مريود، ص 85). ويقول، أيضاً، عن صوت بلال (روَّاس مراكب القدرة) الذي استيقظ عليه الناس، ذات فجر، ينادي من على مئذنة الجامع، بعد إذ كان قد امتنع عن الأذان وعن دخول الجامع منذ وفاة شيخه نصرالله، إنه ".. كان كأنه مجموعة أصوات، يأتي من أماكن شتى ومن عصور غابرة، وإن ود حامد ارتعشت لرحابة الصوت، وأخذت تكبُر وتكثر وتعلو وتتسع، فكأنها مدينة أخرى في زمان آخر" (بندر شاه: مريود، ص 46).
(6)
خريف 1988م، وأثناء سيوله وفيضاناته الشهيرة، كان الطيِّب في إحدى زياراته إلى السودان. فأبلغته رسمياً بقرار اتحاد الكتاب بمنحه العضويَّة الشرفيَّة، فأدهشني الحبور الذي بدا على محياه وهو يحمِّلني شكره للزملاء بلجنة الاتحاد. تفسيري الوحيد لذلك أنه، مع كلِّ هالات الضوء والتكريم والتشريف التي تحيط بهامته السامقة عالمياً، كان يعزُّ أقلَّ القليل الذي يأتيه من وطنه بوجه خاص، ما جعله، طوال العُمر الذي قضاه في بريطانيا، يصرُّ على التمسُّك بجواز سفره السوداني!
قلت له:
ـ "لا .. إنت حتشرفنا في دار الاتحاد وتجتمع مع اللجنة، لكين بعد ما نعمل ليك محاكمة"!
وسألني ضاحكاً:
ـ "محاكمة كيف يعني؟! إنت بتجيب جنس الكلام ده من وين"؟!
ثمَّ ما لبث أن وافق، متحمِّساً، بعد أن شرحت له مشروع الندوة الطريفة التي نعتزم إقامتها لتدارس بعض أهمِّ الإشكاليات التي تثيرها أعماله، في شكل محاكمة بممثل اتهام وممثل دفاع وقاض رمزي لإدارة الجلسة، على أن القاضي الحقيقي سيكون الجمهور!
وهكذا انعقدت (محاكمة الطيِّب صالح) غير المسبوقة، وقتها، بحديقة دار الاتحاد بالمقرن. جلس الشاعر فضيلي جماع في مقعد القاضي الرَّمزي، ووقف المرحوم الناقد عبد الهادي الصديق في خانة الاتهام، والشاعر محمد المكي ابراهيم في خانة الدفاع، وكان حواراً ساخناً امتدَّ إلى منتصف الليل، بمشاركة نقاد وأدباء آخرين من مقاعد الجمهور، بالإضافة إلى الجمهور نفسه. وكان القاضي فضيلي يتيح الفرصة للطيِّب، كلما طلبها، للتعقيب على ما يقال. وما زلت أذكر، على نحو خاص، تعقيبه على ما أثار ناقد متزمِّت، حيث قال الطيِّب ما يعني إن أكثر ما يثير لديه الإشفاق حال من يخترعون للقرية (أخلاقاً) سرمديَّة لا تتأثر بالصراع الاجتماعي، كما وأن أكثر ما يثير لديه الرثاء حال من يحاكمون (الإبداع) بمقايسات (الأخلاق العامَّة)، فلا أرضاً يقطعون للأوَّل، ولا ظهراً يبقون للأخرى!
بعد (المحاكمة) جلس معنا في اجتماع استثنائي للجنة الاتحاد، وسألنا: "كيف يمكنني مساعدتكم"؟ قلنا: "ديوان (إشراقة) تعدَّدت طبعاته الشائهة، حتى لقد التبس شعر التيجاني تماماً. فلو وجدنا منحة من اليونسكو العالميَّة أو الأليسكو العربي لتحقيقه ونشر طبعة منه بكميات كبيرة، لأضحت هذه خدمة للشعر السوداني لا تقدَّر بثمن. ونريد أن نستثمر علائقك في هذا السبيل". تحمَّس للأمر أيَّما حماس، ووعد بالسعي فيه، حالما يصله منا ما يفيد بالميزانيَّة المطلوبة.
رشَّحنا عبد الله علي ابراهيم لتولي المهمَّة، وعبد الله اقترح ضم المرحوم عبد الحي إليه، لكنَّ سوء تفاهم وقع، في ما بعد، من جانب عبد الحي، حول أصل الموضوع وفصله، مِمَّا استغرق فضُّه شهوراً، حتى وقع الإنقلاب، وحُلَّ الاتحاد، وانتزعت الدار، وتفرقنا أيدي سبأ!
(7)
ـ "قلت نعم. قلت نعم. قلت نعم. ولكن طريق العودة كان أشقَّ لأنني كنت قد .. مشيت"!
(خاتمة بندر شاه: مريود، ص 86)
شعب السودان سوف يظلُّ مديناً لأرملته وبناته اللاتي حرمن أنفسهنَّ، بمشاعر إعزاز فياض لذكرى حبيبهنَّ الغالي، حين تنازلن عن فكرة دفنه إلى جوارهنَّ بلندن، ولو أصررن لكان القانون الإنجليزي في صفهنَّ. لكنهنَّ رأين أن من الأوقع تماماً دفنه في ثرى الأرض الغبشاء التي أحبَّها بكلِّ جوارحه، وقال إنها "لا تنبت إلا الشعراء والأنبياء"، وبين ملايين الناس الذين أحبهم، وحملهم في حدقات عيونه، وجعل لهم ذكراً في العالمين، وبقي وفياً لهم إلى آخر رمق في حياته العامرة بجلائل المكرمات، المزيَّنة ببساطة وتواضع المتصوِّفة النائين بأنفسهم عن عرض الدنيا الزائل، حتى مضى وكأنه كان معلقاً، أصلاً، بخيوط الشمس الغاربة!
هكذا أمكن لنا أن نستقبل جثمانه بمطار الخرطوم في الرابعة والنصف من صباح الجمعة 20/2/09، وأن نشيِّعه، في التاسعة والنصف، في موكب مهيب، لنواريه الثرى بمقابر البكري بأم درمان.
............................
............................
إنَّ "موته .. خسارة لا تعوَّض"!
محجوب عن مصطفى سعيد
(موسم الهجرة، ص 104 ـ 105)
وإنا لنشهد بأنه عاش "كأنه وطـَّن نفسه على الموت"!
عبد الخالق عن ضو البيت
(بندر شاه: ضو البيت، ص 132)
فقد "أحبَّ بلا ملل، وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر .. حلم أحلام الضعفاء، وتزوَّد من زاد الفقراء، وراودته نفسه على المجد فزجرها، ولما نادته الحياة .. لما نادته الحياة ..!"
(بندر شاه: مريود، ص 85)
وكثيراً ما كان يردِّد أن "ابن آدم إذا كان ترك الدنيا وعنده ثقة إنسان واحد يكون كسبان"!
ود الرَّوَّاس
(بندر شاه: مريود، ص 38)
وكان يقول، أيضاً، إن "القوَّة ليست للجسد، بل للروح والعزيمة"!
(بندر شاه: ضو البيت، ص 35 ـ 39)
كما كان يقول: "يوم يقف الخلق بين يدي ذي العزَّة والجَّلال، شايلين صلاتهم وزكاتهم، وحجَّهم وصيامهم، وهجودهم وسجودهم، سوف أقول: يا صاحب الجَّلال والجبروت، عبدك المسكين الطاهر ود بلال ولد حواء بنت العريبي يقف بين يديك خالي الجراب، مقطع الأسباب، ما عنده شئ يضعه في ميزان عدلك سوى المحبَّة!"
الطاهر ود بلال
(بندر شاه: مريود، ص 64)
............................
............................
اللهم، ها هو الطيِّب أمسى في رحابك، ضارعاً يتكفَّف غوث عزَّتك ببابك، وإنا لنتوسل بك اليك أن تكرم نزله وأنت خير المنزلين، وأن تؤنس وحشته وأنت خير المؤنسين، وأن تغفر له وترحمه وأنت خير الغافرين الراحمين، وأن تعيذه من العذاب وأنت الغني عن عذابه يوم الدِّين، فيمِّن، يا ربُّ، كتابه، ويسِّر حسابه، وثبت علي الصراط اقدامه، وثقل بالحسنات ميزانه، وافرش قبره من فراش الجنة مع الصِّدِّيقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الخرطوم بحري
الأحد 22/2/2009م

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الأربعاء 25 فبراير 2009, 6:23 pm



من يعزينى فى فقد مبدعنا الكبير ولمن التوجه بالعزاء؟؟
وسرادق الاحزان قد نصبت عليه من المحيط الى الخليج
مها محمد بشير
كنت طفلة- ياسادتى- حين سمعت بان رجلا ولد فى قرية صغيرة عند منحنى النيل تربى وسط جروفها ونخيلها وحين اضحى رجلا حمل تلك القرية بين جوانحه وهاجر جنوبا الى مدن الصقيع والضباب وكان كلما غالبه الحنين يسبح بخياله حتى إذ ما ادرك ذاك المنحنى رصد الاماكن وساكنيها وكل مايدور وخط بقلمه ذلك الواقع قصصا ساحرة وحكى عن تلك النخلة على الجدول- عن بندر شاه عن الزين ومفارقات عرسه وعن دومة ودحامد ثم كل هؤلاء وغيرهم حين عاد لواقع مهجره الضبابى مزجهم جميعا فى قصة موسم شغلت مدن الشمس والضباب على حد سواء...وقد كان.
وعند ذلك المنحنى النيلى فى الشمال قريتان متجاورتان بريفى الدبة فى احداهما ولد مبدعنا الكبيروهى (كرمكول) وفى القرية المجاورة موقعا ونسبا (جرا-بكسر الجيم) ولد ابى واجدادى هكذا عرفت منذ طفولتى واحتفظت لنفسى بفخر التفرد والانتماء وانتظرت يوما ليس بالبعيد يلوح فى الافق.
كنت اعشق القراءة منذ سنوات دراستى الاولى وحين عرفت من والدى فى مناسبة ذكر فيها اسم اديبنا الكبير خصوصية الاواصر والمكان طلبت منه ان يشترى لي كل رواياته وافق ابى مع إدراكه باننى فى هذا العمر سوف يصعب على استيعاب المعانى العميقة التى تكمن بين سطور الحكايا - بعد سنوات ادركت بان والدي كان محقا- فقد كنت قبلها مأخوذة بالشخوص والاماكن وفضولى الطفولى لم يستطع إدراك ان وراء ذلك السرد الذى بدا كالسهل الممتنع تكمن كنوز من المعاني العميقة وابداع ساحر.
كان مصطفى سعيد فى( الموسم) بالنسبة لى لغزا وظننت بذلك الادراك القاصر بانني إذا سافرت وتواجدت بتلك القرية سأتمكن من حله كان فضولى لايحتمل الانتظار وحاصرت أسرتي بالحاح لاينقطع بانني اريد ان ارى موطن اجدادى واستجابت السماء حين جاءتنا دعوة لحضور مناسبة زواج وسافرت وكانت امنيتى ان اسافر بنفس الوسيلة وعبر الصحراء وكنت كمن يضع الرواية خريطة للطريق كنت اقرأ واراقب ادهشتنى دقة الوصف وتلك التفاصيل الصغيرة والتى تصادف كل المسافرين من هنا ولكنها حتما لايلتقطها بتأمل الا مبدع يعرف متى واين وكيف يضعها فى نسيج غزل ببراعة وسحر..وقد كان
حين وصلنا القرية قابلني اهلي كعادتهم مع كل القادمين بترحاب ودود وكرم اصيل كان قصر المسافة بين القريتين وتواجد اهلي فى هذه وتلك قد سهل تواجدي هنا وهناك وكنت اختار الجدول الذى يشق الجروف وتتهادى حوله اشجار النخيل واقول فى سري سيقودني هذا الطريق حتما الى تلك النخلة التى على الجدول ثم امضى الى حيث دومة ود حامد لاعرف كيف حل امر الصراع حولها بعد ذاك على اخذ قسط من الراحة فى منزل بندر شاه او مريود وقبل مغيب الشمس سابحث عن محجوب ليأخذنى الى تلك الغرفة الغامضة التى تركها مصطفى سعيد حتى اتمكن من حل اللغزلماذا عاد من مدن الضباب؟ لم اختار ان يعيش هنا؟ وحين اتعبني السؤال وارهقنى البحث تيقنت بان الاجابة لن اجدها الاعند الراوي نفسه....عندي احساس عميق بانني يوما ما سألقاه وستنتهي حيرتي وحين إنفلات تلك السانحة الحلم سأخبره انني حضرت وكان وجوده طاغيا لكننا لم نلتق............وقد كان.
كنت فى الرباط حين سمعت بمقدمه الى اصيلة سافرت الى هناك وشوقى يسابق خطوتي وفي احدى مقاهي المدينة الساحرة وجدته جالسا وبرفقته الدكتور محمد إبراهيم الشوش بمرحه وخفة ظله المعهودة وكأنني على موعد معهما اقتحمت الحضور المهيب دون اذن فقد اخذت موعدا لنفسى منذ طفولتي رحبا بى سألني اديبنا الكبير بتلك اللهجة التى اعرفها جيدا من اهلى- من وين جيتي ياشافعة؟
اجبته من حيث أتيت أنت من قرية مجاورة عند منحني النيل. إزداد وجهه الصبوح اشراقا وصافحني بود من جديد وقال باسما وقد شرد ببصره بعيدا وهو يرنو لصخب موج المحيط : عفارم عليك يا نيل بنياتك وصلوا فاس..ثم التفت اليّ كيف انفلتي من الحصار؟ اجبته منذ نعومة اظافري رباني ابي على انني ولده الكبير ولم اترك حظا للذكور على الاناث الا واغتنمته............. وقد كان.
فى المغرب كانت المحطة التى عرفت فيها الجانب الانسانى فى هذا المبدع الكبير ففي لقائنا الاول هذا حين هممت بالانصراف بعد ساعتين من اروع الحديث- وكانت لهفته على السودان واهله لاحدود لها- سألنى نازلة وين؟ اجبت هنالك استضافة مجانية لكل الصحفيين بالفنادق لاتقلقوا على معى بطاقة صحفى و.......لم اكمل حديثي التفت لصديقه الشوش انت معاك الاولاد ومؤجر بيت بنيتنا ضيفتك معقول اعمامك قاعدين وتنزلي فى الفنادق؟ اجابه الدكتور الشوش ضاحكا مستحيل طبعا- واخذني مباشرة وعرفني بزوجته وبناته وكانوا معى فى غاية الود والكرم حتى غادرت اصيلة الى الرباط وقد كان محقا إسماعيل حسن حين قال (لو ماجيت من زي ديل وااسفاي وامأساتي واذلي)الحمد لله إنني قد كنت، ما انتهى الحديث ولكن وطأة الشجن المسربل بالدموع استدعت الصمت قليلا ... وفي حلقة اخرى نواصل .
لاديبنا الكبير الطيب صالح مواقف انسانية عديدة وعظيمة معي ومع غيري ابناء وبنات وطنه لاتحصى ولاتعد كان كثير الاهتمام بالطلاب وظروفهم واحوالهم فى المغرب وفى دول اخرى. بعد عام من مهرجان اصيلة قدم الى الرباط فى زيارة سريعة بدعوة من احدى المؤسسات الثقافية لما عرفت ذهبت ايضا دون اتصال اواستئذان فأبوابه دائما مشرعة للجميع سألنى عن احوالي وعرج بالسؤال الى اهلي طلب ان احدثه بالتفصيل ان كنت زرت البلد قبل حضورى المغرب - البلد يعني بها القرية- حدثته عن زيارة الطفولة وضحك كثيرا عن مزاعمى بفك لغز مصطفى سعيد وأخبرته بان له الفضل بان اذهب اليها مرة ثانية وثالثة وحدثته عن انطباعاتى حول الزيارة الاخيرة كان يستمع باهتمام شديد وضحك مرة ثانية حين اخبرته كنت محقا فى البلد الان اكثر من طاحونة دقيق وطلمبة ري ومشروع زراعي ومع ذلك ظلت دومة ودحامد فى مكانها والنخلة بقيت صامدة على الجدول. سألني مرة اخرى وبعد هذه السنوات التى مرت حليتي طلاسم اللغز؟ اجبته إزداد اللغز غموضا فقد كنت اعتقد وقتها بانك ومصطفى سعيد شخصية واحدة وحين عرفتك عن قرب تأكدت بانك ليس هو سأعيد القراءة للمرة الثالثة او حتى الثلاثين وسأعرف.
أكملت دراستى بالمغرب وكنت مهمومة ببحث التخرج ومناقشته اسبوع فقط ويحدد موعد المناقشة وانا فى قمة إنشغالى اتصل بى الاستاذ طلحة جبريل وطلب مني الحضور لان هنالك أمانة ارسلت لي من لندن دهشت وجالت بخاطري آلاف الاحتمالات وحسمت الامر بان ذهبت لارى وبمكتب الاستاذ طلحة جبريل وكان مديرا لمكتب الشرق الاوسط بالرباط سلموني ظرفا مغلقا وقالوا من الاستاذ الطيب صالح كنت اعرف بان صداقة عميقة تربط بين الرجلين ومكتب طلحة جبريل كالعادة مزدحماً لم اجد فرصة لاعرف اي تفاصيل عندما فتحت الظرف وانا اجلس مع السكرتيرة اندهشت وجدته مبلغا من المال حوّل من لندن سألتنى بلهجة مغربية علامك؟ يعنى مابك لم اجبها الجمتني الدهشة وذهبت لاقرب هاتف عمومي واتصلت بالاستاذ الطيب صالح بلندن سألته وانا فى غاية الارتباك والدهشة لماذا ياأستاذي إننى اتلقى منحة واعمل و............... قاطعني مبروك النجاح (القريشات) ديل ما عشانك للبحث الموضوع عجبنى قضايا السودان فى الصحافة العربية اطبعيه طباعة فاخرة وما( تكلفتيه) الشكل الخارجى مهم والمغرب نصف اهله تشكيليون وخلي نسخة لي (عمك) الطيب وبمجرد إستلامك الشهادة ارجعي البلد ولو كنت بعشرة رجال وجع الغربة قاسي اسألي عمك ودعتك الله. لم يترك لى مجالا حتى لقول شكرا وبكيت. رحمه الله فقد ابكانى وهو حيا بانسانيته.
لم نلتق مرة اخرى- فقد نفذت وصيته وعدت فور إستلامى الشهادة-
فى العام 2005 فى قاهرة المعز ذهبت وزوجى جمال الخبير للعلاج من وعكة صحية المت بى واقول مرة اخرى ان الاقدار احيانا ترتب لنا امورنا بصورة افضل مما نفعل.........وقد كان
وانا فى قمة معاناتى مع المرض جاءني جمال منشرحا قائلا أنا والدكتور ياسر اعددنا لك مفاجأة(الدكتور ياسر محمد علي مستشار بالسفارة السودانية بالقاهرة هو وزوجته تربطنا بهما صداقة عمل والمفاجأة كانت وجود الطيب صالح بالقاهرة ودعوته للعشاء غدا هنا بمنزل الدكتور ياسر وكأنما كان المرض غطاءً اتدثر به ازحته جانبا وقفزت يايوم غدا رحماك اقبل صباحا سألت الدكتور ياسر للمرة العشرين هل انت متأكد بانه سيأتى اليوم؟ اجابنى بلى واخبرته باننى ساعرفه على صديقى جمال وان له منهجية متفردة فى التفسير القرآنى ووافق الطيب بحماس وانا على علم باهتماماته الصوفية............وقد كان
حضر بكل وقاره وهدوئه كالنسمة ومعه الشاعر السر قدور ووصل قبله عدد من الدبلوماسيين وكانت المفأجأة ان يجدني مع هذا الجمع وتساءل مندهشا حين رآنى بنيتنا تاني؟ وتأثر جدا حين عرف بانني اتيت للعلاج. وفى هذه الليلة فاض شلال من التصوف حين حدثه جمال عن رؤى الحياة من منطلق قرآنى بمنهج جديد كان يستمع بتواضع جم ثم انداح معلقا ومحلقا فى سموات التصوف ولم نشعر بخيوط الفجر تتسلل برفق خشية إنقطاع الحديث وحين صافحني مودعا قال لي هامسا: عفارم عليك..........ودعتك الله.
فى زيارته الاخيرة للسودان فى نفس العام فاجأنا باتصال هاتفى ونحن نرتب لدعوته ادهشنا حين قال إنني اذكر النقطة التى توقف فيها حوار القاهرة اعتذر بشدة فبرنامجه كان قصيرا ومزدحما وكنا حريصين على الاتصال باستمرار وفى اتصالنا الاخير ودعنا قائلا: المرة القادمة إذا اذن المولى ستكون لي معكم جلسات فحديثي مع جمال توقف عند منعطف مهم وانا صوفيى فضولي......... ودعناكم الله.
كنت سعيدة بذاك الوعد ولم اكن اتصور ان الاقدار يمكن ان ترتب الامور ايضا بقسوة تفوق الاحتمال ففى صباح جمعة حزين عاد الطائر المهاجر ولم يكن الحضور المرتجى اكفهر النيل وعبست السماء ونكست كل اشجار النخيل........ رحل الطيب الصالح.
فمن يعزيني فى فقد مبدعنا الكبير.... ولمن التوجه بالعزاء...........وسرادق الاحزان قد نصبت عليه من المحيط الى الخليج .
ماذا .........اقول؟
خطبٌ جلل
من هوله جف المداد
رفعت صحائف الابداع عن هذا الوجود
ونجمها الساطع أفل

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الأربعاء 25 فبراير 2009, 7:46 pm

"والله والله الذى لا اله غيره , ان امراء المسلمين, اذا أخذ منهم الاغترار, وتزينت لهم الدنيا وهى دار البوار وأعجبهم حالهم وكثرة انصارهم وسكروا بكاس السلطان وبدا لهم انهم اقوياء مخلدون فى محابسهم , ضربهم الله بصولجان عزته, وقصم ظهورهم, بسيف نقمته وسلط عليهم سيوف اهل الكفر,ومكن منهم اعداءهم, واخرج لهم من مكامن جحورهم من يكيدون لهم ويغالبوهم حتى يذهب الغالب والمغلوب, والطالب والمطلوب,فينقلبون وكأنهم اعجاز نخل خاوية, او كهباء ذرته الريح فى يوم صفصف كما فعل الله بقوم عاد وثمود, فالبدار البدار" .
بندر شاه
مريود
صفحة
452

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الأربعاء 25 فبراير 2009, 10:16 pm




لك الرحمة والمغفرة
ياطيب ياصالح

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الأربعاء 25 فبراير 2009, 10:18 pm

- ياصاحب الجلالة والجبروت ,عبدك المسكين, الطاهر ود بلال ,ولد حواء بت العريبى ,يقف بين يديك خالى الجراب, مقطع الاسباب ,ماعنده شى يضعه فى ميزان عدلك سوى المحبة " .
بندرشاه
مريود
صفحة
455

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عصام همت في الخميس 26 فبراير 2009, 8:41 am

الطيب صالح‏..‏ في مصر
بقلم : عبد الرءوف الريدي


تعرفت علي الطيب صالح قبل أن ألقاه‏..‏ من خلال عمله الروائي العبقري موسم الهجرة إلي الشمال كان ظهور الطيب تاليا لظهور نجيب محفوظ بل وتاليا لظهور يوسف ادريس‏,‏ ويحتل كل من هؤلاء الثلاثة الكبار ذروة من ذري الرواية والقصة القصيرة في الأدب العربي في القرن العشرين‏,‏ نجيب محفوظ برواياته التي كانت حارات القاهرة الإسلامية وشخصياتها هي المحطة الأولي في رحلته الأدبية الطويلة التي قادته إلي جائزة نوبل عام‏1988,‏ ويوسف ادريس الذي يؤرخ ميلاد القصة المصرية القصيرة بقصته الأولي أرخض ليالي ثم الطيب صالح الذي دخل عالم الإبداع الروائي من خلال موسم الهجرة إلي الشمال التي أصبحت واحدة من أهم مائة رواية في العالم‏,‏ وترجمت إلي نحو ثلاثين لغة‏,‏ وشقت تيارا جديدا في مسرح الرواية العربية بأحداثها وشخصياتها التي عالجت التداعيات الدرامية للقاء لغة الشرق والغرب علي المستوي الإنساني تفاعلا وتصادما في الاحساس والمشاعر والتكوين الفكري بل وفي الجريمة والعقاب‏.‏

درج الطيب علي أن يأتي إلي القاهرة عدة مرات في كل عام خاصة في فصل الشتاء ويقيم في كل مرة فترة تمتد إلي أسابيع‏,‏ وفي كل هذه الزيارات يكون في صحبة الصديق ـ صديق العمر محمود سالم الكاتب الموسوعي وصاحب أكبر مكتبة روائية للأطفال ـ والذين عرفوا محمود عرفوا إنسانا نادرا قادرا علي تجميع الأصدقاء خاصة من محبي الأدب‏,‏ حيث يتحول بيته إلي منتدي مفتوح يستمر فيه الحوار والسمر حتي ساعات الفجر‏.‏ كان الطيب في هذه اللقاءات يعزف عن أن يكون محط الأنظار ويتحدث بصوت خفيض وببطء‏,‏ ولايصدر أحكاما قاطعة بادئا حديثه بمقولة يخيل إلي ويعمد إلي اشراك الآخرين في الحديث‏..‏ وكان أقرب مايكون في كلماته وإيماءاته إلي أخلاق الصوفية بل لعله كان صوفيا في قرارة نفسه‏.‏ ولم أره متحمسا في حديثه إلا عندما جاء ذكر شاعر العربية أبو الطيب المتنبي حيث أفاض الطيب في الحديث‏,‏ وفي شرح أبيات شعره العبقري‏.‏

كان الحديث في بيت محمود يدور في الغالب حول محورين رئيسيين‏:‏ الأدب والسياسة‏..‏ وبعد عامين تقريبا أمتد الحديث إلي العلاقة بين مصر والسودان‏,‏ وذلك بمناسبة كتاب لمؤلف بريطاني عن حقبة الحكم الإنجليزي في السودان تحت شعار السيادة المشتركة‏,‏ وقد ترجم ونشر هذا الكتاب الصديق المصدوق للطيب الأستاذ محمود صالح الذي لازمه في فترة مرضه الأخيرة والعسيرة وظل معه حتي واراه الثري في أم درمان‏.‏ وفي هذا الحديث عن السودان رويت ما رأيته من دفاع وزير خارجية السودان محمد أحمد محجوب عن مصر لازالة آثار العدوان الثلاثي علي مصر‏.‏ وكان السودان قد حصل لتوه علي الاستقلال ثم بعد ذلك بعشرة أعوام‏..‏ وكيف استقبل شعب السودان جمال عبدالناصر استقبالا أسطوريا وهو قادم لحضور مؤتمر القمة العربي بعد عدوان‏67‏ وكيف كان لهذا الاستقبال أثره المعنوي الكبير علي الرئيس عبد الناصر في وقت كان مازال يعيش فيه صدمة الهزيمة وكيف كتب رئيس الوزراء محجوب الدور الرئيسي في تحقيق المصالحة بين الرئيس عبد الناصر والملك فيصل وإنهاء النزاع حول اليمن‏,‏ ثم تحدث الإخوة السودانيون عن الأحوال الراهنة‏,‏ وعن غياب الدور الثقافي المصري‏,‏ وقد قاد هذا الحديث إلي تنظيم ندوة
مهمة في المجلس المصري للشئون الخارجية حول العلاقات المصرية السودانية شارك فيها الأستاذ محمود صالح والدكتور حسن الأبشر وكلاهما من السودان‏,‏ كما شارك من مصر الدكتور يونان لبيب رزق وكان الطيب صالح هو نجمها واتفقنا علي ضرورة العمل علي أن تستعيد مصر وجودها الثقافي في السودان‏,‏ وأسسنا لذلك مجموعة عمل عن السودان في المجلس‏.‏

كنت أعمل في بعثة مصر لدي الأمم المتحدة بنيويورك أيام أن أعلنت الوحدة بين مصر وسوريا‏,‏ وسمعت وزير خارجية السودان محمد أحمد محجوب يتحدث مازحا إلي السفير عمر لطفي مندوب مصر الدائم آنذاك ويقول له‏:‏ ما الذي يجعلكم تذهبون إلي سوريا لاقامة وحدة معها‏..‏ بينما حياتكم مرتبطة بحياتنا في السودان؟ ألم يكن الأولي أن تكون هذه الوحدة معنا؟

لست في معرض الانتقاد للوحدة مع سوريا فتلك كانت حقبة القومية العربية التي ارتفع فيها شعار وحدة المصير وهو شعار ينطبق أكثر ماينطبق علي مصر والسودان وهي وحدة لاتعني بالضرورة وحدة سياسية بقدر ماتعني دعم الروابط والحفاظ علي الهوية الواحدة‏,‏ وحدة وادي النيل التي طالما نادينا بها منذ فجر الوطنية المصرية السودانية‏..‏ يترك رحيل الطيب صالح فراغا موحشا يذكرنا بما أصبح ماثلا علي ساحة العلاقات بين الشعبين المصري و السوداني أو شعب وادي النيل خاصة علي المستوي الثقافي في عالم يزداد اضطرابا وتمزقا رغم كل انجازات العلوم والتكنولوجيا أو ربما بسببها‏!‏

ستظل صورة الطيب صالح في حياتنا التي تنسجها ابداعات الثلاثية المصرية السودانية العبقرية نجيب محفوظ ويوسف ادريس والطيب صالح‏.‏

عصام همت

عدد الرسائل: 922
تاريخ التسجيل: 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الجمعة 27 فبراير 2009, 8:33 pm

الطيب صالح: أتمنى أن أخرج سليماً من محنة الكتابة ... أما سيرتي الذاتية فلا أفكر بها
الخميس, 27 نوفمبر 2008 15:20
القاهرة: الحياة
اعتبر الطيب صالح فوزه بجائزة القاهرة للابداع الروائي قبل اسبوعين بمثابة تكريم لمساره الابداعي والاهم من ذلك كونها تكريماً للسودان وللثقافة السودانية. ونفى ان يكون قصد في كلمته التي ألقاها في حفل ختام ملتقى الرواية العربية في القاهرة التعريض بالكاتب المصري صنع الله إبراهيم وموقفه الرافض للجائزة في دورتها السابقة وحينها كان الطيب صالح رئيساً للجنة تحكيمها. وقال صاحب "موسم الهجرة الى الشمال"، "ان صنع الله ابراهيم كاتب كبير ويحق له اتخاذ المواقف التي يراها مناسبة ولكن هناك مواقف تستدعي الرفض من دون أي شك. أما اذا منح الكاتب جائزة من بلاده فلا اتصور ان عليه رفضها في هذه الطريقة". واعتبر "ان سلوكاً من هذا النوع يتبناه الكتاب لن يغير الحقائق السياسية الكبيرة التي يحتاج تغييرها الى مواقف جماعية وادوات اخرى للرفض". وقال صالح: "انا شخصياً غير مرتاح لوجود سفارة اسرائيلية في القاهرة ولكني افهم واقع العالم حالياً, ولا اخفيك ان موقف الرفض الذي يتبناه صنع الله ابراهيم من الجائزة لم يعجبني وانا رئيس اللجنة التي منحته أياها, لكن الجملة التي اخذها الناس علي في الحفلة وقلت فيها ان رفض الرفض حماقة لم يكن في خاطري وقتها انها تمس صنع الله واذكر ان القاعة تجاوبت مع سخريتي من نفسي ومن حماقة السياسيين".
هنا النص الكامل للحوار الذي اجري في منزل الطيب صالح في ضاحية المهندسين - القاهرة.


عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الجمعة 27 فبراير 2009, 8:45 pm

هناك عشرات المقالات التي تشير الى تواضع نظرتك الى قيمة ما تكتب ورجاء النقاش على سبيل المثال اشار الى ذلك اكثر من مرة فما مرجع هذا التواضع؟
- اولاً يجب ان اقول انني مدين لرجاء النقاش لانه كان اول من نبه الى عملي من دون ان اعرفه أو يعرفني, أما ما تقوله ويقوله الآخرون عن تواضعي فأنا اتصور ان سلوكي لم يرق الى مستوى اسمي، فـ"لا انا طيب ولا صالح". وفي الحقيقة انا غير متواضع ولكني اعرف كيف ابتعد عن نشاط الكتابة لأنني اظن ان الكتابة هي نشاط واحد ضمن نشاطات عدة في الحياة, وهناك اشياء اخرى غير الكتابة يمكن ان يفعلها المرء وتسعده في القدر نفسه, فأنا عاشق للسفر وللقراءة ودائماً اقول اذا كتبنا باستمرار فمن سيقرأ الكتابات الجميلة التي يكتبها الآخرون؟! ومن دون أي تزييف، علاقتي بالكتابة كنشاط ابداعي ليست قضية حياة أو موت كما يتصور بعضهم وكما قلت في حفل تسلم الجائزة، فأنا لم اشأ ان استسلم تماماً لغواية ساحرات الفن الشريرات. وكما نقرأ في سير المبدعين الكبار، فإن الكثيرين منهم تعذبوا بسبب الكتابة لأنهم ألقوا بأنفسهم تماماً في براثن هؤلاء الساحرات، اما انا فتكفيني المراوغة, أقترب أحياناً وأبتعد أحياناً أخرى, ولكنني أتمنى ان اخرج سليماً من محنة الكتابة.
ألهذه الاسباب تعتز دائماً بما تقوله عن اصرارك على البقاء في الهامش؟ واسمح لي انا لا أفهم كيف يتكلم كاتب شهير مثلك عن الهامش وقد بدأت رحلتك مع الكتابة بعمل وضعك في المتن تماماً وتحت الاضواء؟
- أتفق معك انها معضلة حقيقية، لكنّ تكويني النفسي - مثلي في ذلك مثل مئات السودانيين - يجعلني لا اعلن عن نفسي بسهولة ومن ثم لا رغبة لدي في الاستسلام للاضواء، واتصور ان الكاتب الذي يستسلم للشهرة يعرض نفسه وموهبته لخطر التزييف، وعندما يجد الكاتب نفسه متورطاً في سجالات عبر وسائل الاعلام يتحول شخصاً آخر, ويصبح بالتحديد "نمطاً" لأنه راغب في الاستسلام لصورة الناس عن الكاتب وغير مخلص لصوته أو قناعاته. وانا احاول قدر الامكان ألا أتورط في خضم المنابر الاعلامية خصوصاً أن لدي خبرة طويلة في العمل الاعلامي، ومن ثم ارجو ان اكون حققت في مسيرتي نوعاً من الحصانة من الاضواء لأن الحصانة الكاملة مستحيلة.

بعد صدور كتابك الجديد "منسي" وسائر الكتب الأخرى التي تضم مقالات لك، هل تعتقد ان الحديث عن توقفك عن الكتابة لم يعد له محل؟ وفي معنى آخر هل أعفتك هذه الكتب من التساؤلات عن اسباب توقفك عن الكتابة الابداعية؟

- انا لم اتوقف اطلاقاً عن الكتابة, على رغم انني توقفت عن نشر الاعمال الروائية حتى صدرت رواية "منسي". وما حدث انني كنت اكتب اشياء اخرى ولدي مقالات اظنها ارقى وأكثر عمقاً من ان تصنف كمقالات صحافية، وانما هي تتضمن رؤيتي الى اعمال ادبية وقضايا فنية نشرتها في مجلة "المجلة"، ومنها تأملاتي في عالم الشعراء الكبار مثل ذي الرمة وابي العلاء المعري والمتنبي وسواهم, وهي كتابات أخذت وقتها في التحضير والقراءة. واؤكد لك انني لم استشعر يوماً ازمة توقف في الابداع لأنني لم افكر في كتابة رواية وفشلت، وانما كنت انظر الى ما كتب واستمتع به.
بعضهم ينظر الى "منسي" كنص سيري, وهو ما يدفعني للسؤال: هل فكرت يوماً في كتابة سيرة ذاتية على الاقل لتعويض غيابك عن كتابة الرواية؟
- لم احس الى الآن أن الوقت حان لكتابة سيرة ذاتية، وأنا غير مقتنع أصلاً بجدواها حتى لو كتبتها. وستُدهش اذا قلت لك انني مفتون بكتابات السيرة الذاتية وأعيد حالياً قراءة سيرة حياة المفكر المصري عبدالرحمن بدوي، وأجد فيها قدراً من المتعة لا يغيبها سخطه على العالم. والسيرة الذاتية اجمالاً فن ممتع وعندما اقترب منه سيكون لدي ما اريد قوله أو الرغبة اللازمة في ذلك. ومع هذا يمكن ان تجد في بعض مقالاتي اطيافًا لهذه السيرة وتأملات حول اشخاص واحداث ربما انظر فيها يوماً ما وأضمها في كتاب ليقرأ وفق اقتراحك.

ماذا عن تصورات بعضهم حول تداخل سيرتك الذاتية مع سيرة مصطفى سعيد بطل "موسم الهجرة الى الشمال" أو الراوي العليم فيها؟
- لا اظن ان في مقدور الكاتب التنصل من الشخصيات التي يبدعها لانها تنبع من خياله ومن تجارب عاشها أو تابعها في حيوات الآخرين. لكن ما يحيرني ان الناس لا تتوقف امام بقية شخصياتي الروائية في "مريود" و"ضو البيت" أو "عرس الزين" لتقارن سيرتي معها، وانما المقارنة تبقى فقط مع مصطفى سعيد على رغم ان مواقفه لا تشبهني ولا تغريني على المستوى الانساني وانما كتبتها لضرورات فنية بحتة.

المتأمل في رحلتك مع الحياة منذ الطفولة حتى الآن يلمس هذا الغياب الواضح لتأثير المدينة السودانية فى كتاباتك التي تذهب كلها في اتجاه الحنين الى سنوات الطفولة في القرية وكأنها بحث عما تسميه "الفردوس الضائع"!
- هذا صحيح ربما لأن البيئة التي نشأت فيها كانت من الثراء والتنوع بصورة لا يمكن فقد تأثيرها على رغم كل الخبرات والتجارب التي عشتها. فأنا ابن قرية على النيل وفي الوقت نفسه هي امتداد لبادية تقطنها قبيلة عربية من رعاة الابل، كما انها المنطقة التي تجمع التراكمات الحضارية التي مرت على السودان منذ ايام الفراعنة وحتى الآن. ومن ناحية اخرى اعتقد ان المدن السودانية ليست الا امتداداً للقرى ومن النادر ان تجد فيها الصفات التي تقترن بمعنى المدنية الموجود في المدن الكبيرة مثل القاهرة أو دمشق أو بغداد، ومن ثم لم اجد فيها هذا التأثير المغري، وان حياتي كانت قصيرة فيها الى درجة انك لا يمكنك ادراك هذا التأثير أو أن تشكل الاحساس المزمن بالفقد أو الغياب. فقد خرجت من القرية بعد محطة انتقالية قصيرة في الخرطوم وأم درمان الى لندن مباشرة للعمل في محطة الاذاعة البريطانية "بي بي سي".

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الجمعة 27 فبراير 2009, 8:54 pm

كلامك عن كتابتك بصفتها وسيلة لمد جسور بينك وبين بيئة خرجت منها، يجعلني أشعر احياناً من خلال ما تصرح به انك نادم على قرار خروجك من السودان الى لندن من أجل الدراسة والعمل, فهل هذا صحيح؟
- والله يا اخي بصراحة قرار الخروج من السودان منحني تجارب وخبرات، ولكنني في لحظات الاعياء اتمنى لو لم اخرج من السودان. لكن سؤالك افتراضي على الاقل لأن السودان نفسه تغير بحيث لو بقيت فيه لكانت معاناتي اكبر مما عشت في الخارج.
على رغم تنوع الوظائف والبلدان التي عملت فيها، الا انك رفضت دائماً الالتحاق بأي حزب سياسي سوداني، ورفضت قبول أي منصب رسمي يعرض عليك في بلادك, فعلى أي اساس بنيت هذا الرفض؟
عشت دائماً أسير الاحساس بعدم الرغبة في التورط في أي شيء أو ان ألتصق به التصاقاً تاماً. وعملي في الـ"بي بي سي" أنمى فيّ فكرة عدم الارتباط بمواقف الجهات التي اعمل معها، فهي مؤسسة غير حكومية ولا تلزم من يعمل فيها بأية اعباء غير مهنية، ومن ثم فهي موئل مهم لتنمية فكرة التحرر. وحتى عندما عملت في قطر سواء في وزارة الاعلام أو كممثل لمنظمة اليونسكو في الخليج عشت في مناخ طيب جداً ساعدني على الاحتفاظ بحريتي. وأتصور أنني لو عملت في السودان لتورطت في نزاعات ومواقف لا حصر لها. ويبدو انني كنت ارغب في ان اظل بعيداً من معترك الاعمال السياسية غير النزيهة وأدفع ثمنها، وانا أصر على ألا أدفع ثمن مثل هذه الأمور.
خلال إقامتك الطويلة في لندن لماذا لم تتحول الى كاتب منفى يكتب بلغة اخرى غير العربية أو يكرس كتاباته لفكرة الحنين بذاتها كما فعل بعض كتابنا العرب الذين مروا في تجربة شبيهة بتجربتك؟
- والله لا أعرف, ولكن يمكن, لأنني احتفظ في نفسي بمساحة تجعلني غير راغب في التورط في الكتابة تماماً. وربما تتعجب اذا قلت لك انني احتفظ بجواز سفري السوداني ولم اطلب الجنسية البريطانية على رغم انني عشت في لندن ما يقرب من نصف قرن ومتزوج من سيدة بريطانية، لكنّ هذا الزواج نفسه خضع للشروط الانسانية الطبيعية وليس لأي شرط آخر، بما في ذلك فكرة مراجعة الهوية أو نفيها. وهناك عبارة في "موسم الهجرة" وعلى لسان الراوي تشير الى علاقتنا بالانكليز قلت فيها "نتكلم لغتهم من دون احساس بالخجل أو بالجميل"، واللغة ليست الا اداة لم اكن في حاجة اليها وانا اكتب على الاقل لأن نظرتي الى الاشياء أو رؤيتي الى العالم تقوم على التوازن ولا يوجد أي تطرف فيها. وعندما تسألني عن مفهومي للهوية افضل ان افصل نفسي عن الاشياء, ومن ثم لا تؤرقني قضية من انا، وقد يلح هذا السؤال اثناء الكتابة فقط, ويخطر في بالي الآن ان رغبتي في الهرب من الغوص في اعماق نفسي قد تكون السبب الرئيس في مراوغتي للكتابة والهرب منها.
هناك اكثر من اشارة في مقالات نقدية كثيرة الى اقتراب نص "موسم الهجرة الى الشمال" من عمل جوزيف كونراد الشهير "قلب الظلام"، فما حدود هذا الاقتراب وهل كانت في داخلك الرغبة في كتابة "مقلوب" فني لنص كونراد يغير مسار الرحلة؟
- هذه الملاحظة كان ادوارد سعيد اول من قالها كدارس لكونراد، وأتصور ان قصده من ورائها كان قصداً حسناً على رغم ان بعضهم استخدمها في غير ذلك في معرض النيل من روايتي. وأؤكد لك انني حين كتبت "موسم الهجرة" وعندما نشرتها لم اكن افكر في نص كونراد أو اطلع عليه في هدف كتابته معكوساً كما يتصور بعضهم.
في كل الاحوال الرواية كانت مفارقة في طرح اشكاليات العلاقة بين الشرق والغرب وسؤالي: هل كنت اطلعت قبل كتابتها على النصوص العربية السابقة عليها في تناول الموضوع نفسه مثل "قنديل ام هاشم" أو "الحي اللاتيني" لسهيل ادريس؟
- موضوع الرواية بقي يختمر في ذهني فترة طويلة ولم يكن في بالي مجاراة أي نص أو محاكاته. وفي الحقيقة قرأت "قنديل ام هاشم" في فترة باكرة من حياتي لكنني قرأت "الحي اللاتيني" بعد سنوات من كتابة "موسم الهجرة" وأرى ان لكل كاتب منظوره الخاص في معالجة الموضوع.
في كتابتك - كما لاحظ رجاء النقاش - صورة مختلفة للمرأة, فهي قوية وقادرة على الفعل والحلم والتأثير, وعلينا ان نتذكر مثلاً "بنت مجذوب" في "موسم الهجرة" أو "مريم في مريود" وهي صورة نادرة كذلك لأنها تخالف الصور المســتقرة في ادبنا للمرأة المقهورة. والمدهش ان وجودك المبكر في الغرب لم يسقط بك في فخ التنميط أو الاستجابة للمقاربات الاستشراقية لصورة المرأة العربـية، فـمن أين جئـــت بهـــذه الصـــور الفريدة؟
أولاً انا اشكرك على الملاحظة ولكنني أود القول إنني لم اخترع شيئاً وانما هي صورة عشتها مع النسوة في عشيرتي وبين اهلي. فالمرأة عندنا كائن كامل وشريك يعتمد عليه تماماً في ادارة البيت. وأقولها بصدق ان الناس يخضعون احياناً لصفات يسبغها الآخرون علينا كما لاحظ ادوارد سعيد، فقد صدروا لنا رؤية تشير الى اضطهاد المرأة في مجتمعاتنا فصدقنا ذلك وسعينا الى تأكيده في الكتابة والممارسة اليومية وتجاهلنا ارثاً كاملاً كانت المرأة حاضرة فيه. وانا على سبيل المثال زرت بلاداً مثل اليمن وموريتانيا وأدهشني جداً الدور الفاعل للمرأة في تلك البلدان.
هل لا يزال في داخلك الحلم باستكمال ثلاثية "بندر شاه"؟
- ارجو ذلك لأن هذا العمل مشروع يكاد يكون مكتملاً في ذهني واذا فرغت منه سأعتقد انني أديت رسالتي كمبدع.
عشت وتجولت بين مدن عربية كثيرة ولكن تظل لبيروت مكانة خاصة في داخلك. ففيها اقتربت من موئل الحداثة العربية وبالتحديد من يوسف الخال ورفاقه روّاد مجلة "شعر"، على رغم ذلك ابقيت نفسك خارج قناعاتهم الفنية، والموقف نفسه ينطبق على علاقتك بتوفيق صايغ: كيف حافظت على العلاقة الانسانية وأوجدت المسافة الفنية مع هذين الاسمين بما يثـــار حولهـــما من سجـــالات؟
- اولاً يوسف الخال نفسه ينطبق عليه التعبير المصري "شيخ عرب" أي انه كان رجلاً كريماً في كل معاني الكلمة في مشاعره وأفكاره وسلوكه اليومي، وكنت اتابع جلساته التأسيسيه وأتأمل افكاره هو ورفاقه وأسخر من افكارهم حول تجديد الشعر العربي وأنظر الى محاولاتهم الآن بموضوعية وأؤكد انهم لم يكونوا اصحاب نيات سيئة تتعلق بالابداع العربي، ولا يجوز النظر الى مقترحهم الجمالي نظرة اتهامية. وتوفيق صايغ بالنسبة إلي شاعر كبير تعرض بدوره لظلم نظراً الى ما اثير حول تمويل مجلة "حوار" التي نشرت فيها "موسم الهجرة الى الشمال" بهدف اساس هو مناصرة صديق كان يتعرض لمحنة تخلى عنه فيها اصدقاء كثيرون مع انه كان انساناً متحضراً واسع الثقافة.
واجمالاً ارجو ان تفهم انه لا توجد لدي مواقف معادية لقصيدة النثر، فهي جنس ابداعي لا يمكن انكاره، لكنّ ذوقي الشعري في اتجاه آخر مفعم بالحماسة للشعر الكلاسيكي وخصوصاً للمتنبي وأبي العلاء المعري وأبي نواس وكذلك احمد شوقي ونزار قباني، ومن السودان محمد الفيتوري ومحمد احمد المجذوب ومحمد المكي ابراهيم والياس فتح الرحمن، كما احب محمود دوريش وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي ومن الشعراء الشباب في مصر احب أحمد بخيت.

هل فكرت مرة في كتابة الشعر بتأثير عشقك له واطلاعك الواسع على تراثه؟
- لم اكتب الشعر ابداً إلا من قبيل المزاح وفي جلسات السمر مع الاصدقاء.
وما الموسيقى التي ترتاح الى سماعها؟
- احب موسيقى الجاز وأعمال بوب روبسون وماهيلا جاكسون وأحب الاغاني السودانية بصوت محمد وردي والكابلي وكذلك احب فيروز وأم كلثوم وعبدالوهاب وأطرب للمقامات العراقية كثيراً.
إنتهى .

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الإثنين 02 مارس 2009, 1:41 pm

من أين جاء هؤلاء ؟؟
لو إكتفى الاديب الراحل الطيب صالح بهذه المقالة فقط فى كل تاريخه العظيم ,لخلدته فى افئدة السودانيين أبد الدهر..ناهيك عن ....
موسم الهجرة للشمال
عرس الزين
ضو البيت (بندر شاه)
مريود (بندر شاه)
دومة ود حامد ....
* نخلة على الجدول
* حفنة تمر
* رسالة الى إيلين
دومة ود حامد ....
* إذا جاءت
* هكذا ياسادتى
* مقدمات
* أغنية حب
* خطوة للامام
* لك حبى حتى الممات
* الاختبار
* سوزان وعلى
---
منسى إنسان نادرعلى طريقته..وخواطر الترحال ..ومقالات شتى فى ضروب الادب والثقافة .
اللهم أرحم الطيب صالح ابا زينب الإنسان الاديب , الفيلسوف العبقرى , الماهل الطيب الحكيم
وأغفر له ما تأخر وما تقدم من ذنوبه واسكنه فسيح جناتك مع الصديقين والشهداء وحسن اولئك
رفيقا .


عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الإثنين 02 مارس 2009, 1:44 pm

من أين جاء هؤلاء ؟
هل السماء ماتزال صافية فوق ارض السودان أم أنهم حجبوها بالأكاذيب؟
هل مطار الخرطوم مايزال يمتلئ بالنازحين ؟ يريدون الهرب الى أى مكان, فذلك البلد الواسع لم يعد يتسع لهم .كأنى بهم ينتظرون منذ تركتهم فى ذلك اليوم عام ثمانية وثمانين.
يُعلن عن قيام الطائرات ولا تقوم. لا احد يكلمهم لا أحد يهمه امرهم.
هل مازالوا يتحدثون عن الرخاء والناس جوعى ؟ وعن الأمن والناس فى ذعُر؟ وعن صلاح الأحوال والبلد خراب ؟
جامعة الخرطوم مغلقة, وكل الجامعات والمدارس فى كافة أنحاء السودان .الخرطوم الجميلة مثل طفلة يُنويمونها عُنوة ويغلقون عليها الباب, تنام منذ العاشرة,تنام باكية فى ثيابها البالية, لاحركة فى الطرقات . لا أضواء من نوافذ البيوتز لا فرح فى القلوب. لاضحك فى الحناجر لاماء , لا خبز,لاسُكر, لا بنزين , لا دواء.
الأمن مستتب كما يهدأ الموتى
نهر النيل الصبور يسير سيره الحكيم, ويعزف لحنه القديم . (السادة ) الجدد لايسمعون ولا يفهمون. يظنون أنهم وجدوا مفاتيح المستقبل .يعرفون الحلول.موقنون من كل شى, يزحمون شاشات التلفزيون ومكرفونات الإذاعة .يقولون كلام ميتا فى بلد حى فى حقيقته ولكنهم يريدون قتله حتى يستتب لهم الأمن.
من أين جاء هؤلاء الناس؟ أما رضعتهم الأمهات والعمات والخالات؟ أما اصغوا للريح تهب من الشمال للجنوب؟ أما رأوا بروق الصعيد تشيل وتحط؟ أما شافوا القمح ينمو فى الحقول وسبائط التمر مثقلة فوق هامات النخيل؟ أما سمعوا مدائح حاج الماحى وود سعد, وأغانى سرور وخليل فرح وحسن عطية والكابلى واحمد المصطفى ؟ أما قرأوا شعر العباس والمجذوب؟ أما سمعواالأصوات القديمة ,وأحسوا الاشواق القديمة؟ ألا يحبون الوطن كما نحبه ؟إذا لماذا يحبونه وكأنهم يكرهونه ويعملون على إعماره وكأنهم مسخرون لخرابه ؟
أجلس هنا بين قوم أحرار فى بلد حر , احس البرد فى عظامى واليوم ليس باردا.أنتمى الى أمة مقهورة ودولة تافهة. أنظر إليهم يكرمون رجالهم ونساءهم وهم أحياء, ولو كان أمثال
هؤلاء عندنا لقتلوهم أو شردوهم فى الأفاق.
من الذى يبنى لك المستقبل يا هداك الله وأنت تذبح الخيل وتبقى العربات, وتميت الأرض وتحى الأفات ؟؟

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الثلاثاء 03 مارس 2009, 6:40 pm

الطيب صالح
ولدا فالح
من يم ما تبا
وليدا صالح
..
زولا مفضال ... مستور الحال
ما بيعرف يقول ده محال
مهما اتغرب و مهما جال
تلقى قليبو مع التربال
..

ترابلة بلدو ...
تحت الدومة اتلمو وقعدو
فيهن يونس ود الريس
وداك مريود الديمه مقيس
و داكا الزين زول الله مهيص
..
بت مجدوب ديك حالا براها
مو فهمانى الخبر الجاها
قالو الطيب ... نان مو طيب
قامت وقعدت ... قامت وقعدت
سرخت نان بالصوت العالى
مالو آناس الراجل الطيب ؟!
..
شان ود صالح قلبو حنين
متحمل آلام الساقى بقالو سنين
شان هى نشافا
نشف قلبو و زادو أنين
...
يسأل نفسو ... وين الترباله ؟!
وين يا رب ... وين الرجاله؟!
وين يارب ... وين الصالحين؟!
وين الفقرا ... و ناس الدين ؟!
..
جاهو الرد من بت مجدوب
شوف آ الطيب ... ناسك ديل
ماهن عايشين !!
و الزين داك القلبو حنين
جايى يكورك
ديل عايشين ... زى الميتين !!
..
فيهن ناسا مرضانين
وفيهن ناسا تجار دين
و فيهن ناس كيفن زاهدين
و فيهن ناسا مو قايلين
يجيهن يوم زى يوم الدين
يوما ينشف فيهو الطين !!
..
و حوضنا الكان دايما رويان
ناشف تب
لا فى مطيره
و لا باجور
حتى النيل
الديمه دميرى
يوم الليلى صبح عطشان !!
..
و الزين داك زى الضهبان
يحفر و ينقح فى الحيضان
مو قايل
ود حمد صالح بقالو سنين
فى حوش العمدة هناك مرضان !!
..
وناس الحلى اتلمو صباح
بى فقراهن و الصلاح
سمو اسم الله وندهو رسولو
يغتى الطيب من كل شر
لامن صادى يجيهن راجع
عاد يوم داك يوم الأفراح
..
و كل الحلى بتسأل ... و تسأل
كيفن عاد ود حمد صالح
ياكلو الحوت فى بحرا مالح ؟؟!!
و ناس الزين ...
و ناس مريود ...
ود الريس ...
و بت مجدوب...
متلمين فى ضل الدومه
راجين جية الولد الفالح !!
..
الكل قام واقف لاحيلو
سمو اسم الله و ندهو رسولو
قالو هناك لازم نمشيلو
ولدا مو "مقطوع الطارى"
كل خلق الله أهلن هيلو
..
ود الريس قايد القايدى
و داك مريود جاهن من غادى
و داكا الزين ... جارى يخب
تلب فوق حيشان العمده
أول مره يجيهن صادى
..
و بت مجدوب متبلمى تب
عيونا بكن ...
دموعا جرن ...
على كليمى طلعت خافتى
قالت ديل ياهن اولادى
..
بت مجدوب سرخت فى اللمه
ندهت الله يكشف الغمه
يجيب الطيب ليهن راجع
يتحكر فى قلب الأمه
..
بت مجدوب قالت حرم
عليها نزر لابد من دم
يجيب الطيب من وين ... وين
فشان وسط اهلو يجر النم
فشان قرقير ود حمد صالح
يفرج الكربه يشيل الهم
..
و بدل الطيب جاهن صايح
يبكى يصيح فى زولا رايح
يبكى يكورك بى طول حسو
يا ناس هوى ...
ناس كرمكول ..
ناس الدبه ...
ناس مروى ...
ناس كريمى ...
يا ناس هوى ...
يا ناس من جم ...
أبكو معاى ود حمد صالح
قالو غرق فى بلدا باردى
بلدا فوق ... فوق بحر المالح
..
مات فى بلدا كيفن باردى
و طيرا عجم ...
بلدا ما فيها خلوق تتلم
لا فيها دليب لا فيها نحاس
ما فيها العرضه و ناس حرم
لا فيها بطان يسيل لو الدم !!
..
بت مجدوب يوم نطقت قالت
عاد الطيب ما بتعوض
كلاما كتر ...
و حديسا كتر ...
و ناس الحلى دموعن سالت
..
يوم شافو الجنازى هناك
بت مجدوب دموعا جرن
و كل زول فى بكانو حرن
كل زول لى صويحبو قلد
و قال ... الليلى اتبشتن
..
قامو الفقرا قالو آ ... خوانا
داك قدرا من ربنا جانا
أسألو الله خالق الكون
و الصلاح يقيفو معانا
و روحو الطاهرى يوم الحق
فى الفردوس تعيش فى جنانا
----
ابراهيم الكرسنى
الخميس 19/2/2009

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الأربعاء 04 مارس 2009, 10:52 pm



في رحيــل الطيب صــالح

كَزَرْعٍ أنتَ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ... و زهى من جماله وتلألأ .
سيدي...
جئتَ لغيبتك الكُبرى . تعوي كائنات الكون كلها من مُر الفجيعة ، ويأتزر النائحون كما كان أهلنا في قديم الزمان يفعلون وتنطلق المناحات غِناءً مسفوحاُ بسكين الحُزن . ها هو يومك قد جاء ونحن في أمسّ الحاجة لرُكن البيت الذي يُعمّره كِبارنا بأفعالهم .
تُرى أي النصال هي التي ترمي جراحاتنا بأسهُمها القتالة فتُكسِّر بعضها، وأي شجر يتأبى السقوط من توقٍ إلى العُلا .. هو أنتَ .
كنتَ أنتَ سيداً من سادة الأعالي . بصوتك العميق الخفيض انطلقتَ من الثرى إلى الثُريا . جاء ميعاد رحيل الكتلة الكثيفة منكَ وحان موعد الروح لتأتلق . هزمتَ كل أمانينا الطيبة واخترت المشيئة وتآمرت معها كي تهرب من الكتابة ، وأن وعود فألك الطيب لنا ليس لإتمام الرواية التي انتظرتك َو تحلُم أن تستقطع من صحتك لنحيا من بعد ونعيش وَجدَكَ المغسول من ملامح الأرياف . فروحك حان ميعاد انطلاقها من سجن الجسد ، ترفرف أجنحتها المضيئة تدور في الأفلاك وتنظرنا من البعيد .

بكاؤنا اليوم مرٌّ بطعم الحنظل . فارقنا اليوم راسم شخوص الصندل من عبق التُراث ومُطلِقْ بخور القص ..فراشةٌ أنت تتنازع المحبة والعذاب وتدخل نار الأقاصيص من فرحٍ . كنتَ سيدي تُحب وتتعذب . يذوب البنان منك من وهن العاطفة العاصفة . نقرأ فنرشُف عسلك المخلوط بإبر النحل . نشفى ونشقى وتعب لذيذ يسري في الأوردة والشرايين . ذهنكَ المفتون بالطفولة في القرية الوادعة يَثِبُ على ظهور الأفراس في أحسن ما تكون القصص .

حُييت سيدي وبُوركتَ ،

أبكانا فراقُك أنت وأشياء أخرى تستنهضك ، و( دومة ود حامد ) تنتظر أن تثوب إلى مآلها أنثى ناضجةً كرواية مفتوحة الآفاق . ها هي الأحزان تُقعدنا عن النجوى وفارقنا وهج الأفراح ونحن نهبط من حُزنٍ إلى آخر حتى بلغنا عميقَ جرح فراقك فينا . أهي خطايانا أن نذرف الدمع كموجٍ متواتر الحركة من العاطفة المشبوبة إلى الرحيل ؟.
لا أعرف إلا أماً واحدة يُضاهيها فراقُكَ حُزناً كثيفاً على القلب
.أدار المولى أيقونة محبتِكَ في أنفُسنا منذ طفولتنا الباكرة وعلى الفم كرزة وفي الخاطر شجنٌ وتجمّلت دواخلنا من فسيح قصور القص ونحن نتجول ، أو في البراري عندما ندخل من كهف أسرارٍ إلى آخر ، فنعرف آخر المطاف أن عالمك كتبته لنا وسقيته من رياحين محبتك ألفة وعشرة . كانت دنياك بين أيدينا ولم نعرفها حتى حَببها إلينا بنانك الرشيق .
بإذن مولاك الذي تُصافيه صباحكَ والمساء . تجلس لأورادك ، وتتسمع إيقاع "الدليب" مُشتبكاً بعذوبة أصوات مداح رسول الله .

كأنك صورة من جدِك الذي نحتتهُ عصافير الطفولة الحانية قرب الشواطئ وبيوت الطين الساكنة في الليل وتخفي معارك الحياة من تحت الأستار. تدور علينا أنخاب الطيوب التي سقيتنا من خمرها وجمَّلتَ الوجدان .
على مرقدِك أنّا تكون ، ستنام مومياء ملوكية الأثر ، متواضعة كأهلنا الطيبين . غَنّت لنا أغانينا وسعدنا ذات صباح وجلسنا عصراً للقهوة وفي المساء للأنُس.

بإذن سيدنا ومالك أنفسنا ، تندلق قُدور الجنان وتُحلق عصافيرها مع روحك السابحة في عليائها لتكُن مع منْ تُحب .

عبد الله الشقليني
18/02/2009 م

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الثلاثاء 10 مارس 2009, 7:41 pm


الطيب صالح: عيد الميلاد

* من العادات الحسنة عند الإنجليز – وكذلك بقية الأوروبيين – أن رغبتهم في البذل وعمل الخير تتحرك في مثل هذه الأيام، في محطات السكك الحديدية، وفي الشوارع والميادين العامة، وأمام أبواب المحال التجارية، وأحياناً يطرقون أبواب البيوت – جوقات من المنشدين، صبية وبنات، ومعهم موجهون من الرجال والنساء، يعترضون المارة بترانيمهم الجميلة، بعضهم لم يتجاوز السابعة من العمر وكل واحدة او واحد، يحمل علبة يضع فيها ما تجود به نفسك.
وجوه غضة، وعيون مشعة، وأصوات بريئة صافية، يجمعون التبرعات لعمل الخير. ملاجئ العجزة ومآوي المشردين. جمعيات مكافحة الخمور والمخدرات. والبحوث الطبية وإنقاذ المستشفيات المهددة بالإغلاق. ضحايا الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية.
“ في عز الشتـاء القاتم
أخذت الرياح الثلجية تولول
الأرض صلبة مثل الفولاذ
والماء جامد كالحجر
الثلج يسقط
ثلج فوق ثلج فوق ثلج”
يحبون أن ينزل الثلج في عيد الميلاد، ويقولون (عيد ميلاد أبيض) ولعله لا يسقط هذا العام، فالشمس تشرق، وقد خدعت بعض النباتات فازهرت قبل أوانها. والأبيات من ترنيمة للشاعرة (كرستينا روزتي – 1830—1894) أخت الشاعر(دانتي قابرايل روزتي) وأشهر شاعرات العصر الفكتوري.
إنما هذه الترانيم، صنعها في الغالب، فقراء الشعب بطريقة عفوية تعبر عن إحساسهم الديني، وهو عندهم أعمق مما هو عند الأغنياء ولا تخلو من المرارة والوخز للطبقات المحظوظة.
كل ذلك اختفى بمرور الأيام، وتغير الأحوال، ولم يبق إلا الجانب الروحي الذي تراه أوضح ما يكون في وجوه هؤلاء الأطفال. يغنون للمثل الأعلى للطفولة في خيالهم، ويجمعون التبرعات لأطفال مثلهم، في بلاد لم يروها بأعينهم.
ولد طفل في حظيرة أغنام، كما تزعم روايتهم، لأن السيدة البتول عليها السلام لم تجد مكاناً في الخان. ولد في بيت لحم من أعمال بيت المقدس. رأى الرعاة النجم فاتبعوه، ووضعوا هداياهم من الحملان بين يدي الطفل. ورأى الحكماء الملوك الثلاثة النجم حتى أتوا الوليد في الحظيرة، فوضعوا عنده هداياهم من التمر واللبان والبخور والذهب والفضة. هكذا تقول روايتهم.
ماذا أستطيع أن أهديه؟
وأنا فقير ليس عندي شيء
لو كنت راعياً كنت أهديته حملاً
ولو كنت من الحكماء الثلاثة
كنت أهديته كما يجب إنما يا للأسف، ماذا أستطيع أنا أن أعطيه؟
سوف أعطيه قلبي”
هكذا فعلت أوروبا مع السيد المسيح عليه السلام. جعلوه رمزاً يناسب مزاجهم وظروفهم. ولد في عالم الشرق الدافئ المضيء. وكان هو نفسه ضوءاً. أخذوه رمزاً، وخلطوه بما عرفوا من رموزهم القديمة. جعلوا ميلاده في عز الشتاء لأنهم كانوا قبل أن يعتنقوا المسيحية، يحتفلون في هذا الوقت بالرقص والغناء والولائم. يبددون كآبة الشتاء، ويدفعون الخوف من المجهول، ويملأون ذلك الفصل الغامض بين العام المنصرم والعام الوليد بالصخب وافتعال الفرح.
سوف تمتلئ الكنائس بالمصلين في هذا الموسم في بلاد أكثر من 8 في المائة من أهلها لا يدخلون الكنيسة طوال العام. يرسلون بطاقات عيد الميلاد لأناس لا يتصلون بهم عادة، وتجتمع أشتات الأسر المبعثرة.
يجتمعـون حول غداء يوم الكريسماس. كانوا قبل أن يعرفـوا الديك الرومي، يولمون بالوز والبط. يلي ذلك حلوى عيد الميلاد التي يصنعونها من الزبيب والتوابل. يسرفون في الأكل والشراب والضحك.
بعد الغداء يأخذون الهدايا من بين أغصان شجرة عيد الميلاد، ينزعون عنها في ضوضاء الأغلفة الجميلة الملونة، الأطفال خاصة والكبار يعودون أطفالاً .
شجرة عيد الميلاد هي أيضاً تقليد جديد عندهم .منذ العهد الفكتوري. ويقال إن الأمير (ألبرت) زوج الملكة فكتوريا هو أول من فعل ذلك. وهي تكون إما شجرة صغيرة لم تكبر بعد، أو تكون فرعاً من شجرة من النوع الهرمي المخروط الذي يظل مخضراً صيفاً وشتاء.
يلفون غصونها بأشرطة ملونة، ويضيئونها بثريات كهربائية صغيرة مختلفة الألوان ويضعونها في الغالب عند النافذة بحيث يراها السائر في الطريق. وهو بالفعل منظر جذاب أن تكون الأرض مغطاة بالجليد والظلام الدامس، وتنظر فترى هذه الأضواء الجميلة تلمع من نوافذ البيوت.
يكون الأطفال قد استيقظوا مبكرين في الصباح، ووجد كل واحد منهم كرسياً مملوءاً بالهدايا، يقولون لهم إن أباهم عيد الميلاد (فاذر كرسماس) قد تركها لهم. يدخل خلسة بعد منتصف الليل من فتحة المدخنة.
بالليل يجتمعون أمام التلفزيون. تغلب عليه في هذا الموسم قصص الخيال والفكاهة والرسوم المتحركة. مثل (سنو وايت والأقزام السبعة) و(الأميرة النائمة) و(توم اند جيري) وهو موسم لقصص (شارلز دكنز) خاصة قصته (ترنيمة عيد الميلاد) التي يتحول فيها (سكروج ) البخيل إلى إنسان كريم رحيم بفضل معجزة عيد الميلاد.
يعطون أكثر في هذا الموسم، يدفعون أكثر للعامل الذي ينظف زجاج النوافذ والزبال، والذي ينظف المدخنة وبائع اللبن، والصبي الذي يحضر الصحف. ويجودون بالبنس والبنسين، والجنيه والجنيهين لأطفال العالم الفقراء في البلاد البعيدة، ومن بينهم أطفال المسلمين في البوسنة وبنجلادش والصومال وأفغانستان والسودان .
“ عيد الميلاد قد أقبل
والوز قد اكتنز بالشحم
ضع من فضلك بنساً
في قبعة الرجل العجوز
إذا لم يكن عندك بنس
فنصف بنس يكفي
وإن لم يكن عندك نصف بنس
فعليك بركات الله والسلام”

الطيب صالح
20/12/2007


عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الإثنين 16 مارس 2009, 10:05 pm

نادى سعيد عشا البايتات فى ذلك الفجر بصوته كانه مغناطيس, علق به غبار الاحلام الموؤدة ,وكانت هبوب أمشير تردد نداءمريم (يامريود . يامريود . انت لا احد . انت لاشى يامريود .)
استقبلتنى عند الباب , ورأيتها تختفى وتبين, الى ان قال الناس ولا الضالين أمين .كان العطر قد لاحقنى كل تلك الاعوام يعبق من ارجاء الكون يذكرنى بمريم تعد على اصابع يدها وتقول "احمد. محمد.محمود.حامد . حمد .حمدان .."
"الابناء اكثر من الاسماء يامريوم"
تضحك وتقول :-
"نتمهم عشرة بنات"
دفناها عند المغيب كأننا نشتل نخلة, او نستودع باطن الارض سرا عزيزا سوف تتمخض عنه فى المستقبل بشكل من الاشكال . محجوب قبل خدها , وانا قبلت جبهتها, وكاد الطريفى يهلك من البكاء, وحملناها برفق نحن الستة ووضعناها على حافة القبر . اسمع ذلك الصوت الذى ليس مثله يجيئنى من بعيد مثل ناى سحرى , فى غلالة من اضواء الاقمار فى ليالى الصيف , ولمع الشعاع على سعف النخيل الندى ,ووهج النوار فى حدائق البرتقال .تقول وهى تجر عمامتى من راسى :
" نسكن البندر ..سامع ؟ البندر الموية بالانابيب والنور بالكهرباء , والسفر بالسكة حديد ؟ اتمبيلات وتطورات . اسبتاليات ومدارس وحاجات وحاجات ..البندر فاهم ؟
الله يلعن ود حامد . سجم ورماد . فيها المرض والموت ووجع الراس . اولادلنا كلهم يطلعوا افندية .فاهم ؟ زراعة ابدا , وحياة محجوب اخوى زراعة مانزرعها ابدا."
أحسست بها بين ذراعى وانا انزل بها القبر . كان نهدها يضغط على صدرى ونحن متماسكان فى الماء, نغطس ونطفو , وغضت طرفها وغضضت طرفى ولم تذهب للمدرسة بعد ذلك ,وكان السر قد انكشف . أغيظها بضحكى واسالها عن اعمال اولادنا , فتفكر بحزم وتقول وهى تعد على اصابع يدها :-
احمد يطلع مدير
مدير شنو ؟
مدير اى حاجة
ماشاء الله ومحمد ؟
محمد يطلع محامى
عجايب ما اخير قاضى ..يامريوم ؟
محامى عشان يدافع عن المظلومين القاضى قالوا يدخل النار
زين.. ومحمود ؟
محمود ..محمود .. محمود يطلع حكيم
سجم خشمك.. وحامد ؟
حامد كمان يطلع حكيم
ها لله ..ها لله بقيتى ام الحكماء . والخامس اسمو مين ..يطلع شنو ؟
حمد ..حمد يطلع مهندس
مهندس ؟ الله اكبر . والسادس ؟
حمدان يطلع ناظر
ناظر محطة ؟
ناظر مدرسة
مثل مدرسة ود حامد ؟
"ود حامد ان شاء الله تغطس فى الارض .مدرسة كبيرة من الحجر والطوب الاحمر وسط الجناين "
وبقية العشرة الكرام ؟
الباقين اذا طلعوا اولاد او بنات يكونوا كلهم معلمين او حكماء
البنات كمان ؟
ليه لا ؟
طيب ومتين تولدى الامة دى كلها ؟ وقت يصل عاشر واحد يكون عمرك خمسين سنة
ابدا ..عشرين بالكتير اذا بدينا السنة الجاية
نتزوج السنة الجاية ؟
ليه لا ؟
اضحك واتقلب فى الرمل من شدة الضحك , فلم اكن قد بلغت الثالثة عشر بعد وكانت مريم دون العاشرة .تضربنى على صدرى وظهرى بكلتا قبضتيها وتجر عمامتى وثوبى
وتغضب حقيقة .
اجلس واقول لها بجد متصنع وانا اعد على اصابع يدها..
"اسمعى ياغشيمة . اولادنا يطلعوا زى كده احمد زراع . محمد زراع . حمد يطلع شيخ الصعاليق . حامد يطلع مداح يمدح الرسول مثل حاج الماحى زمان, واحمد ود سعيد اليوم فى العفاض"
تقول مريم بغيظ :-
الرسول صلى الله عليه وسلم ..ثم تزيد وعيناها العسليتان الواسعتان تلمعان بالغضب
محمد اول بعدين محمود
قبله او بعده الحكاية واحدة كلهم مزارعين
تقول مريم وهى مثل نسر يوشك ان ينقض.. اها وحمدان ؟
حمدان عندى ليه وظيفة كبيرة ..حمدان ياست الحسن والجمال يطلع رئيس .. رئيس .. رئيس الحرامية فى المديرية الشمالية
تنشب اظافرها فى وجهى وتضربنى بقبضة يدها الصغيرة وتعضنى , وتركلنى برجلها , وانا اضحك متقلبا فى الرمل وهى تصرخ ..
ابدا ..ابدا ..ابدا
ونحن على تلك الحالة, يجى محجوب , فأحكى له الحكاية .
يقول محجوب :-
"ليش نؤخر الزواج للسنة الجاية ؟ باكر على طول نعمل العقد . مريم خلاص استوت للزواج , ولايمكن نخليها تنتظر سنة كمان "
ونظل نعابثها هكذا حتى تشرد منا باكية .
بندر شاه ..مريود
الفصل الرابع
الصفحات
456- الى 460

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الخميس 26 مارس 2009, 10:27 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

الطيب صالح .. وداعا ربيع الادب

مكي ابوقرجة

mekkihas@hotmail.com

واقبلت جوقة الانشاد..كان مشهدا فريدا ومؤثرا.عددهم لم يكن يتجاوز العشرين شابا...يشكلون مربعا صغيرا ويسيرون في خطو منتظم نحو سرادق المأتم.اصواتهم شجية عذبة.توقفوا هنيهة امام الناس ينشدون.ثم ما لبثوا ان تفرقوا داخلين الي المكان في هدوء ووقار.هؤلاء شباب الاسماعيلية لاغيرهم .

كنت اجلس الي جانب الدكتور مرتضي الغالي وهو رجل عالم أريب فتساءلنا من الذي يعرف العلاقة الواشجة التي تربط كوكبة المنشدين هذه بالراحل الكبير؟من يعرف ذلك الخيط العرفاني الذي يشد اضرحة الدبة بذلك الضريح الثاوي فى قلب مدينة الابيض؟ رأي الطيب صالح هؤلاء المنشدين الشباب وهو فى مهجعه السماوي الوثير وأخذ يرمقهم . عودة وحبور ويقول " لذلك عدت اليكم عثرتي بعد هذا الغياب الطويل حاملا جذوة اشواقي ومحبتي وولائى الذي لايزول "

قال حين كتب " دفناها عند المغيب كاننا نغرس نخلة او نستودع باطن الارض سرا عزيزا" هكذا كان حاله هو . يسٌر وسهولة فى كل ما تعلق بعودة جثمانه ودفنه . اليوم كان الجمعة والشوارع ساكنة الا من سيارات قليلة عجلى تشق الطريق العام.تخترق صمت المشيعين الواقفين اصوات تجهش بالبكاء من وقت لاخر. تكاد لاتسمعها من فرط وقارها .عندما فرغوا من دفنه واخذوا ينفضون من حول القبر قلت اقف قليلا مودعا .ألفيت قبرا متطامنا لم يشرئب عن الارض كثيرا وما ارتفع.فرغ اناس منه للتو ولكنه بدا كقبر دارس مضت عليه سنوات.أهكذا انت في الحياة وفي الممات!

مااكثر ما لذنا بابداعه حين كانت الآفاق تعتكر وتنقبض النفوس.نتناول اعماله من قريب فلم تبعد عنا يوما.نلج عوالمه الساحرة فتنجاب عنا سحآئب الحزن وتوترات الغربة.وحين يجد بشأنه حديث نحاول الكتابة عنه حبا واحتفاءً.

استكتبته ذات مرة جريدة" الاتحاد" الظبانية التي كنت اعمل فيها .ظل مثابرا يكتب عمودا اسبوعيا يبعث به من اي مكان تقوده اليه خطاه في كل انحاء العالم .ما اعتذر يوما ولاسأل عن اجره.كتب مرة عن رحلة له الي نيويورك قال انه قضي نهارا رائقا وضيئا في ضيافة المدير الاقليمي لمنظمة اليونسكو هناك....الفاتح ابراهيم حمد.هزٍه كرم اهل الدار وأريحيتهم وتحدث عن اصهار الفاتح ....أهل الحلفاية الكرام .رأي من بينهم شقيقة ربة الدار سيدة ذات جمال وكمال تزمع الهجرة الي كندا .فأمضه ذلك واضناه.أشار الي عنت الايام والظروف اتي تدفع ببنات العائلات الكريمة الي الهجرة.كنت عائدامن عطلة قضيتها فى لندن في ضيافة صديقي الشاعر راشد سيد احمد . اكرمنا اصدقاؤه ومن ينهم نفرٌ من اهل الحلفايا . اكرموا وافاضوا .

كتبت مقالة حول حديثه ذاك.. فالفاتح كان من اهل مدينتي كوستي .مازلت اذكره ايام الطفولة يتقدمنا فى الدراسة مشاغبا عذب السلوك ومنذ تلك المقالة الزمني صديقنا المرحوم الفاتح التجاني – سكرتير التحرير بالجريدة- بالكتابة الاسبوعية التى امتدت لسنوات واحتواها فى وقت لاحق كتاب ( اصوات فى الثقافة السودانية )

فى منتصف سنوات الثمانين فى القرن الماضي التحقت بجريدة ( اخبار الخليج )بالبحرين محررا مترجما . قلت اناوش صفحة الادب احيانا بشئ مما اكتب . تناولت تجربة الطيب صالح الروائية. كنت منفعلا باعمال ماركيز وخاصة رائعته ( مائة عام من العزلة ) . غامرت بعقد مقارنة بين الكاتبين الروائيين . كنت احاول الزعم بان المناخات الروائية للطيب صالح سبقت تجربة ماركيز فى الواقعية السحرية. الكتابة اعجبت مدير التحرير وكان مثقفا مصريا جم الاحتشاد. كما اعجبت عدداً من القراء والادباء ونلت بها حظوة واعجابا لازمني حتي فارقتهم. تلك كانت احدي فيوضات وبركات سيد العارفين . ولما زار الطيب البحرين يوما جاءني صديقي الاديب البحريني محمد فاضل ليصحبني الى الفندق الذي كان يقيم فيه الروائى الكبير .كان يرغب في اجراء حديث معه . كنت غارقا فى اعداد اخبار الصفحة الاولي فاعتذرت وفاتني لقاؤه كما فاتني مرة اخري فى عاصمة الضباب ويا للحسرة .

فى صيف عام ( 2002 ) كنت عائدا الى ابوظبي من مهمة صحفيةفي العاصمة الالبانية ( تيرانا ) ولما توقفت فى مطار اسطنبول فاجأنى زوجان بلغاريان عجوزان بمعرفتهما للزعيم العمالي والنقابي العالمي ابراهيم زكريا – اطنبا فى الحديث عنه وعددا مآثره . كان الرجل البلغاري دبلوماسيا صغيرا حين التق ابراهيم زكريا فى اوائل الستينيات ولم يبرح ذاكرته . عدت مزهوا بما سمعت فكتبت . وقرأ الناس المقالة وبعث بها صديقنا الكاتب الاستاذ الفاضل عباس الى الطيب صالح فى لندن بالفاكس. بعد ايام التقيت بالفاضل الذي يمت بصلة القربي للكاتب فابلغنى ان الطيب اتصل به هاتفيا وهو يبكي بعد ان قرأ المقا لة. حتى ذلك الوقت لم اكن اعلم بالصلة التى تربط الطيب صالح بابراهيم زكريا. فاتضح لى انه ابن خاله. حقا هذه الارض لا تنجب سوي الافذاذ والنجباء. تلك البقعة زعم الاخباريون القدامي انها شهدت نشأة الخليقة الاولي.وقامت علي ثراها حضارات الانسانية البكر ونشأت فيها ممالك كثرآخرها مملكة الدفار.وانتشر بنوها في مختلف بلاد السودان منذ الزمن القديم .برزوا ونبه ذكرهم.فمنها جاء الشيخ اسماعيل ابن عبد الله الولي الكامل الذي اختط طريقة صوفية سودانية خالصة مازال شذاها يعطر دروب السالكين.وحاج عبدالله الدفاري مابرح ضريحه ظاهرا يزار في الكوة بالنيل الابيض.قال احد حوارييه كان القرب منه الجنة بعينها ولااطمع في جنة سواها.مازالت كراماته تتري والحديث عنه علي كل لسان.

ومن قرية ابكر بتلك المنطقة برزت والدة النور عنقرة الي غردون باشا تحدثه بشجاعة بشأن ابنها الذي كان موظفا في الادارة التركية.كان غردون قد جاء في مهمته الاخيرة حكمدارا علي السودان ليعمل علي اخلاء الحاميات .

والنور عنقرة دوره مشهود في التركية والمهدية التي انحاز اليها وبات اسطورة في معاركها باقدامه الاسبرطي وروحه القتالية المتمردة ولعل التاريخ لم يذكر كثيرا ابن اخته الحاج ابوبكر الذي قذفت به جسارته الي المكسيك محاربا في صفوف الاورطة السودانية-المصرية في منتصف القرن التاسع عشر .ذكر عارفوه انه عاد الي السودان بخبرته العسكرية ومهاراته الحديثة في القتال وانخرط في صفوف انصار المهدي.وحين شارك في معارك الحبشة حدث ان تقدم العدو في بحر متلاطم من الجنود فأحرز نصرا مؤقتا علي الانصار .خرج فصيل بقيادة الزاكي طمل وعبد الله ودابراهيم والحاج ابوبكر.لحقوا بجيش الاحباش.زغردت النساء السبايا حين رأينهم يكرون .قذفوا بانفسهم في قلب جيش العدو.كالمردة كانوا يقاتلون او الغيلان. اندفعوا نحو موقع الامبراطور فقتلوه وانتزعوا رأسه وتاج ملكه.غيروا نتيجة الحرب وعادو ا ظافرين.

من هذا المكان ايضا انحدر اسلاف المفكر الاسلامي الشهيد محمود محمد طه والعالم الموسوعي الدكتور التجاني الماحي وغيرهم كثر.اليس حريا بالمؤرخين ان يلتفتوا لظاهرة هذة البقعة التي لاتنجب سوي الافذاذ.

كان يونس الدسوقي من الصداقات العظيمة التي اكتسبها الطيب صالح في السنوات الاخيرة .ربما كان يونس يكبر الطيب باربع او خمس سنوات علي وجه التقريب.وكان قد اتخذ من القاهرة منفي اختياريا له منذ اوائل العقد الاخير للقرن العشرين.غادر السودان مغاضبا حين غدت الايام عصيبة وعتمة النفق لاتبشر ببصيص.سرعان ماتعرف الناس علي قدراته المدهشة ومعارفه الموسوعية ومهاراته اللغوية في الحديث وشخصيته الآسرة.بات فندق هابتون في قلب القلهرةمحجة يفد اليها الناس .يحدثهم احاديث يتجملون بها .ويجدون فيه صورة السودان الضائعة .فالتقيا الطيب صالح ويونس واكتشفا انهما يحملان نفس الهوي والروح.يتحدثان في الادب والتاريخ ويتباريان في رواية اشعار المتنبي وذي الرمة يتعابثان احيانا فيصنع الطيب روايات صغيرة ملؤها السخرية والعبث.كان ثالثهم هو صديقهما محمود صالح الذي لايلتقيان دون حضوره المشرق وروحه العامرة .انتظم الطيب صالح في زيارته للقاهرة كل عام ليلتقي بصديقه لزيم الخان.وتظل اصداء زيارته لفندق هابيتون يتداولها العاملون –الذين اسعدتهم نفحاته المالية السخية. ومادار بخلدهم ان الكاتب صنع منهم مادة لدعاباته وحكاياته المرحة التي يسعد بها صديقه يونس.

حين زرنا القاهرة في صيف عام2004 اقمنا مع يونس في فندقه.كنا في انتظار محمود صالح الذي كان في اصيلةمع الطيب يشاركان في المهرجان .عاد محمود وحده بعد ان ودع صديقه الذي عاد الي لندن .كنا تمنينا ان يعودامعا فتسعدنا رؤية الكاتب الا ان محمودا الذي ما فارقنا طياة ايام زيارتنا عوضنا وافاض.اما يونس ففد غمر اماسينا –رغم الوهن وفقدان البصر-بكرمه الجموم واحاديثه العذاب وذكرياته المليئة بالطرائف والنوادر .كان الطيب صالح حاضرا دوما في تلك الاحاديث خاصة عندما يكون صديقنا مصطفي عبادي حاضرا وكان عبادي يروي لنا النكات التي كان الطيب صالح يستجيدها ويستملحها .

تلك ايام لن تعود فقد مضي يونس اثر عودته الي السودان قبل عامين او يزيد.وهاهو صديقه الطيب صالح يعود محمولا علي نعش بعد اغترابه الطويل ليدفن الي جواره في مقابر البكري.فعليهما الرحمة .

كتب الكاتبون نقادا ومحبين ،عربا وسودانيين منذ غيابه الفاجع .أسالوا حبرا كثيرا وسيظلون يفعلون مادام للادب سوق قائمة.وليس ذلك كثيرا علي هذا الرجل الذي بات في عداد الخالدين .كانت كتاباتهم مثقلة بالحزن والاحساس بمرارة الفقد .كانهم لم يتوقعوا له الغياب.لاازعم أني قرأت كل ما كتبوا ولكن استوقفنني بعض الكتابات لكتاب عرب ما كانوبعيدين عن ابداع الرجل ولاسيرته الشخصية التي ادهشت كل من تابعها .

سمير عطا الله كاتب في صحيفة"الشرق الاوسط"جاء في عموده في الصفحةالاخيرة غداة وفاة الطيب صالح"كان يحول الشجرة الي حكاية.والصبا والشقاء والهجرة والبقاء والترعة والفلاحين وصوت الغابة وغناء افريقية والتيه في عالم الرجل الابيض واضواء المدينه وابحار العمامة البيضاء في نوتات بيتهوفن ومؤلفات شيللي ومناخات مور. يحولها كلها الي حكاية يأسر بها قاريئه"ثم لايلبث ان يستطرد في عموده قائلا"لم يفلسف الطيب صالح المشاهدات ولم يطرح القضايا بل رسمها مثل غويا .ولم يثر الالمسائل بالفاظ طنانة بل زرعها في السهول ببساطة وعفوية .لم يتوسل لشهرته ظلامة افريقيا.ولم يستمهل احدا عند بشرته ولم يستوقف احدا.مثل النيل مضي وتركنا نتبعه.يقلده المقلدون عبثا .فقد كان خليطا سريا مثل القهوة الاتية من شجرة بن لها الف لون والف عبق. هذة نظرات نافذة ولا ريب من كاتب يبدو اهتمامه بالادب واضحا .وهي تبدو كانطباعات قاريء محب قادر علي التعبير .استطاع ان يسبر اغوار العوالم الابداعية للطيب صالح ويستمتع بنصوصه.

واستوقفني ماكتب ياسر عبد الحافظ-وهو روائي مصري شاب."انشغل بناوانشغلنا بانفسنا عن معرفته.وكأنك تطارد سرابا في صحراء.كائنا اسطوريا في غابة يحفظ كل دروبها وانت اعمي خلف اثره الذي لايكاد يري .يقترب من المستحيل ان تكون هناك شخصية مثل الطيب صالح ....لااحد هكذا .ربما فقط في الفن نصدق..:انما في الواقع ملعب الالام الواسع فهناك الصراع بكل مايحويه من متناقضات "ويقول في مقاله الذي نشرته صحيفة الاحداث في العاشر من مارس يبدو انه كان قرارا من البداية ان يقتصد نفسه لنفسه.هكذا نجح في العبور من وسطنا بعد ان نجحت خطته تلك التي تعتمد علي قاعدة واحدة لاغير:أنا لست هنا ؛لاتعتبروني هكذا حقيقة " هذة رؤية كاتب روائي يستبد به الخيال .فراي في سيرة الطيب ما هو اقرب الي الخيال من الواقع.فدفع به الي الدائرة التي يقف فيها البطل وحيدا بكل الخصائص التي يوفرها له السياق الدرامي.ننجح في الاشارة الي عظمة الكاتب وسجاياه البازخة .ومما لفت النظر كذلك اشارته الي كلمة الناقدة هدي فايق التي كتبت تقول :اتصفت اعماله باناقة اللغة و الغزارةالشعرية التي تجعل من رواياته قصائد صوفية كونية...هذا بالاضافة لتجديده في بنية الرواية العربية.من خلال استخدامه الواعي والمؤصل لتيار الوعي في كتابته وغوصه في عمق الشخصية العربية ليحررها من حدود المكان الضيق الي الفضاء الانساني الفسيح.

ظل محمد بن عيسي وزير الخارجية المغربي الاسبق وامين عام مؤسسة منتدي اصيلة يمحض الطيب صالح ودا عميقا وتعلقا مشبوبا ويناديه ب " سيدي الحشوم" قال عنه مرة :هو كل كامل يقاسمك احاسيسك .لايعادي ولايحاسب ولايلوم .وهو كل كامل لاينافق ولايحابي.قنوع لدرجة اهمال حقوقه ومستحقاته دؤوب بقهقهته وتقاسيم وجهه وشرود نظراته ..كل شي لدي الطيب ملفوف في الحشمة والتقشف ونكران الذات.

هذه كلمات رجل اقترب كثيرا من شخصية الطيب صالح ولمس ذلك التسامي الشفيف لرجل لابد انه ادرك جوهر الحياة وقيمتها في موازين العارفين .

لاريب اننا قرأنا اعمال كاتبنا منذ سنوات طويلة استعدنا قراءتها واستعدنا ومازلنا نستجيد ...ونحاول التعبير عن تلك المتعةما وسعنا ذلك محتفين بهذة الاضافة الثرية الملهمة الي حياتنا القاحلة الجديبة. مازلنا نتوقف عند مفرداته ونثره المختلف الذي لم يتوفر كثيرا لدي معظم الكتاب االروائيين .نتوقف دائما وكثيرا عند تلك المقدرةالعبقرية علي الوصف والتعبير .تجد ذلك في كتاباته المتناثرةفي مقالات او احاديث صحفية اومقدمات لكتب. ذلك غير رواياته التي اضحت متاحة للقراء في معظم لغات العالم الحية .

كتب مرة يصف لقاء له مع الام تيريزا، وهي مبشرة مسيحية شغلت العالم باعمالها الانسانية وحبها للفقراء وتفانيها في خدمتهم .رآها في صالة المغادرة بمطار الخرطوم .هو كان في وداع احمد مختار امبو؛مدير اليونسكو الاسبق. ما قرأت نصا ازهي واروع مما كتب.نثر يزري بالشعر الفخيم .كأنه صيحة ابن عربي"أدين بدين الحب " توجه بكلياته وقلبه يصف ذلك الحضور الاشراقي لتلك المرأة ا لعجائبية .قال "وكان الوقت اواخر الليل ،فاذا ضؤ يسطع الي اعيننا .التفت الي مصدره،فاذا السيدة العجيبة تدخل بهدؤ كما يسيل الماء في الجدول .عليها الثوب الابيض الذي اشتهرت به .وحولها فتيات في مثل زيها .سمراوات .هنديات .أو اثيوبيات او خليط من الاجناس .جلست علي كنبة وطيئة وجلسن حولها ،وعند قدميها كأنهن افراخ حمام في عش.وجهها مغضن ملئ بالتجاعيد .وجه جميل .اجمل ما وقعت عليه عيناك .يذكرك بوجوه كثيرة احببتها وضاعت منك في زحام الحياة .تملؤك بالحبور والحزن وتراها خفيفة جدا .وهي صغيرة الحجم اصلا.كأنك تستطيع ان تحماها في راحة يدك.تريد ان تحتضنها وتقبلها كما تحتضن جدتك او امك او ابنتك."

لم ينس المبدع ان يربط بينها وبين الاميرة ديانا والعلاقة التي نشأت بينهما والنهاية المريعة للاميرة الجميلة والتي توافقت مع رحيل تلك السيدة العجيبة....مضت تريزا في صمت، ولم يكف الاعلام عن الضوضاءبشأن ديانا.سافرت كل واحدة منهما في نهاية المطاف وحدها وكذلك الطيب صالح ...

فاي شهاب قد سطع في سماء الادب ،واي رجل قد تواري وذهب.

غاضت الينابيع وتصوح البستان،فوداعا ابا زينب


عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الثلاثاء 26 مايو 2009, 7:49 pm


عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: قالوا فى رحيل الطيب صالح ..توثيق .

مُساهمة  عمر ادريس في الأحد 31 مايو 2009, 10:56 pm

لا أعرف إلا أماً واحدة يُضاهيها فراقُكَ حُزناً كثيفاً على القلب
.أدار المولى أيقونة محبتِكَ في أنفُسنا منذ طفولتنا الباكرة وعلى الفم كرزة وفي الخاطر شجنٌ وتجمّلت دواخلنا من فسيح قصور القص ونحن نتجول ، أو في البراري عندما ندخل من كهف أسرارٍ إلى آخر ، فنعرف آخر المطاف أن عالمك كتبته لنا وسقيته من رياحين محبتك ألفة وعشرة . كانت دنياك بين أيدينا ولم نعرفها حتى حَببها إلينا بنانك الرشيق
.

عمر ادريس

عدد الرسائل: 1110
تاريخ التسجيل: 23/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى