المواضيع الأخيرة
»  سفير السودان بالمملكة يدعو لايجاد برامج لدعم المغتربين تقديرا لإسهاماتهم تجاه اسرهم ووطنهم
اليوم في 3:10 am من طرف ضوء القمر

» سوار وايدام يبحثان التعاون المشترك بين جهاز المغتربين ووزارة تنمية الموارد البشرية والعمل
اليوم في 3:07 am من طرف ضوء القمر

» هل يعود الاستاذ - عبد الباقي الظافر الي اميركا - فلادلفيا
الإثنين 14 أبريل 2014, 2:05 pm من طرف عصام همت

»  افتتاح مكتب خدمات التعليم عن بعد بدولة الامارات
الإثنين 07 أبريل 2014, 6:29 am من طرف ضوء القمر

» قصة معادلة الشهادات غير السودانية بالسودانية . . سيناريوهات البحث عن العدالة . . !
الإثنين 07 أبريل 2014, 6:26 am من طرف ضوء القمر

» السفير حاج ماجد سوار . . . لا تسييس للمجلس الاعلى للجاليات وعباءة الوطن تسع الجميع
الإثنين 07 أبريل 2014, 6:20 am من طرف ضوء القمر

» ورشة معادلة الشهادات العربية وتكافؤ فرص القبول . لا لنظام المحاصصة ( الكوتة)
الإثنين 07 أبريل 2014, 6:17 am من طرف ضوء القمر

» ألف مبروك المولودة الأستاذ/ يوسف سبيل
الأحد 06 أبريل 2014, 11:59 pm من طرف عمر ادريس

» التحالف الديمقراطى بامريكا ينعى محجوب شريف
الأحد 06 أبريل 2014, 11:54 pm من طرف عمر ادريس

» الجبهه السودانيه للتغيير تنعي شاعر الشعب..محجوب شريف
الأحد 06 أبريل 2014, 1:49 am من طرف husham omer

تنويه
الأراء والأفكار التي تطرح في جميع منتديات الجالية سواء كانت من ضيوف المنتدى أو أعضاء الجالية أو أعضاء اللجنة التنفيذية لا تعبر عن موقف الجالية انما تعبر عن أصحابها فقط
أبريل 2014
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
282930    

اليومية اليومية

احصائيات
هذا المنتدى يتوفر على 445 عُضو.
آخر عُضو مُسجل هو abdolazeem فمرحباً به.

أعضاؤنا قدموا 8396 مساهمة في هذا المنتدى في 2331 موضوع

النخبة السودانية: المزاج الصفوي والصراع العقيم

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

النخبة السودانية: المزاج الصفوي والصراع العقيم

مُساهمة  عصام همت في الجمعة 18 مايو 2012, 2:11 pm

مشاهدة النسخة كاملة : عبدالله الفكي البشير

(1)
وتمضي الأمور من جهالة إلى جهالة، حتى يغدو الفكاك من ربقتها مستحيلاً، إلا بقفزات هائلة في الخيال، أو بثورات هائلة في الروح[1]. الروائي الطيب صالح (1929م- 2009م)
تفصل بين النخبة السودانية وواقع شعوبها، فواصل وحواجز سميكة وكثيفة، يسهل تتبع مظاهرها وجرد مآلاتها وآثارها. كانت النخبة السودانية –ولازالت- ذات مزاج صفوي، ومترفعة عن الواقع السوداني. لقد أشار الدكتور محمد سعيد القدال (1935م-2008م) إلى المزاج الصفوي لدى النخبة، وإلى عملها الفوقي. وتناول أثرهما في نشأة الحركة الوطنية السودانية في بواكير القرن العشرين، وإلى دورهما في علاقة المثقفين بالجماهير وحركة المجتمع. وقد وردت إشاراته في أربع كتب من كتبه: الانتماء والاغتراب، دراسات ومقالات في تاريخ السودان الحديث، دار الجيل، بيروت، 1992م، والإسلام والسياسة في السودان (1651م-1985م)، دار الجيل، بيروت، 1992م. ومعالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، دار الفارابي، بيروت، دار كوش للطباعة والنشر والتوزيع، لندن، 1999م. وتاريخ السودان الحديث 1820م-1955م، مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، 2002م. تحدث البروفسير محمد إبراهيم أبوسليم (1927م-2004م) في دراسته عن محمد أحمد المحجوب والتي ضمنها كتابه: أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان، الذي نشرته دار الجيل، بيروت، عام 1991م، عن ضعف قوة المتعلمين في المجتمع، وعن العوامل التي أدت لذلك الضعف. وقال واصفاً المحجوب: (كان مترفعاً على الناس لاحساسه القوي بتفوقه ومقدراته ومكانته، ولأنه لا يؤمن إلا بالخاصة، وهم المثقفون عموماً والعلماء خاصة...)[2]. أيضاً، وسم الدكتور عبدالله علي إبراهيم إحدى مقالاته بوسمٍ تضمن وصفاً لعلاقة النخبة بالواقع. وكان وسم المقال: صفوتنا: ضيوف ثقلاء على الواقع[3]. وقال ضمن حوار تلفزيوني بقناة النيل الأزرق الفضائية: هناك الكثير من الشواهد التي تُبين أن هناك فجوة كبيرة بين الصفوة وبين مزاج غمار الناس[4]. وقال الدكتور منصور خالد في شأن النخبة السودانية الكثير الكثير. وتحدث آخرون غيرهم.
الشاهد، أن تعالي النخبة عن الواقع، وصفوية مزاجها، واقع ماثل ومسلك ظاهر. أدى التعالي عن الواقع والمزاج الصفوي لدى النخبة، إلى هامشية علاقتها بالواقع، وتجلى ذلك بوضوح في ضعف المساهمات والمعالجات لقضايا السودان ومشكلاته، وقلة الرسوم للمخارج النيرة لأزماته. أيضاً، جردت هامشية العلاقة، الواقع من فرص الاتصال بالقوة الإبداعية القادرة على وضع السيناريوهات للبدائل والخيارات عبر الكشف الحقيقي لأسباب القضايا ومركباتها. فانتهى الاتصال بالواقع إلى سطحية الفهم وضعف التحليل وتبسيط الأمور وردود الأفعال في المواقف والمسارات. أرجع الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد (1942م- 2004م) سطحية معالجة القضايا، وتبسيط الأمور، والضعف في الكشف الحقيقي عن أبعادها، إلى هامشية علاقة المثقفين بالواقع. وقال في قراءته لمسار الحركة السياسية السودانية: (بقيت الحركة السياسية السودانية –ضمن كتاباتها- خارج هذا التراث الضخم "تراث السودان الحضاري"، فافتقرت بالتالي إلى معاناة الأصول المعرفية في تركيب الواقع السوداني، تاريخياً وحضارياً واجتماعياً وفكرياً. بقيت على السطح وفي حدود المقالة السياسية الظرفية. أي تبسيط الأمور كما هي بساطة السوداني الريفي ودون نفاذ إلى عناصر تكوين السودان في حقائقها وتفاعلاتها)[5].
إلى جانب المزاج الصفوي لدى النخبة، فقد اتسم تفاعلها مع الواقع وتعاطيها مع مشكلاته، وسُبل تغييره بالصراع العنيف والعقيم فيما بينها. فالنخبة بحكم التعليم، والمعرفة وعمق بعضها، معنية بالإنتاج المعرفي، والمساهمة في مجمل الحركة الإجتماعية، واحداث التغيير في المجتمع وتحديد مساراته. كان دور النخبة منذ طلائع المتعلمين، قياساً لقضايا السودان ومشكلاته ضعيفاً. فالتغيير -وهو مطلب القوى الحديثة- الهادف إلى تحقيق التعايش والاستقرار والسلام والتنمية في السودان، لم يتحقق. كانت طبيعة العلاقة بين النخبة، وطبيعة تعاطيها مع مدارسها الفكرية والمعرفية التي ترسمتها في التفاعل مع الواقع، قد اعاقتا قيام النخبة بدورها المنوط بها. لقد شاب العلاقة بين أفراد النخبة، وتنظيماتهم المدنية والحزبية، شوائب كثيرة متداخله ومركبة، منذ ظهورها مع بداية التعليم الحديث في بداية القرن العشرين. فالجفوة الباكرة والمستمرة فيما بينها، والتنافس المحموم، والدسائس والمؤامرات، وعدم الاعتراف بحقوق الآخرين، وحسد بعضها البعض، والصراع العنيف كانت من أبرز مظاهر تلك العلاقة. أشار البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م) في كتابه: تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900م-1969م، إلى نشأة المشاجرات والنزاعات والخصومات بين طلائع المتعلمين. وأشار إلى اتجاه الحسد كأحد مخلفات نوع التعليم وضعف الملكات النقدية، قائلاً: (والتعليم الذي حظي به المتعلمون لم يستطع أن يطور ملكاتهم النقدية. إذ خَلَّفَ اتجاهاً عقلياً يبلغ في دركه الأسفل الحسد. وفي أحسن صوره إحساساً بالانحراف صوب السفسطة والرومانسية)[6]. كان التنافس المحموم قد صاحب مرحلة البدايات، بداية علاقة النخبة بالقوى التقليدية المؤثرة في المجتمع، وبداية مساهمات النخبة في الواقع السوداني. أرجع البروفسير محمد إبراهيم أبوسليم اخفاق طلائع المتعلمين في قيادة السودان المستقل إلى: (ضعف أجهزته السياسية، وطغيان الطائفية، والتدخلات الخارجية، وفقدان الاتجاه، وأصبح العمل السياسي محصلة للشللية والطموحات الشخصية وعراك القوى والمناورات)[7]. أسس التنافس المحموم الذي تجلى بوضوح في مرحلة تكوين الأحزاب السودانية، إلى الصراع العنيف، وثقافة الثأرات في الممارسة السياسية السودانية. قال الروائي الطيب صالح: (البغضاء وسوء الظن، هو الإرث الذي آل إلى السودانيين في الشمال والجنوب، من الماضي البعيد والقريب، فوقرت في قلوبهم أشياء، بعضها حق وبعضها باطل... الجنوبيون أيديهم ملطخة بدماء الشماليين، وأيضاً بدماء الجنوبيين، والشماليون أيديهم ملطخة بدماء الشماليين كما هي ملطخة بدماء الجنوبيين. كلهم قاتل مقتول. والأمة التي تمعن في جنون كهذا، ولا تدرك أنه جنون، أمة لا تستحق البقاء... كان حرياً بالسودانيين أن يدركوا ذلك من زمن، لما يظنونه في أنفسهم من فضايل الحكمة والعقل والتحضر...)[8].
زاد عنف الصراع وحدته، مجئ النظريات العالمية والإقليمية (الشيوعية –وهي الأسبق- والأخوان المسلمون، والبعثيون) إلى السودان. لقد وجدت النظريات ذلك الإرث من الصراع السياسي، كما وجدت ترحيب النخبة بها، مع حماسها الوافر، والإطمئنان الكامل لأطروحاتها. قال الدكتور محمد سعيد القدال، متحدثاً عن الأزمة التي أدت إلى حلّ الحزب الشيوعي، وطرد نوابه من البرلمان، بسبب حادثة ندوة معهد المعلمين العالي التي نُظمت مساء يوم الاثنين 9/11/1965م وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً، قال القدال: (ويبدو أن الأحزاب السياسية قررت استغلال الحادثة لتصفية حساباتها مع الحزب الشيوعي. فدفعت بأعداد من مؤيديها لمهاجمة دُور الحزب بالأسلحة وبأسلوب همجي أطلق عليه عبدالخالق "عنف البادية")[9]. ولقد استلف الدكتور حسن الجزولي تعبير "عنف البادية" الدقيق العميق، ووسم به كتابه عن الشهيد عبدالخالق محجوب (1927م-1971م)، عنف البادية: وقائع الأيام الأخيرة في حياة عبدالخالق محجوب، الذي نشرته مؤسسة مدارك للنشر، القاهرة/ الخرطوم، عام 2006م. وقد أشار الدكتور الجزولي لذلك في متن الكتاب، وأضاف في أحد هوامش صفحاته، أن التجاني الطيب بابكر سكرتير اللجنة المركزية للحزب، أوضح له أن عبدالخالق استخدم تعبير "عنف البادية" فيما بعد أيضاً، لوصف الكثير من أحداث العنف التي واجهها الحزب، خاصة في أعقاب مصادرة نشاطه السياسي عام 1965م[10].
كانت أركان النقاش في جامعة الخرطوم، التي انتقلت سنتها لاحقاً إلى الجامعات الأخرى، محطة مهمة في تشكيل الوعي الفكري والسياسي. فالفكرة في حد ذاتها، فكرة إيجابية؛ إذ أنها تساهم –أو يفترض- في تنمية الوعي الفكري والسياسي، وتخدم التنوير وصناعة القيادات. ولكنها منذ وقت باكر أضحت محطة أساسية في تنمية الصراعات الفكرية والسياسية، وعنصر قوي في تضييق مساحات الديمقراطية والآخر في البناء الداخلي للطلاب. قال الدكتور عبدالله علي إبراهيم متحدثاً عن الصفوة: (فلن تجد في كتاباتهم إشارة لكتاب أو مادة من أي نوع في الشأن الذي يناقشونه. ربما وجدت بيت شعر أو أغنية أو شيئاً من الأثر. وما عدا ذلك فحنك تربى في حقول أركان النقاش: سنين وأصنج)[11]. وأضاف في مقالة أخرى: (ولم يخلق الله الجامعة لهذه الطائفة وحرب العصابات. فهي مصاهر للتربية تأخذ الآخر وفكره بعين الاعتبار طلباً للحقيقة. ولكن أركان النقاش غير. إنها ساحة لصراع الديكة بمناقيرها الجارحة ومخالبها الغاشمة. فالآخر فيها عدو أو هو الجحيم كما قال الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. وتبطل رسالة الجامعة متى استباح الطالب فيها الآخر. وخير من اعترف بجريرة الأركان هو السيد محمد أشرف خريج جامعة الخرطوم ذات يوم بمنبر "سودانيزأولاين". فقال: "أركان النقاش محطة مهمة في تشكيل وعيِّ وتخريبه... أسوأ ما يمكن أن يتعلمه الكادر الخطابي من الأركان أن الآخرين هم دائماً مشاريع للاختلاف وإنو فكرتك لا بد أن تنتصر مقابل فكرة الآخرين"...)[12].
لقد أضرت النظريات بالصحة السياسية السودانية، في كل مساراتها، ولازال ضررها يزيد يوماً بعد يوم. لقد سعت كلها –بعد أن وجدت سابقة تسليم السلطة إلى القوات المسلحة عام 1958م من قبل القوى التقليدية- إلى السيطرة على الدولة والمجتمع من أجل إحداث التغيير وفق رؤاها، فوصل الصراع إلى حد القتل. قُتل خيار شعوب السودان، وعظام قادتهم ومفكريهم، وكبار جنرالات قواتهم المسلحة. ولم يتحقق الاستقرار والسلام، ولم تدخل شعوب السودان الحداثة، ولم تحقق التنمية. قال الروائي الطيب صالح في إشارة للقادة السياسيين وهم قبيل من النخبة: (كل واحد من هؤلاء الناس الأذكياء الأغبياء عنده "مشروع شامل" لإقامة مجتمع "فاضل" يدوم إلى الأبد. وما أدراه ما الأبد؟ ويقتلون أنفسهم ويقتل بعضهم بعضاً لتطْغَى أحلام على أحلام)[13].
لم يترك عنف الصراع، الذي تسرب لعقول النخبة ونفوسها، وأصبح مرتكز الممارسة السياسية السودانية، فضيلة واحدة في الإرث السياسي يمكن أن يُعتد بها أو المراهنة عليها في المسار المستقبلي. مثلاً، ظلت قيمة التسامح التي هي إحدى موروثات الشعوب السودانية، منذ تاريخ بعيد، وزينتها الجمالية والإنسانية، في حالة تكلس وانحسار كلما تحركنا من قاعدة الهرم حيث الجماهير إلى قمته حيث النخبة، ونقطة التلاشي لفضيلة التسامح. كان العلامة البروفسير عبدالله الطيب (1921م-2003م)، قد رثى الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م)، بقصيدة عنوانها "مصاب وحزن"، وجاءت في خمسة وثمانين بيتاً، ولعله وافق بها السنة التي جرى فيها تنفيذ حكم الإعدام في حق الأستاذ محمود. أشار فيها إلى الصراع الدائم، الذي بدد الطاقات، وعمى الناس. وتحدث عن ذهاب الفضـل وقيم التسامـح والعفـو، وتمكُن الأحقاد والقسوة في القلوب. قال في بعض أبياتها، (أبيات متفرقة):

قد شجانى مصابه محمـود مارق قيل، وهو عندى شهـيد
سيق للقتل وهـو شيخ أخـو سـت وسبعين أو عليها يزيد
لم يراعوا فيه القوانين ظلما فهو قـتلٌ عـمدٌ وجَرمٌ أكيـد
ليت إذ أجمعوا على الإثم أخفوه كما اغتال خمسـةً عبـود
قتلته الأفـكار فى بلـد الجهل الذى سيطرت عليه القـيود
وأحتوتنا عماية من صــراع دائـم للقوى به تـبـديـد
يا لها وصمـة على جبهـة القطـر ستبقى وعارها لا يبيد
ذهب الفضـل والتسامـح والعفـو وجاء الإعدام والتشريد
فيم هـذا الطغـيان ما هذه الأحـقاد ما هـذه القلوب السود
ما الذى جـدّ ما الذى جلب القسوة من أين ذا العتم الشـديد

ظلت النخبة رهينة لصراع النظريات، مما أوجد حواجز كثيفة بينهم، وعاق فرص تعارفهم وتحاورهم، وإكتشاف بعضهم بعضاً. كان صراع النظريات، السبب الأساس في ضعف مساهمات النخبة، وهدر طاقاتها، وتبديد جهودها، وغيابها عن الواقع واحتياجاته. قال الأستاذ حسين خوجلي رئيس تحرير صحيفة ألوان وهو يتحدث عن دلالات اسم ألوان: ألوان اسم ينسجم مع ما لدينا في السودان، نحن ألوان في سحناتنا وأشكالنا وألواننا، وبما لدينا من تنوع ثقافي وتعدد عرقي وديني... نحن ليس لدينا اختلافات، نحن في النهاية شئ واحد. فقط نحن لم نكتشف بعض...[14].
إن معالجة موضوع المزاج الصفوي لدى النخبة، والوقوف على الصراع العقيم فيما بينها، يحتاج إلى تناول واسع وتقصي دقيق وتحليل عميق. إذ تعود نشأة المزاج الصفوي وجذور الصراع العقيم إلى عوامل ومؤثرات عديدة. سأحاول تناول بعض هذه العوامل والمؤثرات من خلال محاور متعددة منها: ما يرتبط بالمكونات الحضارية والفكرية والثقافية للسودان، وحالة الاضطراب الحضاري التي دخل بها الإنسان السوداني القرن العشرين. ومنها ما يتصل بالبدايات في إعداد المثقف السوداني ونوع التعليم، والمؤثرات التي خضع لها تكوينه. ومنها ما يقترن بالعوامل الخارجية ودور القوى الاستعمارية. وهناك أيضاً، ما يتعلق بمسار السودان السياسي، وواقعه وجمود حركة التغيير فيه.
أيضاً، اتسم الحوار بين النخبة –على قلته-، والنقد لمواقف بعضها البعض، بالغلظة والعنف والعقم حتى يومنا هذا. أبان حوار النخبة فيما بينها، ضعف البناء الديمقراطي الداخلي للمثقف، وكشف عن ضيق مساحة الآخر في دواخله، وأبرز انعدام الفضائل الإنسانية في العلاقات بين المثقفين. هناك نماذج كثيرة على ذلك، ولكني انتخبت لبحثي هذا، ثلاثة نماذج لحوارات ومواقف نقدية مكتوبة ومنشورة. جرت بين ستة من المثقفين الحداثيين الكبار. جميعهم رموزٌ بارزة، وأصحاب قامات سامقة في مختلف الأجناس الإبداعية، في الفكر والأدب والفن والشعر ...إلخ. كلهم كما برز في كتباتهم، وفي أحاديث بعضهم، من المشغولين بشعوب السودان، ومن المهمومين بحقوقها في العدالة، والحرية والديمقراطية، ودخول الحداثة، وبناء الأمة وتحقيق السلام والاستقرار. يمثل كل واحد من المثقفين الستة، نموذجاً يحتذى، وأثراً يقتفى، لأجيال اليوم والأجيال اللاحقة. ولكل منهم مساهمات معرفية وسهوم تنويرية، بعضها ضخم وعظيم، وبعضها وضع صاحبه في مصاف العالمية. والنماذج الثلاثة التي انتخبتها لدراستها -إلى جانب المحاور التي وردت آنفاً- وتسليط الضوء عليها، هي:
§ حوارية لاهاي، التي كانت بين الدكتور عبدالله بولا والدكتور حيدر إبراهيم.
§ أشغال العمالقة، نص فاق عدد كلماته الأربعين ألف كلمة، كتبه الدكتور حسن موسى، وكان محوره الشاعر محمد المكي إبراهيم الذي رد بمقالة عنوانها: "آية اللؤم العظمى".
§ منصور القوَّال، وهي سلسة مقالات كتبها الدكتور عبدالله علي إبراهيم، وكان محورها الدكتور منصور خالد.

أسعى في سلسلة المقالات هذه، إلى تقديم إضاءات، ولفت الإنتباه إلى أهمية الموضوع، بضرورة السعى لمعالجته، عبر تناوله والكتابة حوله من المهتمين والدارسين. إن سبر أغوار موضوع المزاج الصفوي لدى النخبة، والصراع العنيف فيما بينها، يحتاج إلى تنظيم لقاءات وندوات وملتقيات موسعة. وتبقى هذه الإضاءات مساهمة أولية في محاولة لتلمس جذور المزاج الصفوي لدى النخبة السودانية، والصراع العقيم فيما بينهما، وتحليل بعض مظاهرهما، وتتبع بعض مآلاتهما وآثارهما. وفي يوم الخميس القادم أُتابع الحديث.

م (2)

وتمضي الأمور من جهالة إلى جهالة، حتى يغدو الفكاك من ربقتها مستحيلاً، إلا بقفزات هائلة في الخيال، أو بثورات هائلة في الروح[1]. الروائي الطيب صالح (1929م- 2009م)
ذكرت في الحلقة السابقة أنني أسعى في هذه المقالات إلى تقديم إضاءات حول موضوع المزاج الصفوي للنخبة السودانية، والصراع العقيم فيما بينها، ولفت الإنتباه إلى أهمية الموضوع. وقلت إن صفوية مزاج النخبة السودانية، واقع ماثل ومسلك ظاهر. وأوردت عدداً من المصادر والمراجع، التي أشارت لذلك. وقلت إن المزاج الصفوي لدى النخبة، أدى إلى هامشية علاقتها بالواقع، الأمر الذي جرد الواقع من فرص الاتصال بالقوة الإبداعية القادرة على استنطاق صور البدائل والخيارات لمواجهة التحديات. وذكرت أن علاقة النخبة فيما بينها اتسمت بالصراع العقيم، منذ ظهورها في بواكير القرن العشرين. فالجفوة الباكرة والمستمرة فيما بينها، والتنافس المحموم، والمؤامرات، وعدم الاعتراف بحقوق الآخرين، وحسد بعضها البعض، والصراع العنيف كانت من أبرز مظاهر تلك العلاقة. تعود نشأة المزاج الصفوي لدى النخبة، والصراع العقيم فيما بينها، إلى عوامل ومؤثرات كثيرة. سأتناول بعضها عبر محاور مختلفة منها: ما يرتبط بالمكونات الحضارية والفكرية والثقافية للسودان، وما نتج عنها من حالة اضطراب حضاري دخل بها إنسان السودان القرن العشرين. ومنها ما يتصل بالبدايات في إعداد المثقف ونوع التعليم، ومعطيات تكوينه. ومنها ما يرتبط بالقوى الاستعمارية. ومنها ما يتعلق بمسار السودان السياسي، وواقعه وجمود حركة التغيير فيه.
وأشرت أيضاً، إلى أن الحوار بين النخبة، والنقد لمواقف بعضها البعض، اتسم بالغلظة والقسوة. فانتخبت ثلاثة نماذج نقدية مكتوبة ومنشورة لتسليط الضوء عليها. جرت بين ستة من المثقفين الحداثيين الكبار. جميعهم قامات سامقة في الإبداع والإنتاج المعرفي. والنماذج هي: "حوارية لاهاي"، 1997م، وما دار بين الدكتور عبدالله بولا والدكتور حيدر إبراهيم، و"أشغال العمالقة"، 2007م، نص كتبه الدكتور حسن موسى، وكان محوره الشاعر محمد المكي إبراهيم، الذي رد بمقالة عنوانها: "آية اللؤم العظمى"، و"منصور القوَّال"، 2009م، سلسة مقالات كتبها الدكتور عبدالله علي إبراهيم، وكان محورها الدكتور منصور خالد.
قبل الدخول في المحور الأول من محاور العوامل والمؤثرات التي أدت إلى نشأة المزاج الصفوي لدى النخبة، والصراع العقيم فيما بينها، أقف عند تنبيه للبرفسير عصام البوشي. فقد نبهني البوشي مشكوراً لأمرين الأول: خطأ ورد في رسم مفردتين في النص المقتبس من الروائي الطيب صالح أعلاه، وهما يغدو وربقتها. فالنص مقتبس مما يعني أن الخطأ كان من عندي في الطباعة. وقد صححتهما، وأوردت النص ثانية في هذه الحلقة، مع اعتذاري للقارئ الكريم. والأمر الثاني الذي نبهني إليه البروفسير البوشي هو أهمية تعريف المصطلحات. وساستصحب هذه الملاحظة معي في كتاباتي. وأبدأ بما أشار إليه البوشي وهو الصفوة. إذ ورد في العنوان المزاج الصفوي. فالمزاج معروف، أما الصفوة لغةً فقد جاء في معجم لسان العرب: صُفْوَتُه: ما صَفَا منه. وصَفْوَةُ كُلِّ شيءٍ: خالِصُهُ[2]. فالصفوة كانت تمثل في الماضي طبقة النبلاء من الاقطاعيين وملاك الاراضي والذين توارثوا امتيازاتهم[3]. وأصبح الآن مصطلح الصفوة يُشير إلى الذين يشغلون مراكز النفوذ والسيطرة في المجتمع. وقد يُشير المصطلح أيضاً إلى فئة المبرزين والمتميزين في المجالات المختلفة قياساً مع غيرهم. (وإذا كانت المعايير الأساسية لتحديد الصفوة Elite تتمثل في القدرات العقلية العالية، والنفوذ القوي، فهي تتسـع لتشمل أي جماعة من الأفراد معروفة اجتماعياً ذات خصائص لها قيمة محددة، كالمقدرة العقلية، أو الوضع الإداري المرتفع، أو القوة العسكرية، أو القوة الأخلاقية، التي تؤدي إلى درجة عالية من الهيبة والنفوذ الواسع)[4]. وبهذا تكون هناك عدد من الصفوات: الصفوة السياسية، والصفوة في الفن، والصفوة في الشعر،... إلخ. ما أرمي إليه في المزاج الصفوي هو ذلك المزاج المنبت عن مزاج عامة الناس، الذي لا يسعى لتجسير التواصل وإيجاد المشترك مع عامة الناس، وإنما يركن إلى الإنزواء والفوقية والتعالي والبعد عن قضايا الجماهير ومشاكل الواقع.
الواقع السوداني:
التاريخ والتركيبة الحضارية والفكرية
حينما رأيت الآثار السودانية، أول مرة في معهد العالم العربي ببارس عام 1996م. ذُهلت! هذه آثار بلد ينطوي على إرث حضاري ضخم. ومسني ولع شديد بالسودان. فطلبت من الخارجية الفرنسية الانتقال إلى السودان، فنُقلت عام 2001م، وعملت فيه حتى عام 2005م[5].
د. عيسى مارو، نائب السفير الفرنسي في الخرطوم "سابقاً"
المبعوث الخاص لفرنسا في عملية السلام في دارفور "حالياً"
دخل السودان القرن العشرين، ينوء بإرثه الحضاري التليد الضخم، وسجله الثقافي الحافل الجامع. احتوي تكوينه الجغرافي على تضاريس عديدة: النهر والبحر، والسهل والجبل، والغابة والصحراء، ونبتت فيها، وانبنت عليها تكوينات ثقافية مختلفة. لقد امتص في أحشائة الحضارية، مبادرات عظمائه منذ فجر التاريخ. كانت مملكة كرمة (2500ق.م.- 1500ق.م.)، نواة مملكة كوش التي عاشت عشرة قرون (750ق.م.- 350م)، بفرعيها الشمالي نبتة (750ق.م.- 590ق.م.)، والجنوبي مروي (590ق.م.- 350م)، وامتد نفوذها حتى ملتقى النيلين الأزرق والأبيض، والجزيرة وكردفان[6]. وتأثر بتيارات حضارية هامة، تعاطى وتفاعل معها. يقول الشاعر محمد عبدالحي (1944م-1989م): (لقد إمتدت حدود السودان القديم إبان عهد الملك تهارقا (668 ق.م.-663 ق.م.) إلى حدود فلسطين واتصل بالثقافات الآشورية والفرعونية والإغريقية والرومانية... وإبان عصره المسيحي الذي إمتد لما يقرب من العشرة قرون نمت في الممالك المسيحية السودانية ثقافات وثيقة الاتصال بالحضارة البيزنطية... وبالإسكندرية وروما والكنيسة الأثيوبية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تلبست الثقافة المسيحية الثقافة الاصلية في البلاد واختلطت طقوسها القديمة وتكيفت الفنون المسيحية بالفن المحلي)[7].
دخل السودان القرن العشرين مثقلاً بسجله الثقافي. يحمل سِير ثقافات نمت على مهل وتؤده، وثقافات توقف نموها، وأخرى نمت بالتداخل والحضن ثم السودنة. جرت على أرضه حوارات –ولازالت- تجري بألسن عديدة، مات شئ منها، وتطور بعضها، ويصارع الموت بعضها الآخر. تأثر بهجرات بشرية متعددة ومتتالية، جاءته من أقاصي الدنيا أقوام ومجموعات وأفراد، منهم المهاجرون، والمتاجرون، والمسافرون، والمكتشفون، والمغامرون والغزاة الطامعون. يقول د. جوزيف أومارا أستاذ كرسي الاقتصاد السياسي في جامعة تاسمانيا بأستراليا، ود. خديجة صفوت، المؤسس والمدير التنفيذي سابقاً لمركز أبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا بجامعة ولز، في ورقتهما العلمية، المترجمة من اللغة البرتغالية: "سرديات رحلات العبور التاريخية وأسلمة سلطنة الفونج في القرن السادس عشر، أثر بعض تنويعات الرحالة والتجار على التاريخ الإسلامي والتاريخ الشعبي"، التي قدماها في ندوة السودان وأفريقيا في مدونات رحالة الشرق والغرب، اكتشاف الذات والآخر، فبراير عام 2006م: (فقد كان السودان معبراً عظيماً للمسافرين منذ مينا موحد الوجهين القبلي ومؤسس الأسرة الأولى من الممالك القديمة (2925 ق.م.-2775 ق.م.) تقريباً،... وما يبرح السودان معبر الحجاج إلى مكة... على أن تلك الرحلات وموجات هجرة المسافرين المغامرين والغواريين والمكتشفين تركت أجزاء ثقافية منحت السودان تمييزاً وتعدداً وغنىً بلا مثيل، سوى ربما الولايات المتحدة؛ إلا أن الأخيرة لا تملك ادعاء أصالة تاريخ يعود إلى 300 ألف عام قبل الميلاد. فمن القرن الأفريقي إلى الجزيرة العربية إلى البلقان وصولاً إلى أفغانستان وبلاد الأكراد والمجر ثمة أسماء وعشائر... ومدن سودانية في الشمال والوسط تستدعي صدى وأخيلة نظائر من الشرق وعبر البحر الأحمر وأخرى من جنوب شبه الجزيرة العربية واليمن...)[8].
. تركت تلك الهجرات رواسب ثقافية وأساطير وحكاوي وقصص صادرة من أزمنة بعيدة، ومن جوف التاريخ. لقد استقر أقوام ورحل بعضهم. خلفوا أشياء، وأخذوا أشياء، أضاءوا معالم، وأظلموا معالم، دَمّروا سجلات ثقافية، وعَمّروا سجلات ثقافية، تركوا معاني وأخذوا معاني، خَرّبوا القديم ونَظّمُوا بعضه في نَظْمِ جديدهم. كل تلك الأمور أورثت السودان سجلاً ثقافياً حافلاً، تشكلت أجزاؤه من فضاءات ثقافية نائية لشعوب كثيرة ومتعددة. يقول د. أومارا ود. خديجة: (وقد جاءت أجزاء ثقافية من عمان منذ الإصحاح القديم ومملكة بلقيس. وثمة تقاليد وعادات تعود إلى جنوب شرق آسيا وإلى الصين والهند ومنغوليا القوقاز وكردستان والبوسنة والهرسك إلى شبه الجزيرة العربية وشبه جزيرة إيبيريا وتركيا وشمال أفريقيا ومصر... وقد تكون الجلباب والعمة والطاقية والثوب السوداني وطقوس الزفاف والحناء والبخور والفركة والسلم السباعي في الموسيقى إلى الجاموس البقري والساقية والشادوف -التي ادعى البطالمة أنهم أدخلوها إلى وادي النيل مع الأسرة الـ 31- قد جاء بعضها أو معظمها من الصين ومن منغوليا والقوقاز عبوراً بشبه القارة الهندية وبالجزيرة العربية واليمن إلى السودان. ومن الشمال جاءت السودان اسماء مدن وطرق صوفية وشيوخ طرائق وتقاليد مزارات وثقافة قباب أولياء وأول مسجد في النوبا المسيحية باكراً)[9].
وكان أيضاً، الأثر الفرعوني، والغزو الأكسومي لمملكة مروي بقيادة الملك عيزانا عام 335م. وكان قدوم النوبة في القرون الأخيرة من عصر مملكة مروي، واستوطنوا في مروي، وتمكنوا بعد نحو قرنين من زوالها، وإنشاء ممالك النوبة الثلاث: نوباتيا وحاضرتها فرس، والمقرة وعاصمتها دنقلة، وعلوة وحاضرتها سوبا، في فضاء زمني قارب العشرة قرون (550م-1450م). دخلت الديانة المسيحية، ومنذ عام 580م غلبت على الجزء الشمالي حتى سنار وبلاد البجة وأجزاء أخرى. قال الشاعر محمد المكي إبراهيم في كتابه: الفكر السوداني: أصوله وتطوره، الذي نُشر عام 1976م: (حين دكت ارجال الغزاه إمبراطوريات بعانخي وترهاقا وحين طمرت رمال الصحراء حضارات نبته ومروي، كانت الأرض السودانية قد فقدت مرة وإلى الأبد لواء المبادرة الحضارية الذي ظلت ترفعه طوال أجيال متلاحقة. وأصبحت مجموعة البشر التي تعمرها يتيمة وضائعة، في عالم مضطرد التقدم، والتمدن، متجدد الحضارات. عندئذ لم يكن غريباً أن يستورد السودان الديانة المسيحية، وأن تنهض على أساسها ثلاث دويلات سودانية هي: علوة والمقرة وسوبا، وأن تظل تلك الدويلات ضعيفة ومتنازعة حتى يكتسحها أمامه الغزو العربي الوافد)[10].
جاءت الهجرات العربية، كما وردت الإشاره آنفاً، قبل الإسلام، وزادت بعده. تدافعت هجرات العرب والمسلمين باستمرار وبطء، وتبعها استقرارهم عبر التجارة والزواج والمعاهدات، والتحالفات، وكان قيام سلطنة الفونج (1504م-1821م)، عبر الحلف الفونجاوي العبدلابي. توافد العلماء والمتصوفة على سنار عاصمة سلطنة الفونج، واصبحت (الصوفية) مركزية الاستقطاب والولاءات، (وظل التصوف وتصوف "الفقرا" بوجه خاص يقوم مقام الدين نفسه، ومن ثم يشكل المزاج الديني للسودانيين...)[11]. يقول البروفسير يوسف فضل حسن: (وكان من أهم منجزات المنهج الصوفي، سعيه تحت راية الإسلام لإضعاف العصبية العرقية والولاء القبلي ... وقد أسهمت الطرق الصوفية بسبب غياب حكومة مركزية قوية في تكوين الأطر الاجتماعية والدينية بين الشعوب السودانية في كنف الإسلام))[12]. فالإسلام الصوفي، مثل المعتقدات والتقاليد الأفريقية، فهو أكثر مرونة في تقبله للتنوع في التعبير الفني والإفساح للطاقة الفنية مقارناً بالإسلام الفقهي الرسمي[13]، الذي جاء لاحقاً مع الغزو التركي/ المصري (1821م-1885م).
تبع قيام سلطنة الفونج انتشار اللغة العربية وتعميق الإسلام على أيدي المتصوفة والتجار والعلماء في جنوب الجزيرة وكردفان ودارفور. وقامت مملكة تقلي (1530م-1821م)، وسلطنة الفور (1650م-1916م)، ومملكة المسبعات (1660م-1750م)، التي أنشأها فرع من الأسرة الحاكمة في سلطنة الفور، وأقام مملكته في شرق دارفور وامتد نفوذها على السهول الواقعة شمال جبال النوبة[14]. ارتبط قيام سلطنة الفونج ومملكتى الفور وتقلي، لدى المؤرخين وعلماء الفلكلور باسطورة "الغريب الحكيم" أو المبارك أو الوافد، التي برزت في لحظة التفاعل والتلاقح بين الثقافات الإفريقية والثقافة الإسلامية العربية. فهي اسطورة إفريقية. فالغريب الحكيم له ملامح وخصائص وصفات ومميزات. وهو الذي يُحدث التغيير ويحرك الأحداث. كان لـ "الغريب الحكيم" دور جوهري في قيام السلطنات الإسلامية. لقد أشارت بعض المصادر التاريخية السودانية لظاهرة "الغريب الحكيم"، وتناولها كثير من الدراسين والباحثين. فهي ظاهرة ماثلة في الموروث الشعبي السوداني، ومترسبة في وجدان الإنسان السوداني، ولها أثر في تكوينه الوجداني والفكري. لهذا فهي جديرة بتسليط الضوء عليها، وسأتحدث عنها في معرض هذه المقالات لاحقاً.
رُسمت الكينونة السياسية للسودان الحالي في نهاية عهد الغزو التركي/ المصري (1821م-1885م). وقبل ذلك عرف الجزء الشمالي منه باسماء عديدة منها: "واوات" و"يام" و"كوش" الذي اشتهر عند المصريين والآشوريين والعبرانيين والأكسوميين، و"تانسي" و"تايسي" و"أثيوبيا" عند اليونان، و"نوباديا" عند الرومان، وهو نفس اسم "بلاد النوبة" الذي أطلقه الجغرافيون العرب على ممالك النوبة المسيحية الثلاث: نوباتيا، المقرة، وعلوة. وعرفت نفس المنطقة بأسماء محلية أخرى مثل: نبة ومروي، وعرفت بعض الأجزاء الواقعة إلى الجنوب بالفونج والفور وتقلي[15]. كان الجغرافيون العرب يطلقون اسم السودان على معظم القارة الأفريقية ولا سيما وسطها... فقد كتبوا عن بلاد السودان، على أنها أقاليم السكان من ذوي البشرة السوداء في القارة الأفريقية... وكانوا يشيرون إلى أن بلاد السودان تقع جغرافياً من جنوب بلاد الملثمين (الطوارق) شمالاً إلى خط الإستواء جنوباً، ومن البحر المحيط غرباً إلى نهر النيل شرقاً أو إلى البحر الأحمر[16].
عندما جاء الغزو التركي/ المصري (1821م-1885م) قضى على سلطنة الفونج، ورسم الكينونة السياسية للسودان. قام الثائر الوطني الإمام محمد أحمد بن عبدالله المهدي (1844م-1885م)، بثورة استطاعت أن توحد أهل السودان لأول مرة. أنجزت الثورة التحرر الوطني، ولكنها أخفقت في تحقيق مشروعها وفي التمدد الخارجي. عاد المستعمر ثانية في حلة جديدة قوامها الحكم الثنائي البريطاني/ المصري (1898م-1965م)، الذي حكم السودان وفقاً لإتفاقية الحكم الثنائي المبرمة في 19 يناير 1899م، بعد أن قضى على الثورة المهدية عام 1898م. يدخل العهد التركي/ المصري وفترة الحكم الثنائي البريطاني/ المصري ضمن محور دور القوى الإستعمارية الذي أشرت له في مدخل الحلقة، وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً.
بهذا الإرث الحضاري الضخم دخل السودان القرن العشرين، وهو تحت الحكم الثنائي الإنجليزي/ المصري. استقبل انسان السودان بواكير القرن العشرين، بمناخ الهزيمة، هزيمة الثورة المهدية، وبحالة انفصال عن إرثه الحضاري في كرمة وكوش والممالك النوبية، وباضطرب وجداني وفكري في علاقته بإرثه الحضاري في سلطنة الفونج. فسنار التي قامت على التصوف والإسلام الشعبي المتداخل مع المروثات والمعتقدات والشرائع المحلية ...إلخ، سقطت أمام الغزو التركي المصري. كان سقوط سنار إيذاناً بالاضطراب الحضاري وبداية الارتباك في المسار الطبيعي لحركة تطور المجتمع السوداني. لقد أدخل الغزو التركي المصري المؤسسة الفقية الرسمية واللغة العربية الفصحى والشريعة والنظم الأزهرية وحول القِبلة الفكرية والثقافية إلى القاهرة. أدى كل ذلك إلى تغيير المزاج الديني والفكري. وعندما جاء البريطانيون عززوا دور الفقهاء والعلماء على حساب المتصوفة. وعندما أنشأوا المدارس والكليات والمعاهد التعليمية الحديثه في السنوات الأولى من القرن العشرين، دخلها أبناء السودان وهم في حالة إنفصال عن إرثهم الحضاري البعيد، وفي حالة اضطراب في إرثهم الحضاري القريب. كما كانت الجرعات التعليمية التي قدمتها تلك المؤسسات التعليمية الحديثة تهدف إلى خدمة المستعمر في الوظائف الفنية والكتابية، ولم يكن من ضمن متبغاها صناعة القادة والمفكرين والمبدعين.
كان الانفصال والاضطراب الحضاري إلى جانب نوع التعليم، من أهم العوامل التي تحكمت في التكوين المعرفي والفكري لدى طلائع المتعلمين، الذين أصبحوا فيما بعد صُناع القرار ومحددي مسار الشعوب السودانية. إن التكوين المعرفي والفكري إذا لم ينسجم بعمق مع الإرث الحضاري، فإنه لا يحقق الوعي بالذاتية، بل يدهور صحة الوعي والعقول والفهوم ويؤدي إلى التغييب والتضليل، ويقود إلى الصراع. ويكون من العسير في ظل التعليم المنفصل عن الإرث الحضاري –كما هو الحال منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا- انتاج عقول قادرة على تقديم مبادرات تخدم التجدد والتقدم وتبعث بالحيوية في جسم المجتمع. وبالتالي لا يتوقع منه صناعة قيادات راشدة للشعوب، أو تحقيق حالة من التجاوب والتفاعل بين المتعلمين والجماهير، وتبقى المبادرات الإبداعية جهود فردية عبر التعلُم الذاتي، مصيرها دوماً الرفض والحرب من قبل المجتمع. على الرغم من كل ذلك فقد بذل طلائع المتعلمين جهوداً عظيمة من أجل الوطن والمجتمع، وتميز الكثيرون منهم في تخصصات مختلفة، وكان بعضهم من أصحاب الطاقات الإبداعية الهائلة في مختلف المجالات. أود الإشارة إلى أن حديثي لا يهدف إلى المحاكمة أو التجريم لطلائع المتعلمين، وإنما ينصب على استنطاق الأحداث ودراسة العوامل والظروف التي صاحبت تكوينهم الفكري والمعرفي، ونقد ذلك بما يخدم الحاضر والمستقبل. وسيأتي تفصيل ذلك لاحقاً. أقف هنا، وفي يوم الخميس القادم أُتابع الحديث.
(3)

كنا ورثة ماضي بطولي مجيد وسدنة حاضر مظلم وخطاب مستقبل مجهول[1]
محمد أحمد المحجوب (1908م- 1976م)
استقبل إنسان السودان بواكير القرن العشرين، تحت الحكم الثنائي الإنجليزي/ المصري (1898م-1965م)، بمناخ الهزيمة، هزيمة الثورة المهدية، وبحالة انفصال عن إرثه الحضاري في كرمة (2500ق.م.- 1500ق.م.)، وكوش (750ق.م.- 350م) ونوباتيا والمقرة وعلوة (550م-1450م)، وباضطراب وجداني وفكري حيال إرثه الحضاري في سلطنة الفونج (1504م-1821م). مثَّلت (الصوفية) في سلطنة الفونج مركزية الاستقطاب والولاءات. وتبع ذلك انتشار اللغة العربية وتعميق الإسلام في جنوب الجزيرة وكردفان ودارفور، على أيدي المتصوفة والتجار والعلماء، فقامت مملكة تقلي (1530م-1821م)، وسلطنة الفور (1650م-1916م)، ومملكة المسبعات (1660م-1750م. يقول الدكتور قيصر موسى الزين: (انتهت فترة السلطنات الإسلامية في السودان بقيام الحكم التركي/ المصري فيه ابتداءً من عام 1821م، ومع ذلك فإن الآثار العميقة لهذه الفترة لم تنته حتى اليوم، وذلك أن معالم الشخصية السودانية بسماتها المتفردة الأفريقية والعربية والإسلامية قد تكونت بصفة أساسية في هذه الفترة...)[2]. كان قيام الممالك الإسلامية لحظة تفاعل بين الثقافات الأفريقية والثقافة الإسلامية العربية، نتج عنها، وتجذرت فيه الكثير من مكونات الواقع السوداني. مثلاً، أرجع بعض الدارسين الجذر التاريخي لثقافة الأجاويد، إلى تلك المرحلة من تاريخ السودان، يقول د. جوزيف أومارا ود. خديجة صفوت: (وتيسرت للتجار الصوفيين أسلمة الفونج بالتجارة والهزيمة بالزواج ومعاهدات الانطفاء والوساطة بين ملوك القبائل المسيحيين وبعضهم وبينهم وبين شعوبهم. وأزعم أن ثقافة الأجاويد- بمعنى توسط الأعيان في حل المشكلات وكفى الله المؤمنين القتال مما حيَّد السخط الشعبي واستبق الصراع الطبقي- بات مفهوم الأجاويد من يومها سمة من أهم سمات دبلوماسية السلطة في السودان)[3].
سقطت سنار أمام الغزو التركي المصري (1821م-1885م). وتبع ذلك دخول المؤسسة الفقهية الرسمية واللغة العربية الفصحى والشريعة والنظم الأزهرية وتحويل القِبلة الفكرية والثقافية إلى القاهرة. عندما جاء البريطانيون عززوا دور الفقهاء والعلماء على حساب المتصوفة. وعندما أنشأوا المدارس والكليات والمعاهد التعليمية الحديثه في السنوات الأولى من القرن العشرين، دخلها أبناء السودان وهم في حالة انفصال عن إرثهم الحضاري البعيد، وفي حالة اضطراب في إرثهم الحضاري القريب. كان الانفصال والاضطراب الحضاري إلى جانب نوع التعليم، والسياسات الاستعمارية من أهم العوامل التي تحكمت في التكوين المعرفي والفكري لدى طلائع المتعلمين، الذين أصبحوا فيما بعد صُناع القرار ومحددي مسار الشعوب السودانية.

التعليم: من شراب الحروف إلى الطابور
كان التعليم في دولة الفونج وفي العهد التركي/ المصري، تعليماً دينياً محوره اللغة العربية والعلوم الشرعية، ومؤسساته الكُتاب والخلوة والمسجد والمسيد ومجالس العلماء والأزهر. يقول البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م): لا جدال في أن المؤسسة التعليمية الكبرى والمهمة والتي نشأت بجانب المسجد والمسيد هي الخلوة. فالخلوة كان لها مدلولاً في السودان غير الذي كان سائداً في البلدان الإسلامية، حيث الاعتزال عن الناس بقصد الوصول إلى الحقيقة وتعني التقرب إلى الله والتأمل في ذاته. بينما كانت في السودان تعني المكان الذي تؤدي فيه وظائف التعليم الديني من تعلم للكتابة والقراءة وتحفيظ القرآن ثم دراسة العلوم الدينية من فقه وتوحيد وسائر علوم العربية[4]. حافظ العهد التركي المصري على التعليم الديني والخلاوي كمصدر رئيس للتعليم، مع انتشارها في أجزاء كثيرة من السودان. كما أنشأ الحكم التركي عدداً من المدارس الابتدائية في كل من الخرطوم وبربر ودنقلا وكردفان وكسلا وسواكن وسنار وجوبا بغرض تعليم أبناء الأتراك والمصريين العاملين في الجيش والإدارة، وتخرج عدد قليل من السودانيين للعمل في دواوين الحكومة في الوظائف الصغرى... وفي عهد الدولة المهدية استمرت الخلاوي مصدراً رئيسياً لتعليم الصغار والكبار. كما شجعت المهدية تعليم القرآن والحديث وقراءة الراتب من خلال حلقات التدريس والتعليم التي نشأت في الأحياء المتعددة في أم درمان، ومن خلال الخلاوي التي كانت تقوم بتعليم القرآن والكتابة والحساب[5].
شهدت فترة الحكم الثنائي الإنجليزي/ المصري قيام مؤسسات التعليم الحديث. لقد أوضح سير جيمس كري، أول مدير للتعليم في السودان، أن الهدف من المؤسسات التعليمية هو تعليم الحرف وشئ من المعرفة يمكن الأهالي من التعرف على أغراض الحكومة ونظام الإدارة وتدريب بعضهم لكي يتمكنوا من شغل الوظائف الصغيرة التي تحتاج إلى أن يملأها السودانيون، ولقد تبلورت هذه السياسة في خلال الفترة الأولى في إنشاء وقيام المؤسسات التالية[6]:
1. الخلاوي الحديثة.
2. إنشاء المدارس الأولية على غرار "الكتاتيب" التي كانت توجد في مصر.
3. إنشاء كلية غردون التذكارية وتطويرها لكي تصبح المؤسسة التعليمية الرئيسية.
4. إنشاء الكلية الحربية بهدف تخريج الضابط السوداني.
5. إنشاء المعهد العلمي في أم درمان.
6. تشجيع الهيئات التبشيرية المسيحية للعمل في جنوب السودان.
أنشئت كلية تدريب المعلمين والقضاة بأم درمان في عام 1900م، ومدرسة الصناعة بأم درمان، وافتتحت كلية غردون التذكارية عام 1902م، والمدرسة الحربية (مدرسة الخرطوم الحربية) عام 1905م، وافتتحت مدرسة كتشنر الطبية عام 1924م. وكان المعهد العلمي بأم درمان قد أنشئ على غرار الأزهر عام 1912م، وعُين الشيخ أبوالقاسم أحمد هاشم (1856م– 1934م شيخاً له. يقول البروفسير محمد عمر بشير: وبجانب الهدف المباشر لتأهيل عدد من العلماء السودانيين وزيادة فرص التعليم الديني، فإن الغرض من إنشاء المعهد كان إيجاد البديل في السودان للأزهر الشريف يتوجه إليه السودانيون بدلاً من السفر إلى مصر[7]. وكان الحاكم العام قد أنشأ عام 1902م، مجلساً للعلماء ينظم التدريس في الجامع الكبير بأم درمان ويمهد لإنشاء المعهد العلمي. ويرى الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد (1942م- 2004م): أن الهدف من إنشاء مجلس العلماء الذي أُطلق عليه اسم "لجنة العلماء" في عام 1902م هو الإمعان في تقليص نفوذ قادة الطرق الصوفية وتقوية جانب المدرسة الفقهية المنافسة، من خلال تركيز فكر سني معارض للصوفية وداعم لمركز علماء الفقه والسنة كغطاء ديني للسلطة البريطانية من ناحية ولموازنة نفوذ الفكر الصوفي من ناحية أخرى[8].
رفدت هذه المؤسسات التعليمية الحديثة واقع الحياة السودانية في مطلع القرن العشرين بالطلائع الأولى للمتعلمين، كما سافر بعض السودانيين للدراسة في مصر ولبنان. كان إنشاء نادي الخريجين بأم درمان عام 1918م، الثمرة الأولى لنشأة التعليم الحديث في السودان، وكان بمثابة أول تنظيم يضم المتعلمين على أساس التعليم وليس المنطقة أو القبيلة، ولذلك بدأ نشاطه مهتماً بنشر التعليم وتوسيعه بالنشاط الثقافي عامة. على أن تطور النشاط السياسي وجد طريقه إلى النادي الثقافي الاجتماعي وتحول إلى منبر للعمل السياسي[9]. كما أثمر التعليم الحديث في السودان، بالإضافة لعوامل أخرى خارجية، من أهمها الحركة الوطنية المصرية، في قيام ثورة عام 1924م، بقيادة الشباب الأفندية.
وصف الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب (1918م-1982م) في مقدمة ديوانه الشرافة والهجرة رحلة انتقاله في الدراسة من الخلوة (حيث شراب الحروف كما أشار البروفسير عثمان سيد أحمد إسماعيل البيلي في كلمة له)[10] إلى المدرسة حيث الوقوف في الطابور يقول المجذوب: (وهاجر طالب القرآن الصغير من خلوته الزاهدة المستبشرة إلى مدرسة أميرية في الخرطوم عاصمة الترك في السودان السناري، وأوقفوه في الطابور... كان التلاميذ في المدرسة من أعاجيب المدينة، يضحكون من لهجته القروية، وكان لا يشك في كفر من يدخن سجارة- وبدأت خلوته مع نفسه في منفاه- لم يكن له صديق، ولا يزال واقفاً في ذلك الطابور يخرجه منه الشعر وتعيده إليه لقمة العيش)[11].

المزاج الصفوي
أشرت في الحلقة الأولى إلى أن المزاج الصفوي للنخبة السودانية واقع ماثل ومسلك ظاهر حتى يومنا هذا. ترجع أسباب هذا المزاج الصفوي إلى عوامل عديدة، وتعود جذوره إلى مراحل باكرة، منذ بداية التعليم الحديث في القرن العشرين وظهور الخريجين الأوائل.
كانت كلمة خريج في البداية تعني خريج كلية غردون التذكارية وخريج المدارس الابتدائية (الوسطى) ثم توسعت الكلمة لتشمل حتى خريج المدرسة الأولية[12]. ويضيف الأستاذ محمد أبو القاسم قائلاً: كانت كلمة (خريج) مرادفة لكلمة (مثقف) وكانت تعني أي شخص تخرج من دراسة الكُتاب أو المدرسة الأولية- الابتدائية[13]. وكانت كلمة أفندي أيضاً مرادفة لكلمة (مثقف). هناك الكثير من التعريفات للمثقف، فهناك من يرى أن المثقف هو من تتوفر فيه بعض الشروط التالية: المعرفة وعمق بعضها، وإنتاج المعرفة، والمساهمة في مجمل الحركة الاجتماعية[14]. كما عرّف د. نصر حامد أبو زيد المثقف بأنه: هو الإنسان المنخرط –بطريقة أو بأخرى- في عملية إنتاج الوعي[15]. وعنى كمال الجزولي بالانتلجينسيا، الفئة الاجتماعيَّة السودانيَّة التي تمتهن أو تختص بالعمل الذهني من مداخله التعليميَّة (الحديثة)[16]. ولعلي أميل إلى تعريف الأستاذ كمال الجزولي لغرض هذا البحث.
لا شك أن حالة الانفصال والاضطراب الحضاري –على النحو الذي وردت الإشاره إليه آنفاً- التي دخل بها أبناء السودان مؤسسات التعليم الحديث في بداية القرن العشرين، كانت عاملاً من العوامل التي احدثت حالة من الاغتراب عن الإرث الحضاري والتاريخ، وبالتالي اغتراباً عن المجتمع والواقع. كما أن نوع التعليم الذي أتى به البريطانيون، وأهدافه التي تم حصرها في تحقيق أغراضهم، وطريقة اختيار الطلاب ومحدودية الفرص، قد خلفت اتجاهاً صفوياً ومزاجاً فوقياً لدى المتعلمين.
لعل من بين العوامل التي عززت المزاج الصفوي لدى المتعلمين، هو ما تبع فشل ثورة عام 1924م من إجراءت قامت بها الإدارة الاستعمارية. لقد أحكمت الإدارة البريطانية الطوق على حركة المثقفين بإجراءات مكثفة ضدهم، وتبع ذلك تعسف في كلية غردون إضافة إلى إلغاء المدرسة الحربية، ووضعت سياسات لاحتواء المثقفين بالإغراء أو القهر. قادت تلك الإجراءات جيل الشباب المتعلم إلى ابتكار تنظيم جماعات القراءة في الأحياء والجمعيات الأدبية، التي انزووا فيها. كانت "جمعية أبوروف" أول هذه الجمعيات وتكونت ممن تخرجوا من كلية غردون في عامي 1924م و1925م. و"جماعة الهاشماب" (أولاد الموردة) وقد عرفت فيما بعد بمدرسة الفجر، إشارة إلى مجلة الفجر التي أصدرتها الجماعة في عام 1934م، و"جمعية ود مدني الأدبية"، و"جماعة الأشقاء"، و"جمعية الآداب والفنون والمناظرة"، و"جماعة مكولي"[17]، وغيرها. ساهمت جماعات القراءة في الأحياء والجمعيات الأدبية في التعلُم الذاتي الذي اكتسبه المثقفون من حواراتهم ولقاءاتهم؛ إلا أنها أسست إلى المزاج الصفوي، وضعف التفاعل مع الواقع. يقول الدكتور محمد سعيد القدال (1935م-2008م) عن جماعات القراءة في الأحياء والجمعيات الأدبية أنها كانت: (تعكس المزاج الصفوي للمثقفين. ولكن حصيلتها من التراكم المعرفي قاد إلى بلورة أفكار اجتماعية وسياسية فكانت هي القنطرة التي وصلت العمل الثقافي بالنشاط السياسي)[18].
كان الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م) من أوائل الذين تناولوا عيوب التعليم ونواقصه، وتحدثوا عن مخاطر الصفوية، وانفصال المتعلمين عن المجتمع والواقع. كتب الأستاذ محمود في خطابه إلى عميد بخت الرضا الأسبق الأستاذ عثمان محجوب، بتاريخ 24/12/1958م، الذي كان استجابة لطلب الأخير الاستئناس برأي الأستاذ محمود حول لجنة التعليم المسماة "لجنة عكراوي". جاء في خطاب الأستاذ محمود ما يلي: (إن التعليم الجامعى الحاضر باهظ التكاليف جدا.. وهو غير كبير الجدوى للبلاد.. بل إن الخريجين والجامعيين يكونون طبقة جديدة لا تأبه كثيرا بحالة البؤس التي يعاني منها الشعب، وهم على التحقيق، غير قادرين على السكن في القرى، والأرياف، حتى يستطيعوا أن يتفهموا حالة مواطنيهم، ويعينوا على تطوير حياة الريف.. ولو أوقف هذا التعليم الجامعي الحاضر، وأستعين بما ينفق عليه، في الوقت الحاضر، لتوسيع قاعدة التعليم، وتركيز مراحله، على النحو الذي إقترحت أعلاه، لكان ذلك أفيد للبلاد)[19].
بدأت عزلة المتعلمين، وصفوية مزاجهم تظهر منذ ثلاثينات القرن العشرين. وقد عبر بعض المثقفين عن ذلك في كتاباتهم، ففي عام 1932م كتب الشيخ علي عبدالرحمن الأمين (1906م- ؟؟؟)، في مجلة النهضة السودانية قائلاً: (إن المتعلمين عندنا فريقان: فريق يعيش في عزلة عن الناس ولا يتصل بالحياة إلا اتصالاً جسمياً بحتاً لا أثر للروح فيه فلا تسمع له صوتاً ولا تحس له أثراً... وفريق نشط عامل ما وجد إلى ذلك سبيلا، ويحاول أن يجعل ثروته الفكرية مشاعة بين الجميع، ولكن آفة هؤلاء أنهم مغرمون بكل جديد فهم لا يكلفون أنفسهم النظر في أمر القديم)[20]. وفي دراسته عن محمد أحمد المحجوب (1908م- 1976م)، ذكر البروفسير محمد إبراهيم أبوسليم (1927م-2004م)، أن المحجوب كان مترفعاً على الناس لإحساسه القوي بتفوقه ومقدراته ومكانته، ولأنه لا يؤمن إلا بالخاصة، وهم المثقفون عموماً والعلماء خاصة... كما لاحظ أبو سليم في التقارير المتتابعة عن المحجوب أن رؤساءه الإنجليز رغم تقديرهم لكفاءته كانوا يتضايقون من تعاليه واعتداده. وأورد أبو سليم ما جاء في تقرير محرر في 13 ديسمبر 1938م، عن المحجوب بأنه (سريع الانجاز غير أنه يضحي أحياناً بالدقة بعامل السرعة وإنه يميل إلى الغرور بكفاءته). وأضاف أبو سليم قائلاً: (وكان بيت المحجوب في الخرطوم منتدى المثقفين وعليَّة القوم... إنه رجل يعشق العلو والأعالي ويؤمن أن مكانه هناك... هو يؤمن بالصفوة ويخاطبها بشعره ونثره، ولا يرضى أن ينزل بنفسه عن مستوى الصفوة...[21].
ذكر الأستاذ يحي محمد عبدالقادر (1914م-؟؟؟) في مذكراته، أن الأستاذ مكي عباس (1909م-1979م): (كان شديد الكبرياء ينظر إلينا نحن الصحفيين الذين لم يتلقوا تعليماً أكاديمياً نظره إلى هذه الطفيليات التي تتسلق جذوع الأشجار المثمرة، وتعمل على امتصاص معين حياتها، وكان يحس... بأن عدم تشربنا بالمثل والمبادئ العليا وقوالب الأفكار التي صنعت خصيصاً لطائفة معينة من رصيدنا المثقف، جعلتنا في مستوى خلقي هابط. فالحياة في رأيه يجب أن تكون نسخة لهذه الألفاظ البراقة عن السلوك التي دونت في الكتب)[22]. تخرج الأستاذ مكي في كلية غردون عام 1931م، وكان أول دفعته.
صوّر الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب، علاقة الأفندي بالناس والمجتمع من خلال حديثه عن نفسه بعد أن تخرج في كلية غردون قائلاً: (وتخرج من كلية غردون التذكارية، وصار أفندياً ولبس القبعة، واستهواه عيش الفرنجة، وأسقط الحواجز وتخطى فإذا قطع شوطاً وقف يتأمل، ثم يبدأ شوطاً آخر من جديد، وكان لقب الأفندي شيئاً عظيماً، يمر صاحب اللقب فيقف له الناس ويتصايحون: فلان أفندي! مرحبْ.. حبَابَك.. اتْفَضّل، ولا يتفضل الأفندي، فهو ذاهب إلى نادي الموظفين يتذوق مثله العليا.. الطمع الثقافي.. الترقية والكيد وخدمة الطائفة والأنس بالحاكم، وثبت لي أن الفتى المهاجر لم يكن ذا ولاء لزيه الأفرنجي، وعرفتُ في وقت مبكر أنه كان يتنكر ويمر بجواز غير دقيق التزييف)[23].
في يوم الخميس القادم أُتابع الحديث.

(4)

[color=blue]إن حلقات الفشل في السودان، عديدة ومتصلة ومستمرة. فالتنمية والاستقرار والبناء الوطني في تراجع دائم منذ الاستقلال، والجهود في تحقيق ذلك كانت ولازالت ضعيفة ومتباعدة ومبعثرة، وذات سمة ترقيعية أكثر من كونها عملاً استراتيجياً. ولعل مرد ذلك في أكثر الوجوه وضوحاً، هو أن جهود البناء في السودان، منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، لم تكن في يوم من الأيام جهوداً جماعية. فجهود البناء الجماعي تتطلب الوفاق والتراضي والتواضع على ثوابت وطنية. ولا شك أن ثقافة جهود البناء الجماعي، بشروطها ومتطلباتها، تبدأ في العقول، كأفكار وقناعات، يتبعها التداول والتشاور الجماعي، لترسخ كمعطى أساس وثقافة سائدة، ومن ثم تنمو عبر الحوار لتجد طريقها إلى الترجمة العملية في الواقع. وعلى الرغم من أن نماذج القيادات الناجحة في تحقيق البناء الجماعي في الأوطان التي تشبه حال السودان، كثيرة، وقد حققت ذلك بعيد استقلال بلدانها؛ إلا أن القيادات السودانية منذ الاستقلال حتى اليوم، فيما يبدو كانت ولازالت غير قادرة على تحقيق ذلك، أو أنها لم تكن تعرف السبيل إلى ذلك. إن تأسيس ثقافة البناء الجماعي، تتطلب جهوداً أكبر، خاصة إذا لم تكن من ضمن الموروث والتركة السياسية.
الشاهد، أن السودان منذ بداية القرن العشرين، لم يحظ في أي لحظة من لحظات تاريخه، بجهود بناء جماعية، أشتركت فيها كل شعوبه، وكل طاقات وعقول مثقفيه، غير تلك الفترة التي كان القادة فيها بريطانيون. ومنذ الاستقلال كانت النخبة السودانية تعمل كشلليات (فُرق) لا صلة لعملها بالواقع. فريق يبني وفق رؤيته القاصرة الناقصة، وفريق يهدم وفق مفهومه للبناء، وآخرين آثروا الصمت والصيام عن العمل والعطاء. في هذا المناخ العام، حيث التخريب، لا البناء، والانفصال عن الواقع، لا التواصل، ظلت شعوب السودان على الدوام تمضغ الفجيعة في صمت، وتعتصرها خيبة الأمل في نخبتها. كتب الأديب الشاب هشام آدم في شهر مارس 2010م قائلاً: (أصبح الأمر فوق احتمال الوصف والتعبير، البلاد تمر بمحنة حقيقية يُشارك فيها الجميع: الحكومة – المعارضة –الانتهازيون –الصامتون، وكأنه ليس ثمة من "وجيع" لهذا البلد إلا من يُقدّرونه حق قدره من أعدائه العارفين بخيراته، وبما يُمكن أن يُنجزونه عبره أو عبر تحييده على الدوام..)[1].
هذا الحال ليس بجديد على واقع السودان، وإنما بدأ منذ بدايات ظهور المتعلمين في مسرح العمل العام. إن البحث في البدايات ونقدها، يُسعف في قراءة الواقع، وتفكيك رموزه، وترسيم المستقبل، فالبدايات تعبر عن مآلات الحاضر، التي هي مستقبل الأمس. فمنذ أن ظهرت طلائع المتعلمين في ساحة العمل العام، كانت صفوية في مزاجها، وكان تكوينها المعرفي والعقلي مفارق للواقع السوداني وتاريخه. لقد حد المزاج الصفوي من فرص التفاعل الإيجابي بين المتعلمين والمجتمع وواقعهم، كما أضعف فرصة التأسيس لثقافة البناء الجماعي. بل لم يكن طلائع المتعلمين راضين ببعضهم البعض. وتجلى ذلك في جهودهم التي بذلوها من أجل الاستقلال، بعد التسوية التي تمت في صراعهم مع القيادات الطائفية والدينية. فجهودهم بلا شك كانت جهوداً كبيرةً، ولكنها تميزت بالشللية والطموحات الشخصية والمناورات والفوقية والدسائس وعدم الرضا ببعضهم بعضا. ففي الفترة من عام 1944م حتى عام 1951م، فاق عدد الأحزاب السودانية العشرين حزباً. كانت معظمها تجمعات سياسية صغيرة دون سند شعبي، ولم تتجاوز أعمار بعضها العامين، وتمحور جلها حول حركتي الاستقلالية والوحدوية، ولم يشذ من ذلك سوى بعض الأحزاب الجنوبية التي نادت بإتحاد فدرالي بين الشمال والجنوب، أو إنشاء نظام موحد للحكم لجميع ولايات السودان. يعكس تكوين هذا العدد الكبير من الأحزاب، الكثير من الدلالات، ومن بين ذلك ضعف فكرة العمل الجماعي لدى طلائع المتعلمين، وحِّدة المنافسة بينهم. إلى جانب أن الجميع قدموا أنفسهم على أساس أنهم قادة، وأصحاب قرار، وأن الموقع المناسب لكل منهم هو الصف الأول وإلا فلا.
ساهم المزاج الصفوي لدى طلائع المتعلمين في ضعف البناء الوطني، والفشل في تحقيق التسوية الوطنية، بسبب التعالي على الواقع، وضعف فرص الاتصال بين الواقع والقوة الإبداعية، وتجلى ذلك بوضوح في تهميش المحلي في إنتاجهم الإبداعي لا سيما الشعر. لقد تعلق معظم طلائع المتعلمين بالشعر والأدب العربي، وأصبحوا منتجين له. لقد تحدث الدكتور النور حمد في كتابه: مهارب المبدعين: قراءة في السِّير والنصوص السودانية، الذي صدر حديثاً من مؤسسة مدارك للنشر، 2009م، عن حالة الاستلاب الثقافي التي عانى منها جيل الرواد من أدباء السودان، وقد خصص فصلاً عن محمد أحمد المحجوب (1908م- 1976م)، وتناول فيه تعلق المحجوب بلبنان والقاهرة ولندن، وتحدث عن تهميش المحلي في انتاجه الشعري. كانت علاقة المحجوب بالواقع السوداني علاقة تعالي وترفع، لهذا يصعب على مثله تحقيق التسوية الوطنية. قال لورد كارادون، في المقدمة التي كتبها لكتاب محمد أحمد المحجوب الديمقراطية في الميزان، واصفاً المحجوب بأنه: (ليس مفكراً بناء مثل نايريري في تنزانيا، ولم يستطع أن يحقق التسوية الوطنية في السودان كما حققها غوان في نيجيريا. لن يستطيع أن يأمل في المساهمة في تسوية للقضية الفلسطينية، ولكن فترة الانتقال الصعبة التي ابقاها حيَّة وروح الخدمة العامة المخلصة، يكونان مثلاً شخصياً رائعاً)[2].
أيضاً، أدى المزاج الصفوي لدى المتعلمين إلى بلورة العلاقة مع الواقع على أسس العمل الفوقي، ومن ثم غياب عناصر الشراكة فيما بينهم، من أجل البناء الوطني، إلى جانب انفصالهم عن الواقع، وانقطاعهم عن الجماهير. لقد اتسم عملهم بالعمل الفوقي، أكثر من كونه عملاً مشتركاً فيما بينهم أو مع الجماهير أو يقوم على تنظيمها. فجهود الاستقلال كانت تقوم على المفاوضات الفوقيه مع دولتي الحكم الثنائي، ولم يخرج السعى إلى الاستقلال من حيز المفاوضات والعمل الفوقي إلى النشاط السياسي العريض، أو العمل الجماهيري الواسع (لقد تضمنت معظم كتب الدكتور محمد سعيد القدال إشارات إلى ذلك). والاستثناءات في ذلك قليلة، ومن بينها الحزب الجمهوري بقيادة الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م)، الذي لم تكن له ارتباطات طائفية أو قبلية، ولم تكن له علاقات مع الساسة في مصر أو مع الإدارة البريطانية. اتجه الحزب الجمهوري إلى مخاطبة الجماهير في المقاهي والأماكن العامة، ومنذ الستينات ظل الأستاذ محمود يجوب مدن السودان المختلفة متحدثاً ومحاضراً، وفي اتصال مباشر مع الجماهير. أيضاً كانت حركة "حستو" الحركة السودانية للتحرر الوطني، التي تحولت لاحقاً إلى الحزب الشيوعي السوداني. ورغم أن "حستو" كانت حزباً صغيراً، إلا أنه اتسم بدقة التنظيم، والعمل بعيداً عن الطائفية والارتباطات القبلية، والصلات الفوقيه مع الإدارة البريطانية. اتجهت "حستو" إلى قوى اجتماعية لم تحفل بها الأحزاب الأخرى ولم تؤسس فيها نفوذاً راسخاً، وهي: الطلاب، والشباب، والعمال، والمزارعين، والنساء. ففي صيف 1946م تكون أول تنظيم عمالي في تاريخ السودان الحديث وهو "هيئة شؤون العمال"، وفي عام 1949م تكونت نقابة عمال السكة الحديد لتحل محل هيئة شؤون العمال. وتبع ذلك تكوين العديد من النقابات العمالية. ثم انعقاد أول مؤتمر عمالي في ديسمبر 1950م وتمخض عنه تكوين الاتحاد العام لنقابات عمال السودان. وأصبح محمد السيد سلام رئيساً له والشفيع أحمد الشيخ سكرتيره، وبقي الشفيع يقوده حتى استشهاده عام 1971م. (راجع محمد سعيد القدال، معالم في طريق الحزب الشيوعي، 1999م).
لقد ظل مفعول المزاج الصفوي يتراكم لمدى طويل، وأثر في مجرى الأحداث والمسار السياسي، من خلال تعزيز السلطوية لدى المتعلمين في علاقتهم بالواقع، ومنحهم حق الوصايا على الناس، وأضعف بناء أسس الشراكة والندية والتساوي في الحقوق. والشواهد على ذلك كثيره، ومن ذلك الرد الذي كتبه السيد خضر حمد (1908م-1970م)، على رسالة الأستاذ محمد خير البدوي حول حكم الردة في حق الأستاذ محمود محمد طه يقول البدوي: (وقد أحزنتني الفتوى التي صدرت في عهد الحكم الديمقراطي بتكفير محمود محمد طه، ورأيت فيها شططاً كبيراً واعتداءً على حرية الفكر والعقيدة. وكتبت رسالة في هذا الشأن إلى الحاج خضر حمد، عضو مجلس السيادة، فرد عليّ برسالة مطولة بتاريخ 28/4/1969م، اقتطف منها ما يلي: أما محمود محمد طه فقد طلق منه المرأة أبوها شيخ لطفي منذ أن خرج محمود من السجن بعد أن ادعى أنه سيدنا عيسى عليه السلام. ومحمود ما زال يحاول أن يكون نبياً يشارك محمد الرسالة، فذاك الإسلام الأول ومحمود نبى الإسلام الثاني الذي يصلح للقرن العشرين. وقد استفتينا علماء السودان ومصر ومشائخ الطرق وأصحاب السبح والدراويش والعلماء في الجامعة الإسلامية وجامعة الخرطوم وجامعة القاهرة وكلهم كفَّره وخطَّأه. هل يترك ليعير أم يُسلم لكوبر؟؟)[3].
من أجل ابعاد الأستاذ محمود من الساحة السياسية واسكاته، اكتفى السيد خضر حمد بإعمال عقول الفقهاء واهتدى بفتواهم. وتحدث في رسالته بسلطوية وكأنه صاحب الحق المطلق، والوصى الخيِّر. كان السيد خضر حمد وقتئذ، من قادة نظام الحكم، ومثقفاً يتربع بحق العضويه على عرش أعلى جهاز للدولة "مجلس السيادة"، في بلدٍ يعيش كِظَّة التنوع الثقافي والتعدد العرقي والديني، وفي ظل نظام ديمقراطي.
لقد كان القرن العشرين في السودان قرن التعليم الحديث، وقرن التحرر الوطني من المستعمر البريطاني/ المصري، ونيل الاستقلال الذي تحقق عبر التطور الدستوري عام 1956م بخروج المستعمر. وبدأ فيه الحكم الوطني، وتبعته الصراعات حول نُظم الحكم، وحقوق الثقافات، وخُتم بإتساع رقعة الصراعات المسلحة، وارتفاع الأصوات بالعدل الثقافي والحرية الدينية. وعندما هل القرن الحادي والعشرين، وهو قرن الجرد والنقد، انتظمت البلاد حالة نقدية شاملة، لا أحسب أن انجازات الماضي تستطيع أن تتماسك أمامها. فهي حالة صحية وحتمية، وإن كانت قد تأخرت، وجاءت بعد ركود دام زمناً طويلاً، إلا أنها تهدف إلى إجراء مراجعات شاملة للمسار السياسي، وإعادة النظر في الحقوق وانجازات الماضي. فالوعي بالذاتية قد تنامي وشمل كل أنحاء السودان، في الجنوب ودارفور، وديار البجة وجبال النوبة وفي الشمال نفسه. لقد انتظمت البلاد حالة نقد واسعة لكل تاريخ السودان ومساره السياسي، وستتسع أكثر فأكثر. بدأ القرن الحادي والعشرين بطرح قوي للأسئلة المؤجلة حول القضايا المدمدمة: حول المرتكز الحضاري للسودان (الهوية)، وحقوق المشاركة العادلة لمختلف الثقافات وابنائها في الحكم، وضرورة حكم السودان على أسس التنوع الثقافي. إنه قرن التحدي، والجرد، لذا فهو يحتاج أكثر من أي وقت مضى للقادة السوامق، والحكماء النوابغ، الذين يرتبطون بالمستقبل أكثر من ارتباطهم الماضي، ويعملون بالحكمة لا بالغلظة والفظاظة والعجلة والتعجل، يسيرون على هدي إرادة أهل السودان لا بما يريدون هم. إنها اللحظة التي يجب أن يتوافق الناس فيها على برنامج قومي وثوابت وطنية، ويرتفع فيها القادة والناس من المصالح الحزبية إلى المصالح الوطنية. حتى الآن لا يستطيع أحد التنبؤ بما سيسفر عنه مستهل العقد القادم، والعقود التالية. فقط علينا الانتظار والتأمل، لقد انقضى الوقت الذي يجب فيه العمل لتصحيح المسار، فقط يبقى الرهان على مفاجآت أرض السودان العبقرية، فهي دوماً تقدم لنا المفاجآت والمفارقات، وظللنا نقدم لها عاهاتنا السياسية وبوارنا الأخلاقي. وفي يوم الخميس القادم أُتابع حديثي.

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، 10 يونيو 2010م)
الإدارة
10-16-2010, 01:00 AM
النُّخْبَةُ السودانية: المزاج الصَّفْوي والصِّرَاع العقيم (5)

أصبح للناس في السودان، خبرة معتبرة في القدرة على التصالح مع الانهيار، والتعايش مع التدهور، والصبر على الخراب. لقد اكتسب أهل السودان هذه الخبرة، بسبب نهج القادة وتعاطيهم مع الشأن العام. ظلت هذه الخبرة تتراكم منذ الاستقلال، وهي خبرة اضطرارية، وليست اختيارية، وتمثل ابتكاراً عبقرياً لمقابلة خيبة القادة. فالسودان منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، يعيش في حالة تدهور وانهيار واضح على مختلف المستويات، ولا يحتاج ذلك إلى مسوغات أو براهين. وتمدد التدهور بشكل بشع في الشارع العام، وسارع الخطى، بدلاً عن الزحف، وطال مفهوم التعايش، وقيم التسامح والاعتدال، وغدا أكثر وضوحاً في فهوم الناس وعقولهم. لقد انشغل القادة منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، بالصراع حول الحكم، وكان صراعاً عنيفاً، وقاسياً، لا يتناسب مع حجم الانجازات الوطنية، وكان حاصله في الواقع سلبياً، وأثره في إحداث التغيير ضعيفاً. لقد انصرف المثقفون منذ قبل الاستقلال من الحوار حول قضايا السودان إلى حسم صراعات نمت في عقولهم ونفوسهم، قبل أن تنبت في الواقع. بددوا فيها طاقاتهم، وضيَّقوا بها على أنفسهم، وعلى الناس، ونسفوا عبرها فرص التأسيس لثقافة البناء الوطني عبر الجهود الجماعية. ظل القادة منذ الاستقلال، نفس القادة، يبنون حيناً، ويهدمون حيناً آخر، وفي اللحظة نفسها بعضهم يبني والبعض الآخر يهدم. كانوا ولا يزالوا عباقرة في المعارضة، و(ممحوقين) في الحكم. فغابت ثقافة البناء الجماعي من الإرث السياسي. ولم ينعم السودان منذ الاستقلال وحتى يومنا هذا، في أي لحظة من لحظات تاريخه، بجهود جماعية في البناء الوطني.
ظل المثقفون، ومنهم بعض القادة، منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، في وادي وشعوب السودان وقضاياه في وادٍ آخر. أهملوا قضايا الناس والبلاد الأساسية، واعملوا عقولهم، وعبقرياتهم في تصفية صراعاتهم السياسية، فشغلوا أنفسهم والناس معهم. يقول الدكتور أنس العاقب: (مهما قيل وكتب حول تاريخ السودان الحديث وخصوصاً بعد الاستقلال فإن الواقع السياسى الثابت والمتغير يؤكد أن إخفاقنا الحقيقى سيظل دائماً مرتبطاً فى الثقافة والفنون بالشأن السياسي الذي عجز عن أن يقدم خطاباً فكرياً سودانياً أو (سودانوياً كما يقول الراحل أحمد الطيب زين العابدين)... لقد هيمنت التجارب السياسية على مسار الحياة السودانية عموماً وشغلتنا حتى عن أنفسنا...)[1]. مع الإهمال والانشغال، تنزلت الصراعات من عقول المثقفين ودوائرهم إلى الواقع، فأخذت قضايا السودان، وهي كثيرة، تتمدد في الواقع، وتنخر في العقول، وتهدم في الموروث والنفوس. لقد جعل المثقفون من قضية البحث عن المرتكز الحضاري للسودان "سؤال الهوية"، محوراً للصراع، وهي موضع الحوار والتراضي. فواقع السودان وتاريخه ينطقان بالتنوع الثقافي، الذي يجب أن تدار البلاد على أساسه، والقادة ينطقون بغير ذلك. والسودان ينطوي على إرث حضاري ضخم، جعل منه قطراً متفرداً، يحتاج لابتداع نظام سياسي يشبه تفرده، ولكن القادة ظلوا يريدون له التماهي إما في المحيط العربي أو المحيط الأفريقي، والحقائق التاريخية والواقع يقولان بغير ذلك. بل أن أهل المحيط العربي وأهل المحيط الأفريقي يصعب عليهم فهم شأن السودان، قال الدكتور عبدالله على إبراهيم: (ما لدينا شئ مختلف، ولا يستطيع الناس في خارج السودان فهمه، ولكن نحن حتى الآن لم نستطع أن نبتدع نظاماً وممارسة سياسية تناسب وتتناسب مع خصوصيتنا وتفردنا، بعيداً عن المقارنات)[2].
هذا الفشل، فشل موروث، منذ ظهور طلائع المتعلمين في ساحة العمل العام، وتوليهم لقيادة السودان بعد الاستقلال. قال السيد مبارك الفاضل المهدي، في معرض حديثه عن برنامجه في حملته الانتخابية لرئاسة الجمهورية في انتخابات عام 2010م: (نحن نريد أن نخرج مما أدخلنا فيه ساسة الستينات)[3]. وهذا حديث نقدي سليم، ومطلوب. فساسة الستينات أورثونا الكثير من بذور الفشل، والخيبة، وساروا بالبلاد في وجهة يتكشَّف خطأها وخطرها كل يوم. ليس المقصود هنا، المحاكمة أو التجريم، لأولئك القادة، وإنما الهدف النقد. نحن في حاجة ماسة إلى نقد تلك المرحلة، بما يخدم تصحيح المسار والإدراك الشامل. لقد بذل طلائع المتعلمين جهوداً كبيرة من أجل الاستقلال، وكانوا آباءً مجتهدين؛ إلا أن جهودهم لا ترقى إلى أن يكونوا آباءً مؤسسين، بمفهوم الآباء المؤسسين، في حال الكثير من دول العالم. نقبل بأنهم كانوا –كما جرت العادة في الإحتفاء بهم- عباقرة في الشعر، و ...إلخ وفي كل شئ، إلا القيادة والحكم. لم يكونوا عباقرة في القيادة والحكم. فالآباء المؤسسون دوماً يكونون من أصحاب القامات السوامق، الذين يترفعون عن الصغائر والصراعات الشخصية، ويسعون بحاستهم العدلية، وحنكتهم القيادية، إلى تحقيق التسوية الوطنية. ويعملون بحكمتهم القيادية ودرايتهم بالواقع والتاريخ على التأسيس لمعاني التعايش وثقافة التصالح، والبناء الوطني عبر الجهود الجماعية. لم يكن طلائع المتعلمين الذين قادوا السودان بعد الاستقلال كذلك. لقد كانت لديهم الفرصة أن يكونوا آباءً مؤسسين، لو أنهم كانوا كباراً، وترفعوا عن الصغائر والصراعات الشخصية فيما بينهم. لقد تجلت صراعاتهم ودسائسهم ومؤامراتهم في الكثير من المواقف في الحكم وتجاه بعضهم بعضاً. كان الانتصار الشخصي في المنافسة الحادة، وتصفية الصراع والاختلاف فيما بينهم يتم عبر الدسائس والمؤامرات، وقد مارسوا ذلك في وجه الكثير من أندادهم. لقد واجه الأستاذ أحمد خير المحامي (1903م-1995م)، رجل مؤتمر الخريجين، الكثير من المؤامرات، واعتزل العمل السياسي، بعد أن رفض الانضمام إلى الحزب الوطني الاتحادي، الذي تكوَّن بعد توحيد الأحزاب الاتحادية في القاهرة في نوفمبر عام 1953م، بعد أن استولى الضباط الأحرار على السلطة في مصر في 23 يوليو 1952م. كما عارض اتفاقية القاهرة عام 1953م باعتبارها خدعة انصرافية وأن الطريق إلى الحرية هو طريق الكفاح لا المعاهدات، وأن الإنجليز لا يحترمون ميثاقاً. وعندما لم يجد رأيه استجابة انسحب واعتزل العمل السياسي.[4] وظل بعيداً حتى قيام الانقلاب العسكري في 17/11/1958م، الذي أتى به وزيراً للخارجية. ذكر الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد (1942م- 2004م) أنه سأل إسماعيل الأزهري (1901-1969م) في نهايات الحكم العسكري عن تقييمه لموقف أحمد خير، فقال الأزهري: (إن أحمد خير رجل لا غبار عليه، وتعاونه مع العساكر سببه خلافاته معنا وليس ميله إليهم)[5]. أيضاً، نتيجة لمناخ الصراعات والمؤامرات، فقد عاش الأستاذ محمود محمد طه (1909م- 1985م) كل حياته يواجه المؤامرات والتشويه والخبث من أنداده، حتى محاكمته بالردة عام 1968م، ومن ثم إعدامه عام 1985م، ولازال اسمه، وإنتاجه الفكري يخضع للتشويه والتخابث والتآمر من قبل الكثير من المثقفين. وكذلك عبَّر الأستاذ عبدالرحمن علي طه (1901م-1969م) عن رفضه لمناخ الدسائس والمؤامرات باعتزاله العمل السياسي منذ عام 1958م، ورجع إلى مسقط رأسه، وتفرغ لإصلاح مدينة أربجي وبقي بها حتى وفاته، صبيحة الأحد، الثاني من نوفمبر 1969م. قال حسن نجيله (1910م-1983م) في مقاله "خواطر: فقدنا معلم الجيل"، الذي نُشر بصحيفة الرأي العام، 14/12/1969م، متحدثاً عن اعتزال عبدالرحمن علي طه للعمل السياسي، ورجوعه إلى قريته قائلاً: "ولما صار العمل الحزبي تطاحنا حول الإستوزار والحكم، عف عنه واحتقره وعاد إلى موطنه الصغير في قريته، لا لينعم بالهدوء كرجال المعاشات، بل ليبدأ عملاً جليلاً مضنياً، فخطط القرية تخطيطاً جديداً، وغرس في نفوس أهلها حب التعاون، فبنوا وعمَّروا، وأنشئوا المدارس والشفخانات والمصحات والمساجد، وأسسوا مجتمعاً راقياً في اتجاهه وعمله، وذهل كبار الزوار العالميين الذين زاروهم خلال تجوالهم في أرض الجزيرة، وتمنى الكثيرون منهم مثاله في بلادهم وهي أكثر حضارة ورقياً من بلادنا). لقد انكوى من مناخ المؤامرات والدسائس آخرون كُثر. تحدث الأستاذ يحي محمد عبدالقادر (1914م-؟؟؟)، في مذكراته الموسومة بـ: على هامش الأحداث في السودان، باستفاضة عن تلك الصراعات، وأشار بصراحة ووضوح وتفصيل إلى الدسائس وطبيعتها، وإلى المؤامرات، وكيفية نسجها. أيضاً، كان محمد أحمد المحجوب (1908م- 1976م) قد وقف في مجلس النواب يوم الثلاثاء 16 أغسطس 1955م، متحدثاً إلى النواب على مشارف الاستقلال، وهو زعيم المعارضة في المجلس، وذكرهم بضرورة أن يكونوا كباراً في كل شئ، عبر تحرير عقولهم وصدورهم من الحقد والأهواء قائلاً: (إننا نعيش الآن في زمن يصنع فيه التاريخ، فإذا أردنا أن نتجاوب مع هذا التاريخ، ونخط بأيدينا بعض فصوله، فمن واجبنا أن نكون أهلاً لذلك في جميع تصرفاتنا، بتحرير عقولنا من الضيق، وصدورنا من الحقد، وصفوفنا من الانقسامية، ونحارب أهواءنا وشهواتنا، وندفن أغراضنا وأطماعنا، وبعبارة أخرى، أن نكون كباراً في كل شئ، لان الصغار هم الذين لا يفعلون ذلك والذين يرتجفون أمام الأحداث ويفقدون توازنهم في المواقف الحاسمة ليسوا كباراً وهم بالتالي لا يصلحون مادة للتاريخ)[6].
لا شك أن طلائع المتعلمين، كانوا ضحايا لأوضاع معقدة، صاحبت لحظات تكوينهم الفكري والمعرفي. كما كانوا رهينة لظروف قاسية مروا بها، وعبروا منها إلى قيادة السودان بعد الاستقلال. فالإدارة البريطانية رسمت سياسات قاسية تجاههم، وصدتهم عن دورهم القيادي، وضيَّقت عليهم الخناق في معاشهم وحركتهم، وحبست الموارد المالية عنهم، وشجعت روح المنافسة بين زعماء الطوائف، فتسربت تلك المنافسة إلى عقول ونفوس المتعلمين، وغدت تتحكم في علائقهم وممارستهم السياسية. هذا إلى جانب نوع التعليم الذين وضعته الإدارة الاستعمارية. كان التعليم يهدف إلى تحقيق الأغراض الاستعمارية، المتمثلة في توفير الوظائف الكتابية والفنية بمعزل عن الدور القيادي المستقبلي للمتعلمين. أيضاً، واجه المتعلمين التحالف الطائفي ضدهم، أثناء صراعهم مع القيادات الطائفية والدينية، فانتهى الصراع إلى التسوية مع الطائفية. وبجانب ذلك، عاش الكثير من طلائع المتعلمين فقراً مدقعاً، بسبب فقر بيئاتهم وشح مواردها، ونتيجة للسياسات الاستعمارية، والأزمة الاقتصادية العالمية عام 1929م. وقد شكا الكثير منهم من الفقر. لقد تحدث الأستاذ يحي محمد عبدالقادر في مذكراته بإسهاب عن حالة الفقر التي كان يعاني منها المتعلمون في ذلك الوقت. وأشار إلى أن حالة الفقر وشدة الحاجة والعوز، تحكمت في مسار الكثير من المتعلمين، وجعلت بعضهم يقوم بأعمال ونشاطات لا تنسجم مع رؤاهم ومبادئهم، إلا أن الفقر لم يترك لهم خياراً غير تلك الأعمال والنشاطات. وذكر أنهم كانوا ينتظروف عطايا السيد عبدالرحمن المهدي (1885م-1959م)، ويتغنون له حينما ينفح أحدهم بملبغ من المال أو مكرمة في الملبس. وأشار إلى أن السيد عبدالرحمن نفحه يوماً ببدلتين وقميصين وكرفتتين وحذائين، فظل مع أصدقائه في (الميز) يتغنون طوال المساء بـ (أبو الصديق فراج الضيق)، وهم يعددون مآثر السيد عبدالرحمن وفيوض كرمه. وتحدث الأستاذ يحي أيضاً، عن حالة الفقر التي كان يعيشها الشاعر التجاني يوسف بشير (1912م- 1937م)، قائلاً: (وجدت التجاني يوماً منهمكاً في تصحيح كتاب (نفثات اليراع) المنسوب للأستاذ محمد عبدالرحيم فقال لي في حرارة أنني في الواقع مؤلف معظم فصول هذا الكتاب، بل أن الفصول القليلة التي كتبها محمد عبدالرحيم اضطررت لإعادة صياغتها حتى تتمشى مع أسلوب الكتابة العام. ومضى فقال: وهذه القصيدة التي ذيلها محمد عبدالرحيم بتوقيعه ووجهها للسيد عبدالرحمن المهدي وجعلها في مقدمة الكتاب، إنما هي من نظمي لقد كان يحق أن يحمل هذا الكتاب اسمي لا اسمه... وأضاف ولكن حرصي على الثلاثة جنيهات الشهرية التي يستخدمني بها محمد عبدالرحيم هي التي تقسرني على قبول هذا الضيم)[7].
لقد عانى طلائع المتعلمين عناءً شديداً، وجاءوا إلى قيادة السودان، وهم ضحايا لأوضاع قاسية ومعقده، قاموا بالكثير، وكان ينقصهم الكثير. ورثنا عنهم أرثاً سياسياً، لا يزال يتحكم في مصائرنا، وهو خليط ما بين معاناتهم وجهودهم. كانت جهودهم ضخمة، ولكن تحكمت فيها عوامل كثيرة بعضها أقوى منهم، وخارج عن إرادتهم، وبعضها الآخر ساهم في تكوينهم الفكري والمعرفي، ومن ثم تصميم رؤاهم وفكرهم وتحديد المسار الذي سار عليه السودان. وكل ذلك يجب أن يتصدى له الناس بالنقد والفحص والتمحيص، لا التجريم والمحاكمة.
أيضاً، لقد ورثت السوح السياسية والثقافية في السودان، مظاهر وسلوكيات أخرى كثيرة منها: اللا تسامح بين المثقفين، والنموذج القيادي، والحسد والكسل والكسل العقلي، وفي هذا يتداخل التاريخ والفكر والمجتمع، مع سهوم المتعلمين الأوائل. وستكون هذه الموضوعات، هي محاور مقال يوم الخميس القادم.

عصام همت

عدد الرسائل: 1804
تاريخ التسجيل: 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: النخبة السودانية: المزاج الصفوي والصراع العقيم

مُساهمة  عصام همت في الجمعة 18 مايو 2012, 2:13 pm

[color=orange](6)
تصطدم المبادرات الخلاقة في البناء الوطني والفكري في السودان دوماً بمعوقات كثيرة. ترجع تلك المعوقات إلى عوامل عديدة، منها: الدوافع الذاتية، وضعف التقدير من قبل البعض لقيمة المبادرة، وجهل البعض الآخر لأهميتها، وعدم قدرتهم على استيعاب مراميها ومآلاتها ونتائجها المستقبلية. بقي أصحاب المبادرات الخلاقة في السودان دوماً، يجابهون بالمؤامرات والدسائس، وظلت مبادرتهم تُواجه حروباً شرسة، تُستخدم فيها شتى الأدوات والوسائل والأساليب. وهذا أمر موروث منذ ظهور طلائع المتعلمين في ساحة العمل العام، وتوليهم لقيادة السودان بعد الاستقلال. والأمثلة على ذلك كثيرة، منذ بواكير القرن العشرين حتى يومنا هذا. ولعل من أقوى الأمثلة على شن الحرب على المبادرات الخلاقة في مجال التنمية والبناء الوطني، مبادرة المربي بابكر بدري (1861م-1954م)، في تأسيس مشروع مدرسة الأحفاد وسعيه إلى تطويره. لقد واجه المربي بابكر بدري صعاباً عديدة، وأعداء ومعارضين كُثر. كان من بين هؤلاء المعارضين بعض المتعلمين السودانيين، الذين آلت إليهم فيما بعد قيادة السودان، وتحديد مساره. لقد عارض بعض المتعلمين، وحاربوا شروع المربي بابكر بدري في تطوير مبادرته التعليمية مدرسة الأحفاد، بعد نقل التجربة من مدينة رفاعة إلى مدينة أم درمان، وسعيه إلى توسعيها وبناء دار لها. وقفوا ضد فكرة تطوير التجربة، وصارعوا من أجل إفشالها، وتحجيم خطط توسيعها. ولولا صلابة المربي بابكر بدري، وعبقريته الفذة، وشدة مراسه لكان مكان الأحفاد الآن، صرحاً لنشر الظلم وبث الظلمات، مقارنة بالدور الذي ظلت ولا تزال تقوم به جامعة الأحفاد.
فتح المربي بابكر بدري مدرسة الأحفاد في مدينة رفاعة عام 1930م، بقوة دفع ذاتية. وفي عام 1932م نجح في الحصول على تصريح من برمبل بك مفتش أم درمان، لنقل تجربة مدرسة الأحفاد إلى مدينة أم درمان. بدأت الأحفاد في أم درمان بمرحلة الكتاب في منزل عبيد عبدالنور (1896م-1963م). كان التلاميذ فيها يشكلون أربع فرق (جمع فرقة)، ثلاث منها، من تلاميذ أم درمان، والرابعة بها تسعة تلاميذ، جاءوا منقولين من رفاعة. أقام التلاميذ المنقولون من رفاعة في منزل لأسرة بدري تحت إشراف ابنته السارة (1895م-؟؟؟). ثم أخذ المربي بابكر بدري في تطوير مشروعه، ففتح الصف الأول من القسم الابتدائي يوم 12/1/1933م. ولما واجه طلب إخلاء المنزل الذي كانت فيه المدرسة، بسبب رغبة صاحبه في بنائه، فكَّر في بناء المدرسة. وبدأت عليه الحرب، من قبل بعض المتعلمين، وكثر عليه الأعداء، وهم قبل ذلك كانوا كثيرين. كتبوا ضد المدرسة في الصحف، المقالات المنفرة، ونشروا في المجالس الإشاعات ضدها. وكان أشد الناس كتابة ضد المدرسة هو السيد خضر حمد (1910م-1970م)، الذي تخرج في قسم الكتبة بكلية غردون، عام 1929م، وأصبح فيما بعد، وزيراً للدولة، ووزيراً للري والقوى الكهربائية، ثم عضواً بمجلس السيادة (1965م-1969م). ذكر المربي بابكر بدري في مذكراته: (تاريخ حياتي، الجزء الثالث، ص 94)، أنه بعد أن أخلى منزل عبيد عبدالنور، وأجَّر منزلاً للمدرسة عام 1934م، قائلاً: (صرت أفكر بعد ذلك، كيف أبني للمدرسة داراً؟ وقد ظهر لها أعداء كثيرون متنوعون، بعضهم يكتبون ضدها في الجرائد، المقالات المنفرة لولاة الأمور عنها، وبعضهم ينشر عنها شفهياً في المجالس، أن التلاميذ الذين يتخرجون من مدرسة الأحفاد من رابعة وسطى، لا يقبلون بالثانوي، فيجيئني بعض المستائين لهذه التقولات، ويطلبون مني أن أكتب في الجرائد رداً على هذه المقولات التي ليس لها أساس تقوم عليه، فأرد عليهم بأننا شرعنا في عمل، فإن نحن نجحنا فيه فيكفِ بنجاحنا رداً واضحاً مبرهناً على كذبهم. وأقول لبعضهم هؤلاء الذين يكتبون ضدنا، هم من أولادنا، فلندعهم يتعلمون فينا الكتابة والانتقاد، وربما يأتي وقت، نحتاج فيه لأقلامهم تذب عنا. ومن أشد ما كانوا يكتبون ضد المدرسة هو خضر أفندي حمد...).
برغم كثرة الأعداء والمعارضين اكتمل بناء المدرسة، وانتقلت مدرسة الأحفاد إلى المبنى الجديد في عام 1935م، وشهد يوم 11 فبراير 1936م حفل الافتتاح الرسمي. تابع الحاسدون والمفسدون ـ كما سماهم المربي بابكر بدري في مذكراته ـ مؤامراتهم ضده وضد مدرسة الأحفاد حتى في يوم الافتتاح. ولكن نجاح المشروع كان رداً عملياً. أخذت مدرسة الأحفاد في التطور والنمو وفي عام 1943م تم افتتاح المرحلة الثانوية.
استطاع المربي بابكر بدري، بصلابته وشدة مراسه، وبجهده الذي لا يفتر كما وصفه بنفسه في مذكراته، أن ينجز مبادرته الخلاقة، مدرسة الأحفاد، بجهد ذاتي، في المقام الأول. على الرغم من أنه استنفر الجميع، وأتاح الفرصة لكل المجتمع السوداني، للمساهمة في مشروع بناء مدرسة الأحفاد، من خلال طوافه في معظم أنحاء السودان، شماله وجنوبه وغربه وشرقه، لجمع التبرعات من أجل بناء مدرسة الأحفاد. وفي هذا السعى والتفكير العظيم، فرصة عظيمة لتأسيس ثقافة الجهود الجماعية في البناء الوطني. ولكن واجه هذا التفكير العظيم المتقدم، التآمر والعداء من قبل الكثير من المتعلمين. عارضه بعضهم، وتبنى البعض دعم قرارات المسئولين بعدم الموافقة والسماح له بتوزيع دفاتر التبرعات في بعض المدن. وأخذ البعض الآخر عدداً من دفاتر التبرعات، ووعدوه بإرجاعها له مع سهوم المتبرعين، ولم يرجعوها، ولم يرجعوا له. برغم كل ذلك وغيره من أنواع الحرب، استطاع المربي بابكر بدري أن يصمد أمام كل المعوقات والعواصف، وهي كثيرة. حارب في جبهات عديدة، تعارك مع السائد والمألوف في المجتمع، وامتص هجوم المثقفين، وصراعهم معه، وصد التُهم الوهمية، بمهل وحكمة وحنكة فائقة. بل تحمل العذاب النفسي والضرب الجسدي وهو رجل طاعن في السن، ونجح في تحييد أعدائه، بقدرته على المواجهة، وبمنهجه الخاص في الإقناع والتبيين. كما صبر على رافضي مبادرته، حتى ارتفعوا لمصاف النضج والوعي اللازم، لاستيعابها وفهم قيمتها وإدراك مدى أهميتها. ذكر سير ستيورت سايمز، الذي عمل سكرتيراً خاصاً للحاكم العام، ثم جاء في عام 1934م حاكماً عاماً للسودان، قائلاً في كلمة له جاءت في مقدمة الجزء الثاني من مذكرات المربي بابكر بدري، تاريخ حياتي: (قابلت شيخ بابكر لأول مرة عام 1908م، عندما كنت أرافق سلاطين باشا في رحلة تفتيشية في مديرية النيل الأزرق، وكان لسلاطين رأي حسن فيه، فذكر لي أن أفكاره التعليمية التقدمية، وخاصة عن تعليم البنات قد أثارت سخطاً ونقداً عند كثيرين من معاصرية ممن لم يبلغوا ما بلغه هو من الاستنارة).
لقد ثبت أن المربي بابكر بدري، كان رجل عظيماً، وعبقرية فذة. قدم إلى الناس من المستقبل، وكان الناس يعيشون في الماضي. تمتع ببُعد نظر، قل نظيره، وكان صاحب رؤية ثاقبة، وعزيمة لا تفتر. كان ضد الفشل بالفطرة، ولا يعرف معنى المستحيل. ظلت مبادراته الخلاقة والجريئة ـوقتهاـ، وكذلك مذكراته، كل يوم تكتسب أهمية أكثر وقيمة أكبر. لقد تطورت مدرسة الأحفاد على يد ابنه العميد يوسف بدري (1912م-1995م) حتى بلغت المستوى الجامعي، وأصبحت الآن صرحاً تنويرياً عظيماً، ومؤسسة تنموية ضخمة ليس لها نظير في السودان، فقد اتسمت مسيرتها بالتطور والنمو والاستمرارية، إلى جانب الجودة والإتقان في مخرجاتها. ساهمت ولا تزال تساهم بحجم ضخم في تنمية المرأة والأسرة والمجتمع. لقد كانت تنمية المرأة محوراً أساسياً في رؤية المربي بابكر بدري، وهماً دائماً عنده، أنفق فيه الكثير من طاقاته وأمواله، وبذل جهداً فردياً قل نظيره في العالم من أجلها. في حديث لها في برنامج عيون الغد، بقناة الشروق الفضائية، يوم 14 فبراير 2009م، الساعة 23:15 بتوقيت الدوحة، أرجعت الدكتورة آمنة بدري رئيس جامعة الأحفاد اهتمام المربي بابكر بدري بتعليم البنات، إلى قوة شخصية والدته والتي أثرت فيه، وذكرت أن بابكر بدري كان يعتقد أن هذه المرأة، بهذه القوة إذا ما تعلمت لكانت حققت الكثير. أيضاً قالت السيدة آمنة أن للمربي بابكر بدري أخوات كن لهن شخصياتهن، وكن يقترضن منه المال للعمل، فكانت إحداهن صانعة وبائعة عطور محلية والأخرى تعمل في السعف. لقد كان المربي بابكر بدري رجلاً كبيراً وفريداً ومتفرداً، سأعود لموضوعه لاحقاً، إذ أنني بصدد إعداد دراسة عنه.
أيضاً، تصطدم المبادرات الخلاقة في البناء الوطني، والأطروحات التنموية والفكرية، بمعوقات تتصل بالسقوف المعرفية والفكرية لدى القادة والمثقفين، وفي دوائر حواراتهم وسجالاتهم ومداولاتهم. وتتصل أيضاً بمدى نشاط عقولهم وحيويتها، وتواصلهم مع منابع المعرفة والفكر الإنساني. فكلما كانت العقول ذات حيوية ونشاط، كان الإنتماء إلى المستقبل، وكان العمل من أجله أسهل وأيسر، وعندها تجد المبادرات الخلاقة الترحيب بها والتفاعل معها والدعم لاصحابها. وكلما اتسمت عقول المثقفين والقادة ومحددي مسار الشعوب، بالكسل والخمول، استكانوا واستكان الناس معهم إلى الماضي، وعاشوا فيه. وعندها يكون مصير المبادرات الخلاقة، واصحابها الرفض والحرب. فالكسل العقلي، حينما يخيم على السوح الثقافية والفكرية، وينمو في دوائر المثقفين والقادة ومحددي مسار الشعوب، يحرم الشعوب من فرص الجديد، ويسجنها في القديم البالي، ويقطع طريق تواصلها مع المستقبل، ويبقى الشعور بالأمن والطمأنينة في الحنين إلى الماضي وفي التشبث بالتاريخ. فقبول المبادرات الخلاقة والرؤى الجديدة، يحتاج إلى نشاط العقول وحيويتها، ويحتاج إلى الشجاعة، فالشجاعة انتماء إلى المستقبل، ومواجهة للحاضر، ولا يمكن أن تكون الشجاعة سمة من سمات الذين يستكينون إلى الماضي والتاريخ. يقول الدكتور طه حسين (1889م-1973م) في كتابه: في الشعر الجاهلي، الصادر من دار المعارف للطباعة والنشر، بتونس، عام 1998م، ص 155- 156: (... الكسل العقلي يحبب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنباً للبحث عن الجديد...). كما أورد الأستاذ محمد إبراهيم نقد، في حوار معه صدر في كتاب، بعنوان: حوار حول الدولة المدنية، عن دار عزه للنشر والتوزيع، الخرطوم، 2003م، ص 23 قول إمانويل كانط (1724م-1804م) حول الكسل، قال كانط: (... الكسل والجبن سبب بقاء البشر في حالة اللارشد طوال حياتهم).
اتسمت السوح الفكرية والثقافية في السودان بالكسل العقلي، وظلت قضايا السودان معلقة، وضعف الحوار حولها، وقلت المعالجات لها. قال محمد عشري الصديق (1908م-1972م) في كتابه: أراء وخواطر، الذي صدر عن وزارة الإعلام والشؤون الاجتماعية، في الخرطوم، عام 1969م، ص (50): لا يزال كثير مما يجب أن يُعمل لم يبدأ فيه حتى الآن، فعلى من تقع تبعة هذا التكاسل؟ ثم جاب على تساؤله هذا قائلاً: تقع على الشباب الذين يدعونهم ناهضين، وعلى الشيوخ الذين يسمونهم حكماء. ظل تساؤل عشري قائماً، فلا يزال الشيوخ في كسلهم العقلي، ولا يزال الشباب مُبعدين عن مراكز القرار والقيادة. سمعت مرة الروائي الطيب صالح (1929م- 2009م)، في محاضرة عامة في مدينة الدوحة، بدولة قطر، يعلل كسل السودانيين، وهو وصف رسخ عن السودانيين، في بعض الدول. سأل أحد الحاضرين، في تلك المحاضرة، الروائي الطيب صالح عن سبب قلة إنتاجه الروائي، وغيابه عن الساحة عشرات السنين دون أن يأتي بعمل روائي جديد. وأشار إلى أن في هذا حرماناً لشعوب العالم من قلمه، وتأنياً من قبل الطيب صالح لا مبرر له، ويجب أن يكتسب مشروعه الروائي الاستمرارية. وأضاف المتحدث قائلاً للطيب صالح هل يمكن أن نعتبر قلة إنتاجك هذا، وغيابك عشرات السنين دون أن تنجز عملاً روائياً نوعاً من الكسل؟ الذي يتوافق مع ما عُرف به السودانيين، واتسم به إيقاع حياتهم. رد الروائي الطيب صالح باختصار شديد قائلاً: يا أخي نحن ما كسلانين، بس نحن بنشتغل لما يكون الشغل مهم. ولما يكون الشغل ما مهم، ما بنشتغل. ويبدو أن إجابة الروائي الطيب صالح إجابة ساخرة أكثر من كونها مواجهة لقضية الكسل في حياتنا.
في الحلقات القادمة سأقف على بعض موروثاتنا الأخرى، ومنها: نماذج القادة، وحالة اللا تسامح بين المثقفين، ونمو اتجاه الحسد لدى المثقفين، وفي هذا كما أشرت سابقاً، يتداخل التاريخ والفكر والمجتمع، مع سهوم المتعلمين الأوائل. نلتقي يوم الخميس القادم

عصام همت

عدد الرسائل: 1804
تاريخ التسجيل: 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: النخبة السودانية: المزاج الصفوي والصراع العقيم

مُساهمة  عصام همت في الجمعة 18 مايو 2012, 2:20 pm

(7)
الضحايا في السودان كُثر، ومن بينهم ضحايا التميز والتمايز، وضحايا التجارب الناجحة، وأصحاب المبادرات الخلاقة. فمنذ الاستقلال حتى يوم الناس هذا، قُتل الكثيرون، وذُبحت عبقريات فذة، ونُسفت عقول كبيرة، وقُبرت مبادرات خلاقة، وتغيَّر مسار حيوات نوابغ لا حصر لهم. وأسباب ذلك عديدة، وتتداخل فيها عوامل التاريخ، والمجتمع بثقافته، ونسق القيم السائدة فيه، ودور الدولة بسياساتها، وغياب قيم العدل والحرية، إلى جانب سهوم طاقم الحكم بسقوفهم المعرفية، وتكويناتهم الفكرية. معظم قضايا السودان، يتعلق بحالة بحث جارية عن السودان، ومرحلة مخاض تعيشها الأمم، وهي قيد التشكُّل والتكوين. لقد تأخر كثيراً البحث والفحص لقضايا السودان المختلفة، ولم يتوفر النشاط العقلي اللازم لدراسة القضايا والمشكلات، ولم تتح فرص الحوار والتداول حولها، من أجل تجذيرها، وتصميم الحلول الناجعة لها. كان المثقفون ولا يزالون خاملي العقول، شحيحي النفوس، (ممحوقي) الطاقات، فتدهورت خدماتهم التنويرية، وكسدت مساعيهم التعليمية، وتكلست ثقافة الجهود الجماعية في البناء الوطني. ظلت قضايا السودان عالقة، وتراكمت على كثرتها، وتمكنت الدوافع الذاتية عند المثقفين والقادة، وتبع ذلك تدهور عقول الناس وفهومهم، وأصبحت سهام العراك تُوجهها الناس إلى بعضها البعض، فزادت قائمة الضحايا. وحينما تتمكن الدوافع الذاتية، وتتحكم في عطاء المثقفين والقادة، وهم محددو مسارات الشعوب ورموزها، تبرز نفوسهم وتتوارى عقولهم، وعند بروز النفس وتواري العقل، تتلاشى الحكمة، وتنعدم نوايا الإصلاح، وتتسع دائرة الذاتية، ويصبح انتصار النفس وتحقيق الغرض الذاتي هو الغاية والمرام. بعض ضحايا النجاح والتميز في السودان، تحكمت في مصائرهم، الدوافع الذاتية لبعض القادة والمثقفين، وقبروا وقبرت معهم تجاربهم، بسبب غرائز وسلوكيات نمت وتطورت في دوائر المثقفين والقادة، وتنزلت من عقولهم ونفوسهم على الواقع، فتوسعت وتمددت، ومن ذلك شح النفس والكيد والحقد والحسد.
بقليل من الرصد والمتابعة لتجارب النجاح والتميز والتمايز في السودان، ولمسيرة أصحابها، منذ الاستقلال حتى يوم الناس هذا، نجد ندرة الاحتفاء بها، والسعي للتقليل من شأنها، وشأن أصحابها، وقلة التعزيز والدعم لها، بل نجدها واجهت المكايد والأحقاد والحسد، من أجل نسفها وتدمير أصحابها. والأمثلة على ذلك كثيرة، ويكاد المرء من كثرة شواهدها في الماضي والحاضر، ومن مشاهداته اليومية يجزم بأن هناك ثقافة عداء بأساليب بشعة وبسلطة قوية تبلورت في السودان ضد النجاح والتميز. ظل معظم المبدعين والمتميزين يواجهون الحقد والعداء والمؤامرات، وظلت معظم التجارب الناجحة والمبادرة الخلاقة تُواجه بالعوائق والصعوبات والدسائس. بل يواجه كل خارج عن التشابه، وكل من يفعل فعل تمايز من أصحاب النشاط العقلي والجسدي والمنتجين في مختلف المجالات العداء والحرب.
كتب الأستاذ فتحي الضو مقالاً في حلقتين، بعنوان: "الحسد في السياسة السودانية"، نشرتا في صحيفة الأحداث في يومي 8 و15 فبراير 2009م، على التوالي. سعى إلى تقصى ظاهرة الحسد في الممارسة السياسية السودانية، وطرح فيهما تساؤلات كثيرة، منها: هل ظاهرة الحسد في السودان حِكراً على السياسة والسياسيين؟، أم أنها طغت وتجبَّرت وشملت جوانب أخرى في حياتنا؟ وهل يمكن أن نتحدث عن الحسد الرياضي أو الثقافي أو الفني أو الأكاديمي أو الصحفي، وهلمُ جراً؟ وتحدث الأستاذ فتحي الضو أيضاً، عن ظاهرة الحسد باعتبارها إحدى ظواهر التخلف والانحطاط الأخلاقي، وأنها بعد أن نهشت حياتنا الاجتماعية بدأت تستشري في جسدنا السياسي. فما الذي جعلها تستفحل وتستشري، كما النار في الهشيم؟ وبنفس القدر كيف يمكن أن تنكمش إن عزَّ اجتثاثها من جذورها؟ وذكر أن الحسد كظاهرة دائماً ما يتوفر لها المناخ الحاضن في ظل الأنظمة الديكتاتورية والشمولية، ذلك لأنه تحت إبط هذه الأنظمة دائماً ما تختل موازيين العدالة الاجتماعية. وأيضاً في ظل تقلص الحريات، تنحسر مساحات الرأي والرأي الآخر مما يصعِّب ويعقِّد الكشف عن الفساد والمفسدين، فلا مناص من أن يقود العجز إلى تغطية الفراغ بتمدد ظاهرة الحسد وتكاثر الحاسدين، وتتعقد المسألة أكثر في ظل أنظمة القهر والمحسوبية أيضاً عندما تتلاشي قيم الحق والعدل والمساواة وتحتل مكانها ظواهر الغش والنفاق والكذب والخداع والتدليس...وفي مناخ كهذا يتنافس الحسد والحاسدين معاً!
في الواقع إن ثقافة الدسائس والمكائد والأحقاد ومظاهر وسلوك الحسد بين المثقفين وفي دوائرهم، ومجالات نشاطاتهم، السياسية وغير السياسية، أمر موروث. لقد خيمت أساليب الدسائس والمؤامرات وثقافة الشلليات والطموحات الشخصية، ومظاهر الحقد والحسد على دوائر المثقفين، منذ بواكير القرن العشرين، وتمكنت فيها، ومن ثم تحكمت في مسارات الحياة السودانية. في كتابه: أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان، الذي نشرته دار الجيل، بيروت، عام 1991م، (صفحة 25)، أرجع البروفسير محمد إبراهيم أبوسليم (1927م-2004م) إخفاق طلائع المتعلمين في قيادة السودان المستقل إلى عدة أسباب منها: طبيعة العمل السياسي الذي أصبح محصلة للشللية والطموحات الشخصية وعراك القوى والمناورات، إلى جانب أسباب تتعلق بضعف أجهزته السياسية، وطغيان الطائفية، والتدخلات الخارجية، وفقدان الاتجاه.
أرجع البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م) في كتابه: تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900م-1969م، ترجمة هنري رياض وآخرون، الدار السودانية للكتب، الخرطوم، ص 143- 165، تفشي ظاهرة الحسد بين طلائع المتعلمين، إلى نوع التعليم الذي خضعوا له، وأشار إلى أن نمو اتجاه الحسد كان نتاج لمخلفات نوع التعليم وضعف الملكات النقدية، قائلاً: (والتعليم الذي حظي به المتعلمون لم يستطع أن يطور ملكاتهم النقدية. إذ خَلَّفَ اتجاهاً عقلياً يبلغ في دركه الأسفل الحسد. وفي أحسن صوره إحساساً بالانحراف صوب السفسطة والرومانسية).
لقد شكا معظم المتميزين والناجحين وأصحاب المبادرات الخلاقة والعطاء الجاد في السودان من الحسد وكيد الحاسدين. شكا المربي بابكر بدري (1861م-1954م)، من كيد الحاسدين والحاقدين، وهو يسعى جاهداً في بناء وتطوير مبادرته التعليمية الخلاقة، مدرسة الأحفاد. وتحدث في مذكراته: تاريخ حياتي، 3 أجزاء، عن ما واجهه من حسد وكيد وحقد، ومؤامرات ضد مشروعه. أشار إلى أنه حينما بدأت تجربة مدرسة الأحفاد في النجاح والتوسع والتطور، تحرك الحساد والحاقدون من طلائع المتعلمين، وسعوا سعياً حثيثاً لتدمير المشروع، وتحجيمه. أيضاً، شكا العلامة عبدالله الطيب (1921م-2003م) كثيراً من الحسد، ووثق لذلك في بعض أشعاره. لقد ذكر الشاعر والناقد الأستاذ محمد الواثق في بحثه: محمد أحمد المحجوب وشعراء جيله، مارس 2002م، قائلاً: رجع عبدالله الطيب للسودان بعد فترة الدراسة في لندن ثم صار علماً من أعلام التعليم في السودان، ووجه بمكائد (أبناء اللكيعات) فكاد يشله الإحباط.. يلوذ عبدالله الطيب في كل دواوينه بالرسول صلى الله عليه، وكان آخر دواوينه صوفي المنهج (برق المدد بعدد وبلا عدد)، وتذخر دواوينه (أغاني الأصيل)، (بانات رامه) بذكر أهله في الدامر وطبيعتها حيث يكثر ذكر شجر الأراك والطندب والسلم وكثيراً ما يعرج على ذكر أهله من متصوفة المجاذيب وسنار. لعل وصف العلامة عبدالله الطيب لحساده والكائدين له بـ (أبناء اللكيعات)، وصف لا يخلو من القسوة والبذاءة، ولكنه يعكس حجم عناء العلامة عبدالله الطيب والمعاناة التي وجدها من المكائد والحساد، كما يعكس مدى الظلم الذي وقع عليه.
حدثني الدكتور النور حمد، وهو أحد تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985م)، أن الأستاذ محمود كان كثيراً ما يردد بيتين من أبيات شعر بن الفارض (576هـ-632هـ/ 1181م-1235م) المعروف بسلطان العاشقين، والبيتان هما:
وعن مذهبِي، لمّا اسْتَحَـبُّوا العمَى على الـ ـهُدى، حَسداً من عَنْدِ أنفسِهم، ضَلُّوا
فهُمْ في السُّـرى، لمْ يَبْرَحُـوا من مَكانِهم وما ظَعَنُوا في السَّـير عنه، وقد كَلَّوا
أيضاً، تحدث الأستاذ يحي محمد عبدالقادر (1914م-؟؟؟)، في مذكراته: على هامش الأحداث في السودان، عن الحسد لدى المتعلمين وكيدهم لبعضهم بعضا، وأشار إلى مواقف بعينها، وتناول الجفوة في العلاقات بين المتعلمين، والتنافس المحموم فيما بينهم، وحكى الكثير من القصص في الدسائس والمكائد والمؤامرات والأحقاد التي كانت تتم بين طلائع المتعلمين، وأفاض في ذلك بتفصيل ودقة. ومن بين القصص التي حكاها في كتابه آنف الذكر (الصفحات 43- 156)، قصته مع الفرسان الثلاثة: محمد أحمد المحجوب (1908م- 1976م)، وصالح عبدالقادر (1897م- 1968م)، وأحمد يوسف هاشم (1903م- 1958م). والفرسان الثلاثة هو وصف أطلق على ثلاثتهم يوم ذاك بعد استقالتهم من الجمعية التشريعية، وكونوا مع آخرين في أوائل عام 1950م، ما سمي بهيئة تحرير السودان. وزعت الهيئة مذكرة على بعض أعضائها، وتمكنت جريدة (المستقبل) التي كان يصدرها الأستاذ يحي من الحصول على نسخة من الوثيقة، وقامت بنشرها. أحدث نشر الوثيقة ضجة كبرى، وعلقت عليها معظم الصحف. ويروي الأستاذ يحي قائلاً: يرجع أساس الضجة إلى أن الفرسان الثلاثة، زعماء الهيئة، كانوا يعيشون تحت ظلال السيد عبدالرحمن المهدي (1885م-1959م)، ويعتبرون من أدواته، في حين أنهم في هذه الوثيقة يعملون ضده بطريقة غير محترمة وغير كريمة وغير أخلاقية.. لقد لعبوا دوراً مزدوجاً بغيضاً، وعضوا اليد التي أحسنت إليهم. ويمضي الأستاذ يحي قائلاً أما الوثيقة فقد جاء فيها ما يلي:
1. تجنيد الكتاب وخاصة الشباب منهم للكتابة والخطابة ضد الطائفية وإبراز عيوبها، والاستعانة بأنصار السنة.
2. الاستعانة بالنظار والعمد المرفوتين ضد الحاليين والاستعانة بالموتورين من أبناء البيوتات الكبيرة ضد أقاربهم (الاعتماد على فحل في الجزيرة).
3. الاستفادة من أخطاء الجبهة الاتحادية واستعانتها بالأجنبي.
4. إثارة الفتن بين الطوائف وخاصة الطائفتين الكبيرتين.. تبحث الوسائل. كل منطقة حسب ظروفها.
5. استغلال حالة الجوع في الشمال والشرق والعطش في الغرب، والجهل في الجنوب.
6. الاستفادة من العمال في الحركة السياسية.
ويضيف الأستاذ يحي قائلاً: ولم يكد يصدر عدد جريدة المستقبل مشتملاً على هذه الوثيقة حتى اتصل بي المرحوم أحمد يوسف هاشم تلفونياً وشتمني شتماً قبيحاً.. وقال لي لن أنسى لك هذه الإساءة.. إنني أعرف من أوعز إليك بنشر الوثيقة وهو السيد عبدالله خليل إنه يريد إبعاد محمد أحمد المحجوب عن الأنصار ليخلو له الجو.. وهيهات..! إن الكيد لنا نحن الثلاثة بهذا الأسلوب القذر لن يجديك.. وأنا وصالح باقيان ومكانانا محفوظين.. ولن يتخلى عنا السيد عبدالرحمن.. أما أنت أيتها الحشرة السامة فتقبل العزاء منذ الآن في صحيفتك (المستقبل). ويمضي الأستاذ يحي قائلاً: لم أعن بغضبة المرحوم أحمد يوسف هاشم عناية كبيرة.. فقد تعود أن يسئ إلىّ وتعودت أن أسكت. ولن يضيرني المزيد من نفثات صدره المحموم غير أنني اضطررت فيما بعد إلى العناية بكل كلمة قالها. فقد جاءني خطاب من مصلحة السكرتير الإداري يخطرني بإلغاء رخصة صحيفتي (المستقبل)، لعدم انتظامها. ولما كان الأستاذ أحمد يوسف هاشم هو ممثل الصحافة في لجنة الترخيص بالصحف في تلك المصلحة فقد علمت أن أحمد كان جاداً في تهديده وإنه انتقم مني شر انتقام. وقد تألمت كثيراً من تصرف أحمد.. فإنه في سبيل أحقاده- عليه الرحمة- لم يتورع من إلغاء رخصة صحيفتي (المستقبل) فحسب بل من وضع نص ردئ في لائحة قانون الصحافة يلغي الرخصة لمجرد عدم الانتظام في الصدور.. ويعلق الأستاذ يحي قائلاً: إن لائحة الصحافة قد أصبحت في أيدي المستعمرين وأعوانهم ألعوبة وفسرت نصوصها بما يتفق مع البواعث الشخصية والسياسية... كان ينبغي أن تعاون الصحف غير المنتظمة في الصدور على شق طريقها وتركيز نفسها لا أن توأد في المهد.. ولكن ماذا نفعل بأولئك الذين استبعدتهم غرائزهم وفقدوا روح العدالة واهتزت في نفوسهم القيم؟.
والطريف، أن الأستاذ يحي حينما نشر لاحقاً هذه الواقعة في صحيفته أنباء السودان التي أصدرها فيما بعد عام 1952م، ويبدو أن النشر تم بعد وفاة الأستاذ أحمد يوسف هاشم عام 1958م، ففي الأصل كانت مذكرات الأستاذ يحي الموسومة بـ: على هامش الأحداث في السودان، والمشار إليها أعلاه، عبارة عن سلسلة مقالات، نشرها أول مرة في صحيفته أنباء السودان، ثم جمعها لاحقاً في كتاب، ففي الحلقة التي تضمنت الواقعة أعلاه، جاءه تعليق من الأستاذ يحي الفضلي، وهو عبارة عن بيت شعر واحد، من نظم أبي العلا المعري، يقول البيت:
لا تظلموا الموتى وان طال المدى إني أخاف عليكم أن تلتقوا
نشرت الصحيفة (صحيفة الأستاذ يحي أنباء السودان) بيت الشعر، وعلق محررها- وفي الغالب هو الأستاذ يحي نفسه- بكلمة قال فيها: لن نلتقي.
على الرغم من أن ظواهر الحقد والحسد، وأساليب المكائد والدسائس والمؤامرات، في أي بيئة من البيئات، تتداخل فيها عوامل مختلفة نفسية واجتماعية وتاريخية واقتصادية...إلخ؛ إلا أننا نلاحظ أن هذه الظواهر قد تمكنت في الواقع السوداني، وتمددت بشكل واضح في الحياة اليومية. وكما وردت الإشارة إلى أن هذه الظواهر، ظواهر موروثة منذ طلائع المتعلمين، فقد نمت وتوسعت في دوائرهم بسبب نوع التعليم، ونشوء ثقافة الشلليات، والدوافع الذاتية والطموحات الشخصية والسعي لتحقيق الذات بشتى الأساليب، إلى جانب المنافسة المحمومة التي زرعتها الإدارة الاستعمارية. ولا شك أن هذه المظاهر ملازمة للإنسان، ولكن يختلف الناس في قدرتهم على غربة دواخلهم ومكوناتهم، وفي مدى مقدرتهم على إدارة ذواتهم وتهذيبها وتشذيبها، وفي هذا أيضاً، يدخل نوع التعليم كعنصر أساسي في ذلك. فالتعليم في بعض معانيه ما هو إلا تغيير السلوك. أيضاً، إن هذه المظاهر كانت موجودة في المجتمع السوداني قبل ظهور طلائع المتعلمين. ولعل بيئة السودان بلونيتها الصوفية، والمزاج الصوفي، لها دور كبير في تنمية هذا الاتجاه. فعلى الرغم من جمال البيئة الصوفية، بما تحمله من خصال وقيم إنسانية رفيعة وسامية، مثل: التسامح، والتواضع ...إلخ؛ إلا أنها تمثل بيئة صالحة وخصبة لنمو بعض الاتجاهات والمظاهر، ومن بينها اتجاهات الحسد والغيرة. والشواهد على ذلك كثيرة، روى يوسف ميخائيل في مذكراته الموسومة بـ مذكرات يوسف ميخائيل عن التركية والمهدية والحكم الثنائي في السودان، التي حققها البروفسير أحمد أبو شوك، نشرها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي بأم درمان، عام 2004م، (الصفحات 10-18)، أنه عندما نظر أحمد بك دفع الله أن إلياس أخذ وظيفت باشا وصار هو الحاكم على مديرية كردفان حصل له غيظ عظيم، وكمد الدم على القيح، وصار يدبر في الأمر الذي يُقع به إلياس باشا. عندما جوَّل أفكاره قال: ليس لها إلا على كنونه، شيخ قبيلة الغديات هو سلطان الفرشة. عند ذلك أرسل له أحمد بك دفع الله كونه عندهم صحبه مع بعضهم ومودة كبيرة من قديم الزمان. بعد حضوره عنده قال له: "يا شيخ على كنونة هل وافقك بأن يكون إلياس باشا ماسك زمام الحكم وأنت موجود، ومن أهل الفونج أهل السلطنة الزرقاء ملوك سنار؟ وكان جدهم الكبير حضر من البحر وسكن الصعيد بجبل ولد البقا، وبنا فيه حوش بمرقت البقر، واتره للآن موجود، والشيخ كنونه من نسله، وابن عمه الشيخ إسماعيل الأمين الدلندوك، جده سكن في علوبة، وهما أولاد عم". وصار أحمد بك دفع الله وأولاد عمه وأخيه عبدالله يحرضوا الشيخ على كنونة، لأجل ما يشق عصا الطاعة على الحكومة ويقول: "أنت اسمك مانجل، ولك نحاس وتخشى منك كافت العربان". وما زال أحمد بك يحضروا عنده أولاد عمه، ويحرضوا الشيخ على كنونة بهذا الكلام، وقام من عندهم على نية القتال، وتزود من أحمد بك دفع الله بالسلاح والجبخانة، وسافر من عندهم على هذه النية. وقد وصل إلى بلاده وجمع كافت مشايخ داره وأولاده، وأتباعه وعموم العربان والقبائل المجاورة له، ومشائخ الحوازمة، واستعد للحرب والقتال. وعمل لهم وليمة كبيرة، ومن بعد ما أكلوا الطعام قال لهم: "تاني لا أحد منكم يدفع طلبه للحكومة ما دام إلياس أم برير مدير المديرية". وبوقته قتل المأمور والعساكر والصراف حمد أبوعبيدة، وأخذ أموال الحكومة وفرقها على رءوس القبايل. وقال: "تاني لا ندفع طلبه وأنا حي في داري ما دام الجعلي يكون علينا حاكم. من بعد بيع الشطة والملح صار في ثروه كبيرة، وأخذ وظيفة باشا، ويحكم علينا الجلابي ما بيني وبينه إلا الحرب والقتال... ويضيف يوسف ميخائيل قائلاً: وعندما بلغ أحمد بك دفع الله أن الشيخ على كنونة قتل المأمور والعساكر والصراف، وأخذ أموال الحكومة صار مبسوط وازداد فرحه، وعلم أنه نال مقصوده بالحيلة التي دبرها والفتنة التي أوقفها، وقال لأخيه عبدالله وعموم أهله: "أنا ما قلت لكم ليس يوجد رجل فيه الكفاية إلا الشيخ على كنونة. فالآن أنا صرت مسرور وانظروا يا خواني فشل إلياس أم برير فـ [يـ] ما بعد.
أيضاً، روى سلاطين باشا في كتابه: السيف والنار (ص 70 ـ 71) قائلاً: (وقد عين غردون التاجر السوداني الثري إلياس ومنحه رتبة باشا فكان لهذا التعيين أثر سيء في نفوس الأهالي. وهذا القول ينطبق على تعيين قريبه وهو تاجر ثري أيضا يدعى عبدالرحمن بن نجا. وكان كلاهما على كفاءة يعرف حالة البلاد وكيفية حكم الأهالي ولكنهما كان يشتغلان لمصلحتهما. ونتج عن تعيينهما أن انتشرت روح التحاسد بين كبار السودانيين الذين كانوا يعتبرون أنفسهم أهلاً لمثل وظيفة إلياس وقريبه عبد الرحمن).
في الحلقات القادمة سأقف على بعض الموروثات الأخرى، ومنها: نماذج القادة، وحالة اللا تسامح بين المثقفين، وفي هذا أيضاً، كما أشرت سابقاً، يتداخل التاريخ والفكر والمجتمع، مع سهوم المتعلمين الأوائل. نلتقي يوم الخميس القادم.

(Cool
حينما بدأ التعليم الحديث في بواكير القرن العشرين، ظهر معه طلائع المتعلمين في الشارع العام، وزاد عددهم مع تراكم السنين والتوسع في مؤسساته. احتفى عامة الناس بالمتعلمين احتفاءً عظيماً، ووضعوهم في مواضع التبجيل والاكبار والاحترام. ونظروا إليهم ولا يزالون ينظرون إليهم كقادة مجتمع، ومنقذين، وعلقوا عليهم الآمال العراض، في تغيير الحياة وتنميتها، والأخذ بهم إلى رحاب الرفاهية، والاستقرار والسلام. إلا أن طلائع المتعلمين، كانوا دون مستوى هذا العقد الاجتماعي غير المكتوب، لقد قابلوا احترام عامة الناس وتبجيلهم لهم، بالاحتقار، والتهميش لهم ولقضاياهم، وعدم الاكتراث لمطالبهم. فخاب ظن الناس فيهم، وتكشَّف مع السنين فشلهم في تطوير الحياة، وخيبتهم في قيادة السودان. أشار البروفسير محمد عمر بشير (1926م-1993م) في كتابه: (تاريخ الحركة الوطنية في السودان 1900م-1969م)، الصادر عن الدار السودانية للكتب، الخرطوم، ص (143- 165) إلى ملاحظة أحد الدارسين الغربيين؛ إذ لاحظ أن المتعلمين السودانيين أتوا إلى مؤسسات التعليم الحديث من مجتمعات بسيطة، وبيئات فقيرة وقاحلة، وبعد نيلهم للتعليم الحديث، اصبحوا بعيدين عن مجتمعاتهم، محتقرين لبيئاتهم التي أتوا منها. أيضاً، تحدث الشاعر الكبير محمد المهدي المجذوب (1918م-1982م)، في مقدمة ديوانه (الشرافة والهجرة)، الصادر عن دار الجيل ببيروت وشركة المكتبة الأهلية، الخرطوم، عام 1982م، ص (Cool، عن مدى احتفاء الناس بالأفندي واكرامهم له، وكيف كان يقابل الأفندي هذا الاحتفاء والاكرام قائلاً: (وكان لقب الأفندي شيئاً عظيماً، يمر صاحب اللقب فيقف له الناس ويتصايحون: فلان أفندي! مرحبْ.. حبَابَك.. اتْفَضّل، ولا يتفضل الأفندي، فهو ذاهب إلى نادي الموظفين يتذوق مثله العليا.. الطمع الثقافي.. الترقية والكيد وخدمة الطائفية والأنس بالحاكم، وثبت لي أن الفتى المهاجر لم يكن ذا ولاء لزيه الأفرنجي، وعرفتُ في وقت مبكر أنه كان يتنكر ويمر بجواز غير دقيق التزييف).
خاب ظن الناس في المتعلمين، ولاتزال الخيبة مستمرة. فمنذ استقلال السودان حتى اليوم، ضاعت آمال شعوب السودان، وأشواقها، وهي تراهن وتفاخر بمتعلميها. بل فقدت مكتسباتها التاريخية، وموروثاتها العظيمة مثل قيم التعايش والتسامح، التي كانت تباصر وتسير بها حياتها. نقل المتعلمون حياة شعوب السودان من الهدوء والتعايش إلى الصراع والعنف. أصبحوا بعد الاستقلال قادة للسودان، وسعوا إلى سلخ جلود الشعوب الحضارية، وألبسوها جلوداً غير جلودها، فتناقض وجدان الشعوب وفكرها مع الواقع والتاريخ.
استغل القادة فضائل شعوب السودان، وعملوا من أجل المحافظة على مصالحهم، والتطبيق لنظرياتهم القاصرة الناقصة، ذكر محمد أحمد المحجوب في كتابه، (الديمقراطية في الميزان)، تأملات في السياسات العربية والأفريقية، 1989م، (ص 217-219): أنه حينما برزت خلافاته مع السيد الصادق المهدي في الأشهر الأولى من عام 1966م. جاء بعض أفراد عائلة المهدي إلى منزل المحجوب في ذات مساء، وطلبوا منه الاستقالة حتى يصبح السيد الصادق المهدي، الذي بلغ الثلاثين من العمر، رئيساً للوزراء، بعد أن تم افراغ أحد المقاعد البرلمانية وانتخابه لهذا المقعد. قال المحجوب لهم: (إن هذا طلب غريب، والصادق لا يزال فتياً والمستقبل أمامه وفي وسعه أن ينتظر. وليس من مصلحته أو مصلحة البلاد والحزب أن يصبح رئيساً للوزارة الآن). بيد أنهم أصروا، فتصلبت، وساندني مجلس الحزب). ثم ذكر المحجوب أنه كان في ذلك الوقت، على وشك الذهاب إلى نيروبي لحضور مؤتمر ذروة دولة شرق أفريقيا ووسطها في آزار 1966م، فطلب من الحزب تجميد الأمور حتى عودته. وغاب المحجوب مدة أربعة أيام. ولدى عودته وجد الحزب منشقاً على نفسه، فطلب من السيد الصادق المهدي مقابلته من أجل اصلاح الضرر. قال المحجوب: (واجتمعنا وأبلغته أنني كنت مستعداً للاستقالة واعطائه الفرصة ليصبح رئيساً للوزارة لو لم يكن السودان في خطر. لقد كان السودان يمر بمرحلة حرجة من التطور وكان في وسعي أنا أن أرتكب الأخطاء لمعرفتي أن الشعب يسامحني، ولم يكن في وسعه هو، إذ أن أي خطأ بسيط سيؤدي إلى سقوطه، وذكّّرته بأنه سيتعامل مع الرئيس الأزهري، السياسي الحاذق" الذي يستطيع أن يلوي ذراع أي شخص).
كان المثقفون يدركون، قيمة التسامح التي تتحلى بها شعوب السودان؛ إلا أنهم حينما قادوا السودان، كانوا كأنهم جاءوا من بيئات غير بيئات تلك الشعوب. ظلت قيمة التسامح، التي هي إحدى موروثات الشعوب السودانية، منذ تاريخ بعيد، وزينتها الجمالية والإنسانية، تضمر وتتكلس كلما اقتربت من دوائر المثقفين. كان ولا يزال الصراع في دوائر المثقفين عنيفاً، من أجل الانتصار للنظرية، ومن أجل الحكم، وكان الحاصل في الواقع وفي إحداث التغيير دون الصفر. بل فقدت شعوب السودان الكثير من مكتسباتها وأبنائها. فقد حصدت المحاكم العسكرية منذ إنقلاب نوفمبر 1958م حتى اليوم، عدداً كبيراً من الجنرالات العظام الكبار، في مواقفهم وفي وطنيتهم. وماتت كمية من البشر في الجنوب لا يستطيع أحد إحصاءها ولا يعلم أحد عددها بالضبط سواء من الشماليين أو الجنوبيين. وكانت مجزرة الجزيرة أبا، التي وصفها محمد أحمد المحجوب في كتابه آنف الذكر، بأنها أكثر اللطخات سواداً في تاريخ السودان القريب، قُتل على أثرها الإمام الهادي المهدي والأستاذ محمد صالح عمر، وعدداً كبيراً من الناس. وتواجه الآن دارفور الدمار والخراب، في ظل تعنت القادة، ومناصرتهم للحرب بدل السلام، فيكون الموت هو مصير البسطاء والعزل. وتشهد منصة مشنقة كوبر على رعونة قادتنا وعلى ضياع مرفأ التسامح عندنا. فقد شُنق على منصتها قادة عظام، ومفكرين كبار، كانوا أصحاب مبادئ وقامات سامقة. كل واحد منهم كان بمثابة كمية رجال، علماً، وفكراً، ومعرفةً وعطاءً والتزاماً وانتماءً للسودان وقضاياه. شنق عليها الأستاذ عبدالخالق محجوب (1927م-1972م)، والأستاذ الشفيع أحمد الشيخ، والأستاذ جوزف قرنق، وآخرون. رثاهم المبدعون، وبكاهم الناس بكاءً حاراً، ولا يزال الناس ينزفون دماً ودموعاً كلما مرت الذكرى، أو فكرتهم بهم الأحداث أو المواقف. رثى الشاعر الأستاذ محمد الواثق، صديقه الأستاذ جوزيف قرنق، وهو من أوائل المبدعين الذين رثوا قائداً جنوبياً، إن لم يكن أولهم، قال الواثق في رثائه لجوزيف قرنق:
صديقي الُمثابر جوزيف قرنقْ
فيا ربِ هلْ
على روحهِ أقرأُ الفاتحة
فقد عدِمَ القبرَ والنائحة
وأُلحِدَ في التُربِ كيفَ اتفقْ
***
وكان إذا جاشَ مِواره
تدافعه روحه الثائرة
وصادمت الكونَ أفكاره
وكم أنبت الكونُ من زهرةٍ ناضِرة
فكنتُ إذا تمادتْ به الفكرةُ الجانحة
أشيح إلى مكة القرية الصالحة
أعوذ نفسي بربِ الفلقْ
على أن جوزيف قرنقْ
كما شهدت دمعتي السافحة
جميل المحيا جميل الخُلُقْ
فياربِ هلْ على روحهِ اقرأ الفاتحة
فقد عَدِمَ القبرَ والنائحة
وأُلحِدَ في التربِ كيف اتفقْ

وفي عام 1985م، شُنق الأستاذ محمود محمد طه (1909م-1985)، ورثاه العلامة البروفسير عبدالله الطيب (1921م-2003م)، بقصيدة عنوانها "مصاب وحزن"، وجاءت في خمسة وثمانين بيتاً، ولعله وافق بها السنة التي جرى فيها تنفيذ حكم الإعدام في حق الأستاذ محمود. أشار العلامة في قصيدته إلى جهل القادة، ومحدودية رؤاهم، وقصور تصوراتهم، ونقص معرفهم. وتحدث عن ذهاب الفضـل وقيم التسامـح والعفـو، قال في بعض أبياتها، (أبيات متفرقة):
قد شجانى مصابه محمود مارق قيل، وهو عندى شهيد
وطنيّ مجاهد وأديـب منشئٌ، فى بيـانه تجـويد
سيق للقتل وهـو شيخ أخو ست وسبعين أو عليها يزيد
لم يراعوا فيه القوانين ظلما فهو قتلٌ عـمدٌ وجَرمٌ أكيـد
زعموا أنـه تزندق وارتد وقـالوا هـو العدو اللّدود
قتلته الأفكار فى بلد الجهل الذى سيطرت عليه القيود
واثقا كان فى الخصومة بالفكر لو الفكر وحده المنشود
سبق الناس فـى السياسة رأيا حين فيها تفكيرهم محدود
وقد احتج وحده حين لم يُلفَ عن البرلمان صوتٌ يذود
ذلكم أوّل انقلاب بلوناه وللشـر مُــبدىء ومعيد
وأحتوتنا عماية من صراع دائـم للقوى به تـبديد
وكأن صار مظهر الدين لا المَخْبَر فينا فاعلم هو المقصود
فشت الآن برجوازية فى الدين من قبل عُلّقتها اليهود
وتفان على الحطام كأن الدين أركانه الشـداد النقود
قد أباها المسيح عند الفريسيين إذ قلبهم بها جلمود
علنا علّـقوه يشنق للجمهور ذاك المفكر الصنديد
يا لهـا وصمة على جبهة القطر ستبقى وعارها لا يبيد
قتلوا الفكر يوم مقتله فالفكر فيه ميت البلاد الفقيد
ذهب الفضل والتسامح والعفو وجاء الإعدام والتشريد
فيم هذا الطغيان ما هذه الأحـقاد ما هـذه القلوب السود
ما الذى جدّ ما الذى جلب القسوة من أين ذا العتم الشديد
قد أسأنا إلى الشريعة والإسلام مـا هـكـذا تقـام الحدود
ما كذا سنة النبى ولا الوحى الذى أنزل الحكيم الحميد
سنة المصطفى هى اللّين، هذى غلظة بل فظاظة بل جمود
لم يترك عنف الصراع، الذي تسرب إلى عقول النخبة ونفوسها، وتنزل إلى واقع الناس، وأصبح مرتكز الممارسة السياسية السودانية، فضيلة واحدة في الإرث السياسي يمكن أن يُعتد بها في التسوية الوطنية، أو المراهنة عليها في المسار المستقبلي. إن تصحيح مسار السودان، يحتاج إلى تحقيق التسوية الوطنية، التي تتطلب جهداً كبيراً في القيام بالمراجعات، وبناء المصالحات، وتصحيح الأوضاع. ولا يمكن أن تتحقق تسوية ومصالحة وطنية شاملة، من دون فتح الملفات المختلفة، ومواجهة القضايا بكل جرأة وشجاعة ونبل، وتقديم الاعترافات والاعتذارات الشجاعة، إلى الأفراد والثقافات. نلتقي يوم الخميس القادم.

م (9)
إن غربلة المكونات، والمفاهيم، وفلترتها، خدمة تنويرية عظيمة، تبتغي الحصول على الإدراك الشامل، والمساهمة في الوعي بالذاتية، كما أنها تُسعف كثيراً في الانطلاق والانعتاق. فالسودان كما هو معروف، قطر شاسع، ومتنوع ثقافياً، وعرقياً، ودينياً. تراكمت على أرضه قصص حضارية طويلة، وجرت فيها أحداث تاريخية كثيرة. ولهذا، فقد تبلورت وترسبت على أرضه، وفي إنسانه مكونات ومفاهيم عديدة، لايزال بعضها حياً وفاعلاً، في الوجدان والفكر، وظل مؤثراً في مسار السودان، وفي سلوك إنسانه. ومن بين تلك المكونات والمفاهيم، ظاهرة الغريب الوافد أو الغريب الحكيم. يحتفي الناس في السودان كثيراً بالغريب، ويأخذون بنظرياته، ويعملون برأيه، ويولونه أمرهم، وينتظرون منه إحداث التغيير. مقابل ذلك، يجد المحلي من المبادرات الخلاقة والأطروحات الفكرية، والرؤى التصحيحة، حالة من اللاثقة واللاقبول، واللا إحتفاء، إلى جانب التهميش والرفض. وبهذا الفهم القاصر للمحلي، الناتج من الغيبوبة المعرفية، والضعف في الوعي الذي كان أكثر وضوحاً لدى القادة والمثقفين، فقد السودان وصفات وسيناريوهات تنموية جليلة، وضحايا كُثر، من أصحاب المبادرات الخلاقة، والأطروحات الفكرية، والرؤى التصحيحة العظيمة.
يعود الإيمان بالغريب الوافد والإعتقاد فيه، إلى مرحلة تكوين الممالك الإسلامية في السودان، سلطنة الفونج (1504م-1821م)، ومملكة تقلي (1530م-1821م)، وسلطنة الفور (1650م-1916م)، ومملكة المسبعات (1660م-1750م). مثَّل قيام الممالك الإسلامية لحظة تفاعل بين الثقافات الأفريقية والثقافة الإسلامية العربية، نتج عنها، وتجذرت فيها الكثير من المفاهيم والمكونات للواقع السوداني. يقول الدكتور قيصر موسى الزين في كتابه: فترة إنتشار الإسلام والسلطنات (641م-1821م)، مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، جامعة أم درمان الأهلية، أم درمان، 1998م: (انتهت فترة السلطنات الإسلامية في السودان بقيام الحكم التركي/ المصري فيه ابتداءً من عام 1821م، ومع ذلك فإن الآثار العميقة لهذه الفترة لم تنته حتى اليوم، وذلك أن معالم الشخصية السودانية بسماتها المتفردة الأفريقية والعربية والإسلامية قد تكونت بصفة أساسية في هذه الفترة...). لقد ارتبط قيام هذه الممالك، كما أشار الكثير من المؤرخين وعلماء الفلكلور باسطورة "الغريب الحكيم" أو المبارك أو الوافد. وأشاروا إلى أنها اسطورة إفريقية، برزت في لحظة التفاعل والتلاقح بين الثقافات الإفريقية والثقافة الإسلامية العربية، عند قيام الممالك والسلطنات الإسلامية. كان للغريب الحكيم دور جوهري في قيام السلطنات الإسلامية، وكان يتسم بملامح وخصائص وصفات ومميزات، وهو الذي يُحدث التغيير ويحرك الأحداث ويصنعها. ولهذا، فإن ظاهرة الغريب الحكيم، ظاهرة ماثلة في الموروث الشعبي السوداني، ومترسبة في وجدان الإنسان السوداني، ولها أثر في تكوينه الوجداني والفكري. لقد وردت الإشارة إلى الغريب الحكيم أو الوافد أو المبارك في الكثير من مصادر ومراجع الدراسات السودانية، ومن ذلك: كتاب الطبقات، للشيخ محمد النور بن ضيف الله، الذي حققه البروفسير يوسف فضل حسن، وفي مخطوطة كاتب الشونة، تحقيق الشاطر البصيلي، القاهرة، 1961م. وتحدث أيضاً، البروفسير يوسف فضل حسن في كتابه (مقدمة في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان الشرقي 1450م- 1821م) عن ظاهرة الغريب الوافد التي تواترت في الروايات، وذكر أن الغريب الحكيم/ الوافد (فرد كان أو جماعة) يتزوج من أسرة ذات رئاسة ثم يرث أبناؤه الملك. وذكر أن أهم ما يميز الغريب الحكيم/ الوافد المؤسس للممالك والسلطنات الإسلامية أنه:
1. يجتذب قلوب الناس إليه بسلوكه الحسن وبمعرفته لبعض المعارف الجديدة.
2. تُعجب الأسرة الحاكمة به، ويتم زواجه من بنت الملك.
3. يُعلم الناس الآداب العامة وآداب الآكل.
4. يكونوا اكثر تحضراً من المقيمين.
5. يفد من وسط حضاري عريق لمنطقة متخلفة.
6. يسود فهم بأنه رجل مبارك حكيم.
7. يتم تنصيبه ملكاً.
أشار الأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد (1942م- 2004م) في كتابه: (السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل)، إلى الدور التاريخي للغريب الحكيم، وأثره في التكوين الفكري والمعرفي لدى المثقفين. وتحدث الدكتور عبدالله علي إبراهيم عن ظاهرة الغريب الحكيم، في كتابات له متفرقة، وتوسع في حديثه عن الغريب الحكيم/ الوافد في كتابه: (الثقافة والديمقراطية في السودان، 1996م)، وهو يستعرض ندوة الفلكلور: التراث الشفاهي والتاريخ، التي نظمتها شعبة الفلكلور بمعهد الدراسات الأفريقية والأسيوية بجامعة الخرطوم، (4-7 يناير 1989م)، وأشار في استعراضه، إلى حديث الباحثين والدارسين الذين شاركوا في الندوة، وتناول بعضهم ظاهرة الغريب الحكيم.
تناول أيضاً، الدكتور عبدالرحمن الخانجي في كتابه: قراءه جديدة في روايات الطيب صالح، دار جامعة ام درمان الاسلامية للنشر، ام درمان 1983م، ظاهرة الغريب الوافد، وتحدث عن أبعاد الظاهرة وأثرها، ومدى حضورها في الموروث الشعبي. ودرس شخوص الطيب صالح، وأشار إلى أن شخصيات الطيب صالح تتفق في أنها شخصيات غريبة وافدة يأتون إلى القرية وهم يحملون قوة قادرة علي أحداث التغيير، كأنها قوة خفية، وكثيراً ما كان ارتباطهم بالنيل مجيئا للقرية أو ذهاباً نهائياً. كما أن هذه الشخصيات تلتقي في النزعة والرغبة في الاستقرار وكسب ثقة الناس. ومن السمات التي تجمع بين هولاء الوافدين الغرباء، العطاء والغيرية والإنتاجية في محيط القرية وربما يحملون الوعي الذي يجعلهم علي الأقل اكثر وعياً من أهل القرية مما يوحي بأنهم قادمين من مناطق اكثر حضارةً ووعياً. وما يجمع بين هولاء الغرباء أنهم كانوا مقبولين لدي آهل القرية (ود حامد) بل وانهم سرعان ما تفاعلوا وتداخلوا حتى اصبحوا جزاءً من (ود حامد). ولعل هذه المميزات والسمات التي تجمع بين هؤلاء الغرباء الوافدين سمحت بأن يكون التغيير أعمق وأشمل وأكبر. كما درس الدكتور محمد المهدي بشرى في كتابه: الفلكلور في ابداع الطيب صالح، دراسة نقدية، الصادر من جامعة الخرطوم للنشر، عام 2004م، ظاهرة الغريب الحكيم من خلال تناوله لشخوص الطيب صالح، وجذَّر الظاهرة تاريخياً، واستعرض أراء عدد كبير من الباحثين والدراسين الذين تناولوها.
سألت مرة الروائي الطيب صالح (1929م- 2009م)، في محاضرة عامة، كانت في مدينة الدوحة بدولة قطر، نُظمت علي هامش معرض الكتاب الدولي في مساء يوم 22 من شهر ديسمبر عام 1996م، قائلاً له: إن التغيير يشكل عنصراً أساسياً في أعمالك ودوماً يتم التغيير علي يد غريب وافد، وكل شخوص أعمالك، خاصة الأبطال منهم، غرباء وافديين على القرية فمصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة إلى الشمال، كما جاء في الرواية غريب وافد: (إن مصطفي ليس من آهل البلد لكنه غريب جاء منذ خمسة أعوام اشتري مزرعة وبنى بيت وتزوج بنت محمود.. رجل في حاله لا يعلمون عنه الكثير). وبندرشاه كذلك غريب وفد علي القرية، ولا يعرفه أحد، ولا يعلم أهل القرية عنه شيئاً: (إن بندرشاه لم يكن هذا ولا ذاك بل كان رجلاً ابيض اللون وفد علي ود حامد من حيث لا يعلم أحد، أيام الغارات والهيجات أواخر أيام ملوك سنار، وكانت ود حامد موجودة ومأهولة ومعروفة باسمها الذي هي عليه الآن فأقام فيها....). وضو البيت (كان قد خرج من الماء ورايته واقفاً أمامي لا يغباني ابيض اللون طويل القامة عيونه خضر أراها علي ضوء ناري لكنه بني آدم مثلي مثلك… أهلاً وسهلاً قلت له أهلاً وألف مرحباً بالضيف الغريب الجايي من بلاد الله). أما شخصية بلال في رواية (بندرشاه- مريود) فهو: (كأنه نزل فجأة من السماء أو انشقت عنه الأرض أو انه طلع من النيل شخصاً كامل الهيئة والتكوين فلا إنسان من آهل البلد يذكره طفلاً ولا أحد يعلم من رباه ولا أحد يقول لك رأيت بلال أو سمعت بلالاً إلى أن ظهر فجأة وهو فتي يافع). وهكذا، فكل الأبطال عندك غرباء وافدين على القرية، يجدون الطاعة والسمع من الناس، ويصنعون الأحداث، ويُحدثون التغيير. وظاهرة الغريب الوافد أو الغريب الحكيم، ظاهرة موجودة، ولها حضور في الثقافة السودانية. وتناولها الكثير من الباحثين والدارسين، فهل كان توظيف الطيب صالح لهذه الظاهرة في أعماله بوعي، أم أنها كانت نتاج توافق بين تكونيه الفكري والوجداني مع الموروث الشعبي السوداني؟
أجابني الطيب صالح قائلاً: نعم يا أخي الغريب الوافد فعلاً يُشكل العمود الفقري لأعمالي، وظاهرة الغربي الوافد ظاهرة حاضرة عندنا في الموروث الشعبي، ولها وجود عظيم، وأثرها كبير في تكويننا الفكري والوجداني، وتاريخنا وأحداثه تقول بذلك. فالغريب الوافد أو الغريب الحكيم، يصنع الأحداث، ويقوم بالتغيير، ويبني ويُنظم ويُعلم، ويقود الناس، والناس يطيعونه، ويستمعون إليه. نعم لقد عمدت إلى توظيف هذا الغريب الوافد توظيفاً فنياً.
الشاهد، أن الإعتقاد في الغريب والإيمان به أمر ماثل في السودان. لقد ظل الناس في السودان، بما في ذلك المثقفون، يحتفون كثيراً بالغريب الوافد، وبأفكاره، وبأطروحاته، ويتمثَّلونه، ويعتبرونه نموذجهم الذي يحتذى، وينتظرون منه إحداث التغيير. لقد كان الإنجليزي أبان حقبة الاستعمار، هو النموذج لطلائع المتعلمين. ذكر الدكتور النور حمد في كتابه: مهارب المبدعين: قراءة في السير والنصوص السودانية، الذي صدر حديثاً من دار مدارك للنشر: (فقد كان طلائع المتعلمين السودانيين كلفين بـ "الفَرْنَجَة" وقد ظهر ذلك في ميلهم إلى الأزياء الأجنبية، "البدلة، والكرافتة، والقبعة، والطربوش". كما جسد تلك النزعة أيضاً، استخدام الشوكة والسكين في الأكل، وإكمال الصورة الحداثوية لما ينبغي أن يكون عليه مظهر أهل الفكر والرأي، باستخدام الغليون على الطريقة الغربية. يضاف إلى ذلك، تنامي التطلع للخروج من سكنى الأحياء الشعبية، إلى سكنى الأحياء الإفرنجية...). وهناك أيضاً، من تمثَّل علماء الأزهر في المظهر والمسلك. إن الإيمان بالغريب والإعتقاد فيه، والثقة به، أمر يجد جذره وتأصيله في تاريخ السودان وفي الموروث الشعبي. وأمام هذه الثقة المطلقة في الغريب الوافد، ظلت الجهود المحلية من أطروحات ورؤى وأفكار موضع تهميش واحتقار. أيضاً ظل أهل السودان، وهم يحتفون بالغريب، يتوقعون الإحتفاء بهم من الآخرين بنفس القدر الذي يجده الغريب وهو بينهم. إلا أن الأمر ليس كذلك. لقد شكى الطيب صالح في مقالة له ضمها كتابه: وطني السودان، من معاملة الأمريكان له على المستوى الرسمي، أثناء إجراءات حصوله على التأشيرة، وإجراءات الدخول في المطارات الأمريكية... إلخ، وقال: معلقاً على المعاناة التي واجهها: نحن في السودان نحترم الغريب ونكرمه ونجله، ولكننا حينما نسافر إلى الخارج نجد المعاناة والعناء والتعب، ولا نظفر بشئ من الإكرام أو التقدير الذي ظللنا ولانزال نقدمه للغريب أياً كان. نلتقي يوم الخميس القادم.

(10)
تحدثت في الحلقة السابقة عن احتفاء الناس في السودان بالغريب الوافد. وذكرت أن الغريب الوافد يجد التبجيل من عامة الناس، وأن نظرياته وأطروحاته لقيت قبولاً وحماساً وافراً من المثقفين والقادة، وراهنوا عليها في إحداث التغيير. ظل أثر الغريب الوافد، والإيمان به، والإعتقاد فيه، واضحاً في مسار السودان، وفي سلوك إنسانه. ومقابل ذلك، لقي المحلي من المبادرات الخلاقة والأطروحات الفكرية، والرؤى التصحيحة، حالة من اللاثقة واللاقبول، واللا احتفاء، إلى جانب التهميش والرفض. وبهذا، الفهم القاصر للمحلي، الناتج من الغيبوبة المعرفية، والضعف في الوعي، الذي كان أكثر وضوحاً لدى القادة والمثقفين، فقد السودان وصفات وسيناريوهات تنموية جليلة، وضحايا كُثر، من أصحاب المبادرات الخلاقة، والأطروحات الحيَّة. ونسجت مما ورد في بعض المصادر والمراجع في الدراسات السودانية، قولي بأن ظاهرة الغريب الوافد أو الغريب الحكيم أو المبارك، اسطورة إفريقية، برزت مع مرحلة تكوين الممالك والسلطنات الإسلامية في السودان: سلطنة الفونج (1504م-1821م)، ومملكة تقلي (1530م-1821م)، وسلطنة الفور (1650م-1916م)، ومملكة المسبعات (1660م-1750م). مثَّل قيام الممالك والسلطنات الإسلامية لحظة تفاعل بين الثقافات الأفريقية والثقافة الإسلامية العربية، نتج عنها، وتجذرت فيها الكثير من المفاهيم والمكونات للواقع السوداني. لقد ارتبط قيام هذه الممالك والسلطنات، باسطورة "الغريب الحكيم" أو المبارك أو الوافد، من خلال دوره الجوهري في تأسيسها، وقدرته على إحداث التغيير، وتحريك الأحداث وصناعتها. ولهذا، فإن ظاهرة الغريب الوافد أو الغريب الحكيم أو المبارك، ظاهرة لها جذر عميق في تاريخ السودان، وظلت ماثلة في الموروث الشعبي، ومترسبة في أعماق الإنسان السوداني، ولها أثر واضح في تكوينه الوجداني والفكري.
إن غربلة الموروثات والمكونات، وفلترة المفاهيم، مهمة جزئية من المهمة الكبرى وهي التغيير. والتغيير ما هو إلا تحول وانتقال من حال إلى حال، من القديم والسائد والمألوف، إلى الجديد الملبي لإرادة أفراد المجتمع، والمنعتق من القديم البالي. وهو مهمة ضخمة، تتداخل فيها عوامل كثيرة، وتتم بجهد جماعي من أجل إصلاح الواقع، والتغلب على مشكلاته، والانعتاق من قيوده، بعد تهيئة المسرح للتغيير. والتغيير يبدأ في عقل الإنسان، من أفكار ورؤى وأطروحات ثم تنتقل إلى الواقع، بهدف الترجمة العملية والتطبيق. وهنا يتجلى دور النخبة. فالنخبة ومنهم القادة، تقع على عاتقها المسؤولية، فهي كما يقول الدكتور منصور خالد في كتابه: جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي، 2000م، صفحة رقم (6): (.. التي تحدد المسار، وتضبط وقع الخطى، وتملك القدرة- أو هكذا يفترض- على الوعي العقلاني بالتاريخ).
حينما ظهر طلائع المتعلمين، في بواكير القرن العشرين في الشارع العام، تشبثوا بالغريب الوافد، واندهشوا به، وتمثّلوه في المسلك والمسكن والملبس. كان الغريب الوافد، أمام طلائع المتعلمين هو الرجل الإنجليزي، والفقيه الأزهري، والشاعر العربي. ظل كل نموذج من هذه النماذج الثلاثة، هو النموذج الذي احتذاه طلائع المتعلمين واللاحقون من بعدهم، حتى أضحى المتعلمون، أنفسهم غرباء على مجتمعاتهم وبيئاتهم وثقافاتهم المحلية. كان الاستثناء في ذلك قليلاً، وعلى قلته، فقد واجه من أنداده الدسائس والحسد والتهميش والاحتقار والحرب. حينما أصبح طلائع المتعلمين، قادة السودان بعد خروج المستعمر عام 1956م، كانوا لا يشبهون عامة الناس، ولا ينتمون إليهم، كما كانوا ضعيفي الوعي بالذاتية، قليلي الارتباط ببيئاتهم وثقافاتهم المحلية. ولهذا، فإن جهودهم –مع التقدير لها- لم تكن سوى تأسيس لمشاكل السودان، وتعميق لقضاياه. وقد ظهرت المشاكل منذ العقد الذي تم فيه خروج المستعمر، وتكشف أمر المشاكل الآن، بجلاء ووضوح.
عندما دخلت النظريات (الشيوعية– والأخوان المسلمون، والقوميون العرب)، قبيل الاستقلال وبعده، كانت كلها غريبة وافدة، على الواقع السوداني. اندهشت لها النخبة، وقابلتها بالترحيب الحار، مع الحماس الوافر، والإطمئنان الكامل لأطروحاتها. سعت النظريات إلى الاستعانة بالقوات المسلحة أو دعم انقلاباتها وتبادلت الأدوار في ذلك، من أجل تحقيق برامجها، ورؤاها الثورية، وبسبب رغبتها المتعجله في إحداث التغيير.
ظل المثقفون رهينة لصراع النظريات، الأمر الذي أوجد حواجز كثيفة بينهم، وعاق فرص تعارفهم وتحاورهم، وإكتشاف بعضهم بعضاً. أيضاً، كان صراع النظريات، السبب الأساس في ضعف مساهماتهم، وهدر طاقاتهم، وتبديد جهودهم، وغيابهم عن الواقع واحتياجاته. ولم تنل شعوب السودان من النظريات، سوى الضيم والخراب والموت. فقد زادت النظريات من شدة الصراع وعنفه، ووجهته في وجهة أشد قسوة. وفي ظل الصراع بين النظريات، من أجل السيطرة على الحكم، قُتل خيار أبناء السودان، وعظام قادته ومفكريه، وفقد الكثير من المثقفين شبابهم وعقولهم ما بين سجون الخصم، وحرب الدسائس داخل النظرية. كانت النظريات التي اعتنقتها النخبة، شديدة الضرر على الصحة السياسية السودان، وظل الصراع بين النظريات، والتصفية لحسابات الماضي بين أفرادها، هو المتحكم في مسار السودان السياسي حتى يومنا هذا.
تحكمت النظريات في مزاج المثقفين ووعيهم، وشغلتهم عن التأمل في أنفسهم، وصرفتهم عن التعرف بواقعهم، والتفحص لمشكلاته والرصد لإحتياجاته. لقد راهن المثقفون على النظرية في إحداث التغيير، وأرادوا عبرها أن يصبوا المجتمع في قوالبها، وإعادة صياغة إنسانه ومنتجته وفقاً لتصورها. وهذا لم يتحقق ولن يتحقق لأي نظرية من النظريات. ذلك لأن إحداث التغيير والثورات يستمد شرعيته ومباركته وضمان نجاحه من انسجام النظرية وتوافقها مع معطيات الواقع، وتناغمها مع الجذور التاريخية، والمكونات الحضارية للشعوب. وإلا حدثت القطيعة بين الواقع والنظرية، كما نراه ماثلاً أمامنا الآن.
الشاهد، أن هناك إشكالات كثيرة في التكوين الفكري والوجداني للنخبة السودانية. وقد نتج عن تلك الإشكالات ضعف في البناء المعرفي، وهشاشة في التكوين العقلي. وحينما يكون هناك ضعف في تكوين القادة المعرفي، واهتزاز في وعيهم بالذاتية، وهشاشة في معرفتهم بالتاريخ والواقع، يكون الفشل حتمياً. إن طاقم الحكم في السودان منذ الاستقلال 1956م، حتى يومنا هذا، مدنيين وعسكريين، أصحاب النظريات وغيرهم، لم يستطعوا أن يحدثوا تغييراً إيجابياً يذكر، أو يحققوا تنمية يشار إليها. لقد فشلت النخبة السودانية منذ خروج المستعمر عام 1956م، حتى يومنا هذا في وضع نواة أو لبنة لنظام سياسي يتناسب مع الواقع السوداني. قال الدكتور عبدالله على إبراهيم، في حوار تلفزيوني مع آخرين بثته قناة النيل الأزرق الفضائية (حوار حول إنتخابات 2010م في السودان، برنامج حتى تكتمل الصورة، تقديم الطاهر التوم، الخرطوم، 15 أبريل 2010م، الساعة 21:25)، وهو يتحدث عن تفرد السودان وخصوصيته، واستمرار الفشل فيه: (ونحن حتى الآن لم نستطع أن نبتدع نظاماً وممارسة سياسية تناسب وتتناسب مع خصوصيتنا وتفردنا، بعيداً عن المقارنات).
من الطريف الذي يمكن ذكره في هذا المقام، ما ذكره البروفسير محمد إبراهيم أبوسليم (1927م-2004م) في كتابه: أدباء وعلماء ومؤرخون في تاريخ السودان، دار الجيل، بيروت، ط1، 1991م، ص 45)، وهو يتحدث عن محمد أحمد المحجوب(1908م- 1976م)، الذي كان نادراً ما يتلعثم أو يرتبك، قال البروفسير أبو سليم: أذكر أن المحجوب القى محاضرة في الخمسينات بدار الثقافة عن الحركة الثقافية في السودان، وقد حضرت هذه المحاضرة، وأنا طالب بالجامعة ومعي مجموعة من الطلبة، ونحسب أن تلك المحاضرة كانت امتداداً لآرائه المضمنة في كتاب الحركة الفكرية، غير أننا لم نعثر على نص للمحاضرة، وقد كانت مكتوبة يقرأها المحاضر. ومن الطريف أنه رفض في هذه المحاضرة الأخذ بالفكر الماركسي باعتباره فكراً وافداً بينما هو يتمسك بما هو سوداني نابع من السودان، فانبرى له شاب من جماعة ماركس، وسأله كيف إذن تقبل الإسلام وهو وافد إلى السودان، فارتبك المحجوب قليلاً ثم تخلص من المأزق بقوله إن الإسلام ليس من البشر وإنما جاء من السماء.
إن دراسة إشكاليات السودان، تحتاج لبحث كثيف في العقل الثقافي السائد، ونقد جرئ لمكونات الواقع الفكرية والثقافية، وفحص متعمق للتحولات في الفكر الديني، والكشف عن ما يسميه الدكتور عبدالله بولا في دراسته: "شجرة نسب الغول في مشكل الهوية الثقافية وحقوق الإنسان في السودان: أطروحة في كون الغول لم يهبط علينا من السماء"، مجلة مسارات جديدة، إعلام لواء السودان، أسمرا، العدد1، أغسطس 1998م، ص 46 بـ (البنى الأساسية لانتهاكات حقوق الإنسان في السودان)، والتي يعني بها (البنى الذهنية المفاهيمية الاجتماعية والثقافية والنفسية والسياسية القائمة في مجتمعنا). نلتقي يوم الخميس القادم.

(11)
أشرت في الحلقتين الأولى والثانية من هذه السلسلة، إلى أن الحوار بين النخبة السودانية –على قلته-، والنقد لمواقف بعضها بعضا، اتسم بالفظاظة والخشونة والقسوة والنفس الحار. بدأ ذلك الحال منذ ظهور طلائع المتعلمين في الشارع العام مع بواكير القرن العشرين، وزاد مع زيادة أعدادهم بفعل تراكم السنين والتوسع في التعليم ومؤسساته. تمدد المتعلمون في الشارع العام، وتمددت معهم ثقافة حوارية مريضة، نشأت منذ بواكير القرن العشرين ونمت في مناخ تسوده المنافسة الحادة والصراع العنيف والعقيم، وكانت محصلته انتشار الشللية وبروز الطموحات الشخصية وعراك القوى والمناورات. ظل الحوار بين طلائع المتعلمين في النصف الأول من القرن العشرين، والعقود التالية، يُعبر عن علل في النفوس وضمور في العقول، وقصور في المعارف. وبقي ذلك موروثاً ضمن التركة والموروثات. ورثت الأجيال اللاحقة، تلك الخصال الحوارية والطبائع النقدية ضمن مورثات أخرى. وظل الحال في يومنا هذا أسوأ مما كان عليه. الشواهد والنماذج على ذلك كثيرة، ولكني انتخبت ثلاثة نماذج لحوارات ومواقف نقدية معاصرة ومكتوبة ومنشورة. جرت بين ستة من المثقفين الحداثيين الكبار. جميعهم رموزٌ بارزة، وأصحاب قامات سامقة في مختلف الأجناس الإبداعية، في الفكر والأدب والفن والشعر ...إلخ. كلهم كما برز في كتباتهم، وفي أحاديث بعضهم، من المشغولين بشعوب السودان، ومن المهمومين بحقوق هذه الشعوب في العدالة، والحرية، والديمقراطية، ودخول الحداثة، وبناء الأمة وتحقيق السلام والاستقرار. يمثل كل واحد من هؤلاء المثقفين الستة، نموذجاً يحتذى، وأثراً يقتفى، في الالتزام الوطني والإنساني، وجودة الإنتاج المعرفي، لأجيال اليوم والأجيال اللاحقة. ولكل منهم مساهمات معرفية وسهوم تنويرية، بعضها ضخم وعظيم، وبعضها وضع صاحبه في مصاف العالمية والتفرد والتمايز. والنماذج الثلاثة هي:
النموذج الأول: "حوارية لاهاي"، 1997م، وهي سجال تم بين الدكتور عبدالله أحمد البشير (بولا) والدكتور حيدر إبراهيم. كان نواة السجال حوار مع الدكتور عبدالله بولا في هولندا، تم على هامش المؤتمر الذي نظمته "المنظمة السودانية لحقوق الإنسان، فرع هولندا"، يونيو 1997م، وقدم فيه الدكتور عبدالله بولا ورقة بعنوان: "إشكالية المثقف والسلطة". على هامش المؤتمر التقى بعض المثقفين الشباب بالدكتور عبدالله بولا، وأجروا معه حواراً في مقهى بمدينة "لاهاي"، كان العنوان الرئيس للحوار هو: "إشكالية المثقف واستشكال الواقع .. مقاربة لتحديد السؤال"، نُشر الحوار في "صحيفة الخرطوم" عددي يوم 27 نوفمبر 1997م ويوم 4 ديسمبر 1997م. تحدث الدكتور عبدالله بولا في ذلك الحوار عن قضايا عديدة ومتداخلة، وتناول مواقف المثقفين السودانيين وتحديات واقع بلادهم، ولامس الحديث قضايا ثقافية مختلفة، وأشار إلى تجربة "مركز الدراسات السودانية". بعد نشر الحوار عقب الدكتور حيدر إبراهيم على مدير "مركز الدراسات السودانية" على ذلك الحوار، بمقال كان عنوانه: "ثقافة جديدة .. بعقل قديم"، انتقد فيه مواقف ومنطلقات بولا، نُشر المقال بصحيفة الخرطوم يوم 15/1/1998م. أثار الحوار مع الدكتور عبدالله بولا، ورد الدكتور حيدر عليه، والمساجلات اللاحقة، مناقشات وحوار واسع بين المثقفين خاصة الشباب منهم. نُشرت بعض تلك المساهمات في صحيفة الخرطوم وبعضها الآخر في المواقع الإسفيرية.
النموذج الثاني: "أشغال العمالقة" 2007م، وهو نص كتبه الفنان الدكتور حسن موسى، فاق عدد كلماته الأربعين ألف كلمة، وكان محوره الشاعر محمد المكي إبراهيم. (حسن موسى، "أشغال العمالقة"، من سودان للجميع (Sudan for all)، الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم، منبر الحوار الديمقراطي، استرجاع (Retrieved) بتاريخ 12 نوفمبر 2009م، الموقع على الإنترنت: www.sudan-forall.org). انطلق النص من حدثين، الحدث الأول: كان كلمة كتبها الشاعر محمد المكي إبراهيم في حق الفنان الدكتور عبدالله بولا، حينما نما لعلم المكي بأن وعكة صحية ألمت ببولا، وكان عنوان كلمة المكي: "عبد الله بولا .. عملاق سوداني" وقال فيها عن بولا: (يُمثل بولا ما يمكن تسميته بالمثقف الشامل فهو منظر كبير في مجال الرسم والتلوين وفي مجال الشعر كما في مجال التاريخ الثقافي وله نظرات ثاقبة في النظر الى موضوع الهوية السودانية. وكثيراً ما وقفنا على طرفي نقيض في مسائل الهوية بالذات ولكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بذكائه الحاد ونظره المتميز وقدراته الالهامية في استقراء الأمور. وسوف تظل مساهماته الكبيرة موضع التقدير والنظر العلمي والفلسفي في مقبل الايام، كما أن لوحاته المتميزة ستشكل لبنات أساسية في متحف الفن السوداني الحديث). (محمد المكي إبراهيم، "عبد الله بولا .. عملاق سوداني"، من موقع سودانيزأولاين، منتدى سودانيز أولاين، استرجاع (Retrieved) بتاريخ 10/12/2007م، الموقع على الإنترنت: http://www.sudaneseonline.com). والحدث الثاني: هو حديث للشاعر المكي حول ديوانه الشعري "أمتي" ورد ضمن مقابلة صحفية أجراها معه الأستاذ أحمد عبد المكرم، ونُشرت في جريدة الخرطوم بتاريخ 28 سبتمبر 1995م. تطرق المكي في حديثه لديوانه الشعري "أمتي"، وقال واصفاً الديوان بأنه: "شغل شباب". طبعت الطبعة الأولى من ديوان "أمتي" ببيروت عام 1969م. تمحور نص "شغل العمالقة" حول هذين الحدثين، ونفذ عبرهما إلى مواقف الشاعر المكي، وتناقضها عبر مسيرته الإبداعية. عد حسن موسى وصف الشاعر المكي لديوانه "أمتي" بأنه "شغل شباب"، تبرؤ من ديوان "أمتي"، وتنصُل -على رؤوس الأشهاد- من ذلك الشعر العظيم. اعتبر حسن موسى هذا الموقف يُفسد علي الشاعر المكي، كما يُفسد علينا كلنا منفعة قراءة الدكتور عبدالله بولا لشعر "أمتي". ذكر حسن موسى (مقتبساً بعض مما جاء في كلمة الشاعر المكي "عبدالله بولا.. عملاق سوداني"، أن الدكتور بولا قد اهتم بديوان "أمتي" واكرمه بالقراءة المستوعبة فكان ذلك من ضمن الأسباب التي أكسبت ذلك الديوان سيرورته بين أجيال السودانيين. وأضاف قائلاً: إن بولا هو الذي نبهنا لمرامي شعر "أمتي"، فاحتفينا به "أي بديوان أمتي" وحفظناه عن ظهر قلب وجعلناه زادنا في الأيام الصعبة. وأبحر نص "أشغال العمالقة" متناولاً قضايا عديدة وعميقة، تمحورت حول محاور كثيرة ومتداخلة منها: الإبداع والمسؤولية الأخلاقية للمبدع، وقدم بعض النظرات النقدية لجمالية الخلق الشعري، وقدم النص جرداً شاملاً وواسعاً لمواقف بعض الشعراء والمبدعين، وعلى رأسهم الشاعر محمد المكي إبراهيم، كما وقف النص على قضية المرتكز الحضاري للسودان (الهوية)، وأشار إلى قضية التنوع الثقافي، وتحدث عن الإسلام السوداني، وأشار إلى مشكلة مشروع الهوية في مساهمة الغابة والصحراء، وتناول قضايا أخرى كثيرة، فالنص واسع من حيث القضايا التي تناولها، وعميق من حيث قدرته على إختراق الإنتاج الشعري/ المعرفي وتلمس التناقضات، والوصول به إلى البُنى الفكرية والمعرفية لدي المبدعين ومنتجي المعرفة في السودان. وزُيل النص بقائمة للمصادر/للهوامش والمراجع.
رد الشاعر محمد المكي إبراهيم على الدكتور حسن موسى بمقالة قاسية كان عنوانها: "آية اللؤم العظمى"، نُشرت بصحيفة الأحداث، يوم 29 يناير 2008م. استهل الشاعر المكي مقالته بقوله: (تألمت لمرض الفنان عبد الله بولا ووصلتني أنباء أكثر إيلاماً (كاذبة لحسن الحظ) عن طبيعة مرضه فبادرت إلى الاتصال به على الهاتف وتحدثت إليه والى حرمه الكريمة المثقفة وخلال ذلك كان مقالي الاحتفائي قد نشر في الرأي العام ووصل إلى علمه فتحدث عنه مستحسناً مشيراً إلى ما فيه من مظاهر الإعزاز وانتهت محادثتنا على أحسن حال فقد قضيت واجباً نحو زميل في مهنة الاشتغال بالثقافة ونقلت إليه والى عائلته انه ليس وحيداً ولا مهجوراً وأننا معه في الضراء وعند البأس)، وأضاف المكي: (بعد بضعة أيام على الاتصال ونشر المقال فوجئت بمقالة من السباب البذيء والتخريج اللئيم كتبها شخص مقرب للأستاذ بولا سبني فيها سباً لا استحقه ونسبني إلى أمور لا تتفق وما عمر به وجداني من المروءة ونبل المقصد). واستمر في مقالته بشئ من القسوة والنفس الحار أيضاً.
النموذج الثالث: "منصور خالد: القوَّال The Snitch" 2009م، وهو المقال الأول من سلسلة مقالات كتبها الدكتور عبدالله علي إبراهيم، وكان محورها الدكتور منصور خالد. وصف الدكتور عبدالله، الدكتور منصور خالد بأنه عميل أمريكي، وأفاض حول ذلك، مستدلاً بشواهد وأدله عثر عليها أثناء قيامه برحلة تنقيبيه في أرشيف وزارة الخارجية الأمريكية المودع بدار الوثائق الوطنية بمدينة كولدج بارك بولاية ميرلاند. بلغ عدد مقالات الدكتور عبدالله أثنى عشر مقالاً منشوراً، كان عنوان المقال الثاني وحتى الثاني عشر هو "ومنصور خالد". ثم جاء مقال لاحق في يوم 7 مايو 2010م بعنوان: "ما زهجتنا يا منصور خالد". (عبدالله على إبراهيم، "منصور خالد: القوَّال"، من موقع سودانايل، منبر الرأي، استرجاع (Retrieved) بتاريخ 21/2/2009م، الموقع على الإنترنت: www.sudanile.com). لم يرد الدكتور منصور خالد كتابة على مقالات الدكتور عبدالله، ولكن سخر منها، ومن كاتبها، واستهجنها، وقلل من أهميتها وشكك في دقة ما جاء فيها، في حوارات صحفية، وأثناء لقاء تلفزيوني، استضافه فيه صاحب "برنامج مراجعات" على قناة النيل الأزرق الفضائية، الأستاذ الطاهر التوم. أحدثت مقالات الدكتور عبدالله على إبراهيم جدلاً واسعاً، وكتبت عنها العديد من المقالات، وجرت حولها الكثير من الحوارات.
أثارت هذه النماذج الثلاثة جدلاً واسعاً، وحواراً كبيراً في الصحف المحلية في السودان، وفي بعض المواقع الإسفيرية، وكتبت حولها العديد من المقالات، وقدمت الكثير من المساهمات، بعضها يدافع، وبعضها الآخر يؤيد، وبعض المقالات والمداخلات استنكر المنحى، ورفض الطريقة التي تم بها نقد المواقف، وطبيعة التناول الذي اتسم بالغلظة والنفس الحار الذي كتبت به. وأشارت بعض المقالات إلى أن بعض هذه النماذج الحوارية حمل الأمر فوق طاقته، وأن المسائل لا تستحق هذه الخشونة وهذه القطيعة، وهذا التطرف في النقد. كما ذهبت بعض المقالات إلى القول بأن بعض هذه النماذج الحوارية أبانت عن غياب الحوار بين النخبة، وعبَّرت عن ضعف البناء الديمقراطي الداخلي للمثقف، وكشفت عن ضيق مساحة الآخر في دواخله، وأبرزت قلة الفضائل الإنسانية في العلاقات بين المثقفين.
الشاهد، أنني لا أسعى في انتخابي لهذه النماذج الحوارية الثلاثة إلى دراسة نصوصها، أو تحليلها، أو مقارنتها أو دراسة السياق أو الظرف أو المناسبة التي كتبت فيها. أيضاً، لا أسعى إلى مقاربة نصوصها أو مقابلة بعضها بعضا، أو تناول ما ورد في قول أيِّ من كتابها في حق الآخر. ولا أسعى كذلك إلى محاكمة أي نموذج منها، أو محاكمة أي كاتب من كتابها، أو الدفاع عن أي من أصحابها، أو نقد أي موقف من مواقفها. إنما أرى أن هذه النماذج الحوارية الثلاثة –وغيرها كثير- تُعبر في جملتها وبنظرة كلية لما جاء فيها عن حالة عامة ظل يعيشها المبدعون والمثقفون السودانيون، وهي حالة تهميش المبدعين والمثقفين. لقد جردت الأنظمة السياسية، والتنظيمات السياسية، والمؤسسة العسكرية (في مواسم حكمها وانقلاباتها)، الواقع السوداني من فرص الاتصال بالقوة الإبداعية القادرة على وضع السيناريوهات للبدائل والخيارات عبر الكشف الحقيقي عن أسباب القضايا ومركباتها. أيضاً، ظل متوسطو المواهب والمقدرات في كل مواسم الحكم في السودان (الموسم الديمقراطي، والعسكري، والإنتقالي) يتربعون على عرش القيادة، ويوجهون النشاطات المجتمعية، ويتمددون في المنابر التنويرية، ويرسمون السياسات، ويحددون المسارات، مما أدى إلى تهميش المبدعين والمثقفين من جهة، وإلى هامشية علاقة المبدعين والمثقفين بالواقع من جهة أخرى، فانتهى الاتصال بالواقع إلى حدود السقوف المعرفية والفكرية لمحدودي المواهب والمقدرات حيث قصر النظر، وسطحية الفهم وضعف التحليل وتبسيط الأمور وردود الأفعال في المواقف والمسارات.
أيضاً، تُعبر هذه النماذج الحوارية الثلاثة عن حالة متراكمة من الشعور بالإقصاء. لقد ظل ذوو الطاقات الإبداعية، والقامات السامقة من المبدعين، مبعدين من الحراك الاجتماعي والسياسي والثقافي، ومبعدين أيضاً، من دوائر القرار والقيادة، بل ومن دوائر وضع الخطط، وطرح الرؤى للمسار المستقلبي (إن كانت هناك خطط ورؤى للمسار المستقبلي). فالطاقات الإبداعية والمثقف بالمعنى الذي تجلى في نماذجنا الستة، كان ينبغي بحكم -علاقته بالتاريخ والمجتمع- بل يجب أن يمثل الوسيط الحضاري والقائد للتقدم والإصلاح والتجديد. ولكن يمكن القول وبكل اطمئنان أن معظم الطاقات الإبداعية في السودان -ومنهم كتاب النماذج الحوارية الثلاثة المُشار إليهم- كانت ولا تزال فوق السقف المعرفي للقادة والحكام والساسة في السودان. الأمر الذي لم يجعل هناك فرصة لسماع أصوتهم أو الأخذ برؤاهم.
إن كُتاب النماذج الحوارية الثلاثة، ستة من كبار الطاقات الإبداعية، والقامات السامقة في الفضاء المعرفي السوداني، ولدى بعضهم حضور عالمي مميز، الفنان الدكتور عبدالله أحمد البشير بولا، والدكتور حيدر إبراهيم، والفنان الدكتور حسن موسى، والشاعر محمد المكي إبراهيم، والدكتور عبدالله علي إبراهيم، والدكتور منصور خالد. كل واحد من هؤلاء يُمثل في حد ذاته سلطة ثقافية، وبعضهم فوق ذلك هو سلطة إبداعية. فكل واحد منهم قامة في الإنتاج المعرفي، وحالة فريدة ومتميزة في السوح الفكرية والثقافية والمعرفية، ونموذج نادر في معاني الإتقان والجودة الشاملة للإنتاج المعرفي. جميعهم على معرفة عميقة بتاريخ السودان، ودراية وافيه بواقعه، ودربة عالية في التعاطي مع شؤون شعوبه، وجميعهم من أصحاب الرؤى، والإنتاج المعرفي الوفير. ولكن، واجهوا التهميش من قبل الساسة ومحدودي المواهب والمقدرات. كما ظلوا وهم الأكثر معرفة بالتاريخ والواقع ومتطلبات المستقبل، يشهدون على خيبة قادتنا السياسيين وفشلهم في إدارة البلاد، ويتابعون وبألم شديد حالة الانهيار التي منيت بها كل مؤسسات السودان ذات العائد التنموي، والموروثه من حقبة الاستعمار، بل عاصروا مراحل الإنهيار لكل ما ورثته شعوب السودان، من خيرات ومؤسسات: خطوط السكك الحديد، مشروع الجزيرة، جامعة الخرطوم، مؤسسة البريد، النقل النهري...إلخ. وراقبوا انتشار الإنهيار حتى تسرب الإحساس به إلى النفوس، وحينما يتأصل الاحساس بالانهيار في النفوس، يصبح النهوض معضلة، كما قال الروائي الطيب صالح (1929م- 2009م) في ختام وصفه لقصة انهيار السكك الحديدية في السودان. (الطيب صالح، مختارات (7)، وطني السودان، رياض الريس، بيروت، 2005م، ص 111، 112.
أيضاً، تعكس هذه النماذج الحوارية، فشل النخبة السودانية في تأسيس سلطة المثقفين الثقافية، التي عبرها يتم حضورهم كقوى فاعلة ومؤثرة في الشأن العام، ومساهمة في بلورة نسق القيم السائد، وتشكيل القيم الاجتماعية. إن تأسيس سلطة المثقفين الثقافية تحتاج أول ما تحتاج إليه بناء تيار قوى في داخل صفوف المثقفين، ولا يتم ذلك بدون الحوار الحر والمستمر. أيضاً، يتطلب تأسيس سلطة المثقفين الثقافية، تكثيف مساهمات المثقفين في إنتاج المعرفة وتطوير دورهم في مجمل الحركة الاجتماعية، والمشاركة الواسعة في الصراع من أجل التغيير والسعى إلى تبديل ميزان القوى والسلطات في السوح الدينية والثقافية والفكرية والاجتماعية من خلال انتزاع فرص التمركز والسعي لتضييف مساحات سلطات المجتمع التقليدية الأخرى. إلا أن تأسيس سلطة المثقفين الثقافية تشترط ضرورة التصاق المثقف بالواقع، والمجتمع، والعمل عبر الجماهير ومع الجماهير أثناء تقديم خدماته التنموية والتنويرية. وهذا ما لم يتسنى للنخبة السودانية. أيضاً، أدى غياب تأسيس سلطة المثقفين الثقافية إلى حدوث فراغ استفادت منه كيانات وتجمعات وجماعات تقليدية، استطاعت أن تمكن من سلطاتها، وتتمكن عبر بناء منظومة قيم في داخل المجتمع، فتوسعت عبرها، وأصبحت أقوى تأثيراً، وأكثر قدرة على التغير في مسار الأشياء والأحياء.
إن سبر أغوار موضوع المزاج الصفوي لدى النخبة، والصراع العقيم وغياب الحوار فيما بينها يحتاج إلى تناول أوسع ومعالجات أشمل، وهذا ما يتطلب تنظيم لقاءات وندوات وملتقيات موسعة. وتبقى هذه السلسلة عبارة عن إضاءات ومساهمة أولية تهدف فيما تهدف إليه إلى لفت الإنتباه إلى أهمية الموضوع، بضرورة السعى لمعالجته، عبر الحوار والكتابة حوله من المهتمين والدارسين.
نلتقي يوم الخميس القادم مع موضوع وثيق الصلة بموضوع: "النخبة السودانية: المزاج الصفوي والصراع العقيم"، ووثيق الصلة أيضاً، بالموضوع الذي تناولته قبل ذلك وكان عنوانه: "التنوع الثقافي والأمنية العذراء: خيبة القادة والعقول الراكدة"، وهو موضوع: "الأستاذ محمود محمد طه والمثقفون"، سأتناوله عبر محاور عديدة، في سلسلة من المقالات، ومن بين تلك المحاور: الأستاذ محمود في مذكرات معاصريه، الأستاذ محمود في موسوعات الأعلام وكتب التراجم السودانية، الأستاذ محمود والمؤرخون السودانيون، الأستاذ محمود والأكاديميا السودانية، الأستاذ محمود في الإرشيف القومي السوداني، الأستاذ محمود والعلامة عبدالله الطيب، الأستاذ محمود والروائي العالمي الطيب صالح، الأستاذ محمود والدكتور منصور خالد، الأستاذ محمود والدكتور فرانسيس دينق، الأستاذ محمود والأستاذ محمد أبو القاسم حاج حمد، إلى جانب محور يقف -عبر رصد أولى- على تسرب أفكار الأستاذ محمود في كتابات المثقفين السودانيين دون الإشارة إليه. ومحور آخر أتناول فيه -وبرصد أولي أيضاً-الأستاذ محمود والمثقفون الإسفيريون أو المثقفون الرقميون أو المثقفون الجدد.

(نقلاً عن صحيفة الأحداث، 19 أغسطس 2010م)

عصام همت

عدد الرسائل: 1804
تاريخ التسجيل: 13/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى